الجيش الكندي يحاكي سيناريو اجتياح أميركي محتمل
21 يناير 2026
كشفت تقارير صحفية أن القوات المسلحة الكندية أجرت عمليات محاكاة وتدريبات على سيناريو "اجتياح أميركي" محتمل، للمرة الأولى منذ أكثر من مئة عام.
وقال مسؤولان حكوميان كبيران، تحدثا لصحيفة "غلوب آند ميل"، إن نموذج المحاكاة الذي جرى بحثه داخل المؤسسات الكندية يرتكز على تكتيكات شبيهة بالحروب غير النظامية، على غرار تلك التي استخدمها مقاتلون في أفغانستان لمقاومة القوات السوفيتية ولاحقًا القوات الأميركية.
وأفادت الصحيفة الكندية، بأن المسؤولين يعتقدون أن احتمال أن يصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمرًا بغزو كندا يبقى ضعيفًا.
وبحسب الصحيفة، فإن حديث ترامب عن الضم تراجع خلال الأشهر الأخيرة، غير أنه نشر خلال الليل صورة على منصته للتواصل الاجتماعي تُظهر خريطة تُغطي كندا وفنزويلا بألوان العلم الأميركي، في إيحاء بسيطرة أميركية كاملة على البلدين.
وقال المسؤولان إن القوات الأميركية، في حال وقوع سيناريو غزو، ستكون قادرة على تجاوز المواقع الكندية برًا وبحرًا خلال فترة لا تتجاوز يومين.
وبسبب عدم امتلاك كندا الموارد العسكرية الكافية لمواجهة الولايات المتحدة عسكريًا بشكل تقليدي، فإن أي رد كندي محتمل سيكون قائمًا على حملة بأسلوب حروب العصابات، تشمل الكمائن وعمليات الكر والفر، وفق ما ورد في التقرير.
وأكدت الصحيفة أن النموذج الذي يجري تطويره "إطارٌ مفاهيمي ونظري، وليس خطة عسكرية تنفيذية تتضمن توجيهات عملية خطوة بخطوة لتنفيذ العمليات".
المؤسسة العسكرية الكندية تتوقع وجود مؤشرات واضحة في حال كانت الولايات المتحدة تخطط لغزو كندا
وأشارت الصحيفة إلى أن المؤسسة العسكرية الكندية تتوقع وجود مؤشرات واضحة في حال كانت الولايات المتحدة تخطط لغزو كندا، من بينها قرار أميركي بإنهاء التعاون الثنائي ضمن قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية. كما ذكرت أن كندا قد تلجأ إلى طلب دعم من بريطانيا وفرنسا في حال تحقق هذا السيناريو.
وأضافت أن مطالبة ترامب بفرض السيطرة الأميركية على الإقليم الدنماركي شكّلت اختبارًا لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي تُعد كندا عضوًا فيه.
وختمت الصحيفة بالإشارة إلى أن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يدرس إرسال عدد محدود من القوات الكندية إلى غرينلاند، أسوة بعدد من حلفاء الناتو، في إطار إظهار الدعم للجزيرة.
كندا تعزز إنفاقها العسكري وتعيد هيكلة مشترياتها الدفاعي
وعلى الصعيد العسكري، باشرت كندا زيادة تاريخية في الإنفاق الدفاعي لتعويض النقص المزمن وتجهيز قواتها لمواجهة أي تهديد بشكل مستقل. وأعلنت حكومة مارك كارني عن حزمة تمويل إضافية بقيمة 6.6 مليارات دولار أميركي.
وبالإضافة إلى زيادة التمويل، تتجه كندا إلى إعادة هيكلة أولويات الإنفاق لتعزيز قدراتها المحلية، حيث خصصت الحكومة نحو 3 مليارات دولار أميركي، من التمويل الجديد لدعم صناعة الدفاع الكندية، وللبدء في إحلال المعدات الأميركية ببدائل محلية أو شراكات جديدة.
كارني: يجب ألا نرسل بعد اليوم ثلاثة أرباع ميزانيتنا المخصصة للتجهيزات العسكرية إلى أميركا
وأعلن كارني صراحة في خطاب متلفز: "يجب ألا نرسل بعد اليوم ثلاثة أرباع ميزانيتنا المخصصة للتجهيزات العسكرية إلى أميركا"، في إشارة إلى اعتماد كندا السابق على شراء الأسلحة والمنظومات الأميركية. وعمليًا، أعلنت وزارة الدفاع الكندية التركيز على إعطاء أفضلية للموردين الكنديين ضمن استراتيجية صناعات دفاعية جديدة.
وعلى صعيد تحديث القوات وتطوير القدرات، تعهدت الحكومة بسلسلة مشتريات كبرى لرفع جاهزية الجيش الكندي، شملت خططًا لاقتناء منظومات مدفعية ذاتية الحركة حديثة، وشراء أسطول جديد من الغواصات التقليدية لتعزيز قدرات البحرية، إضافة إلى طائرات للإنذار المبكر والسيطرة من صناعة كندية بالتعاون مع شركاء دوليين.
كما تضمنت الخطط إدخال منظومة دفاع جوي أرضي متطورة لحماية القوات البرية، وبناء كاسحات جليد ثقيلة إضافية لتعزيز الحضور العسكري في القطب الشمالي، فضلًا عن زيادة رواتب العسكريين وتحسين رعاية الجنود للاحتفاظ بالكفاءات، وتكثيف قدرات الدفاع السيبراني.
ومن الخطوات الجريئة التي اتخذتها أوتاوا في ظل التوتر مع واشنطن، إعادة النظر في صفقة شراء مقاتلات F-35 الأميركية. فعلى الرغم من التزام الحكومة السابقة بشراء 88 مقاتلة شبح، قرر كارني تعليق الجزء غير المنفّذ من العقد بعد استلام 16 مقاتلة فقط، وبدأت كندا مشاورات مع فرنسا وبريطانيا حول بدائل محتملة يمكن تصنيعها وتجميعها داخل البلاد.
كارني يهاجم الهيمنة الأميركية في دافوس
قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إن النظام الدولي الذي ساد لعقود، والقائم على ما يُعرف بـ"النظام الدولي المبني على القواعد" بقيادة الولايات المتحدة، "انتهى ولن يعود"، معتبرًا أن العالم لا يمر بمرحلة انتقالية، بل يعيش "قطيعة فعلية" مع هذا النظام، ما يفرض على الدول متوسطة القوة، مثل كندا، إعادة توجيه سياساتها لتفادي الوقوع فريسةً لمزيد من "الإكراه" من جانب فاعلين أقوياء.
وجاءت تصريحات كارني خلال خطاب ألقاه، أمس الثلاثاء، أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث أشار إلى ما وصفه بـ"الهيمنة الأميركية"، معتبرًا أن القوى الكبرى باتت تستخدم الاندماج الاقتصادي أداةً وسلاحًا لتحقيق مصالحها.
وقال كارني إن الكنديين باتوا يدركون أن الافتراض القديم والمريح، القائل إن الجغرافيا وعضوية التحالفات الدولية تمنح كندا تلقائيًا الأمن والازدهار، لم يعد صالحًا. وأضاف: "النظام القديم لن يعود. ولا ينبغي أن نرثيه. الحنين إلى الماضي ليس استراتيجية. لكن من هذا التصدع يمكننا أن نبني شيئًا أفضل، وأقوى، وأكثر عدلًا".
وتابع رئيس الوزراء الكندي أنه ينبغي التوقف عن استحضار عبارة "النظام الدولي القائم على القواعد" وكأنها لا تزال تعكس واقع النظام العالمي، داعيًا إلى تسمية الأمور بمسمياتها، ومشيرًا إلى أن العالم يشهد تصاعدًا في تنافس القوى الكبرى، حيث تسعى الدول الأقوى إلى تحقيق مصالحها مستخدمة الاندماج الاقتصادي كوسيلة للإكراه.
وأضاف أن هذا الواقع الجديد يفرض على كندا أن تكون "مبدئية وبراغماتية" في آن واحد، عبر الانكفاء إلى الداخل لبناء قدراتها الوطنية، وتنويع علاقاتها التجارية، وتقليل اعتمادها على دول بعينها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، معتبرًا أن التجربة أثبتت أن الاندماج الاقتصادي قد يقود في بعض الحالات إلى "الخضوع".
وقال كارني إن الكنديين كانوا يدركون منذ وقت طويل أن رواية النظام الدولي القائم على القواعد لم تكن دقيقة بالكامل، إذ كانت القوى الأقوى تعفي نفسها من القواعد عند الحاجة، وكانت قواعد التجارة تُطبَّق بصورة غير متكافئة، كما كان القانون الدولي يُطبَّق بدرجات متفاوتة من الصرامة تبعًا لهوية المتهم أو الضحية.
وأضاف أن هذه الرواية، كانت مفيدة في مراحل سابقة، لافتًا إلى أن الهيمنة الأميركية، على وجه الخصوص، أسهمت في توفير ما وصفه بـ"سلع عامة"، مثل الممرات البحرية المفتوحة، ونظام مالي مستقر، وأمن جماعي، ودعم أطر تسوية النزاعات.
وأشار كارني إلى أنه منذ توليه رئاسة الحكومة، عمل على تغيير مسار السياسة الكندية، عبر مضاعفة الإنفاق الدفاعي، وتسريع تنويع التجارة من خلال توقيع 12 اتفاقًا تجاريًا وأمنيًا في أربع قارات خلال ستة أشهر، إضافة إلى تعميق التقارب مع الاتحاد الأوروبي.
كارني: النظام القديم لن يعود. ولا ينبغي أن نرثيه. الحنين إلى الماضي ليس استراتيجية
ترامب ينشر خريطة معدّلة تضم كندا
وفي ذات اليوم من كلمة كاروني في دافوس، نشر ترامب على حسابه الرسمي في منصة "تروث سوشل" صورة معدّلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، تُظهر خريطة تضم كندا وغرينلاند وفنزويلا ملوّنة بألوان العلم الأميركي
وهذه هي المرة الثانية التي ينشر فيها ترامب، عبر منصة "تروث سوشيل"، صورةً لخريطة تظهر كندا جزءًا من الولايات المتحدة، بعد أن كان قد نشر الصورة الأولى في 8 كانون الثاني/يناير من العام السابق.
وكان ترامب قد أدلى سلسلة تصريحات غير مسبوقة، لوّح فيها المساس بسيادة كندا، عبر اقتراح انضمامها إلى الولايات المتحدة.
وأمام الصحفيين في البيت الأبيض، قال ترامب عبارته الشهيرة: "أحب كندا، لكن لن أنثني. الولايات المتحدة لا تحتاج إلى سياراتهم ولا لطاقتهم ولا لأخشابهم… نقوم بذلك لأننا نريد أن نكون لطفاء، لكن سيأتي وقت لا نستطيع فيه الاستمرار". ثم تساءل عن الحدود بين البلدين، واصفًا إياها بأنها مجرد "خط اصطناعي رسمه أحدهم قبل عقود طويلة، ولا معنى له"، معتبرًا أنه في حال أزيلت الحدود ستصبح أميركا الشمالية "بلدًا واحدًا مذهلًا" من الناحية الجغرافية. كما أشار إلى النشيد الوطني الكندي، مقترحًا الاحتفاظ به للولاية الحادية والخمسين.
وقد قوبلت تصريحات ترامب بصدمة واستياء واسع في الأوساط الكندية، حيث توحدت المواقف الرسمية في أوتاوا على رفضها بشكل قاطع، والدفاع عن سيادة البلاد. وكان أبرز هذه الردود ما صدر عن رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، الذي استخدم عبارات حازمة لاستبعاد سيناريو ضم كندا، قائلًا: "لا فرصة إطلاقًا، ولا حتى بصيص أمل، أن تصبح كندا الولاية الحادية والخمسين. هذا أمر مستحيل تمامًا".
وأكد ترودو أن كندا ستأخذ تهديدات ترامب على محمل الجد رغم ما وصفه بسخافتها الظاهرية، مشيرًا إلى خبرته في التعامل مع الرئيس الأميركي.
وقبل مغادرة ترودو منصبه في ربيع عام 2025، كان قد حذر، في لقاء مغلق مع قادة الأعمال والنقابات، من أن تهديد ترامب "أمر واقعي"، ويرتبط برغبة إدارته في الوصول إلى الموارد المعدنية الكندية الاستراتيجية، وهو تحذير سُرّب لاحقًا إلى الصحافة.
ومع تولي حكومة جديدة بقيادة مارك كارني، استمر النهج الكندي الصارم، إذ سارع رئيس الوزراء الجديد إلى طمأنة الكنديين بأن السيادة الوطنية غير قابلة للتفاوض. وفي خطاب فوزه بزعامة الحزب، قال كارني بلهجة تحدٍّ: "أميركا ليست كندا، ولن تصبح كندا أبدًا جزءًا من أميركا بأي شكل من الأشكال".
كما قال، خلال أول اجتماع جمعه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في 6 أيار/مايو من العام الماضي، إن "كندا ليست معروضة للبيع".
وفي سياق تنويع العلاقات الدولية، زار رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الصين في 14 من الشهر الجاري، حيث التقى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، في خطوة عُدّت مؤشرًا على سعي أوتاوا لتعميق علاقاتها مع بكين، جرى خلالها توقيع اتفاقيات اقتصادية، إلى جانب تعهد متبادل بخفض الرسوم الجمركية على قطاعات رئيسية.
تشير مجمل التحركات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي اتخذتها كندا إلى اعتمادها استراتيجية استباقية تهدف إلى تقليص درجة انكشافها على الولايات المتحدة، في ظل النهج التصادمي الذي انتهجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما رافقه من تشكيك بالترتيبات التقليدية للعلاقة بين البلدين، الأمر الذي دفع أوتاوا إلى إعادة تقييم أدواتها الدفاعية وتحالفاتها وشبكة شراكاتها الدولية بما يضمن حماية سيادتها ومصالحها بعيدة المدى.






