الجيش الذي قُهِر

الجيش الذي قُهِر

الجيش الإسرائيلي دعاية (تيفاني روز/Getty)

لا يزال مصطلح الجيش الذي لا يقهر دارجًا في الأفواه العربية قبل الغربية، ولا تزال بعض وسائل الإعلام تخضع لهذا المصطلح خلال حوارات سياسية وغيرها، رغم أن الفلسطينيين منذ الثورة الفلسطينية لغاية هذه اللحظة قدموا للعالم نماذج مواقف قتالية بطولية تزيح هذا المصطلح عن الجيش الذي هيمن العالم بقوته التي لا زالت سرابًا للعرب لكن ليس للفلسطينيين.

الغريب في الأمر أن عددًا من المؤسسات الإعلامية العربية تتجاهل مواقف فلسطينية أخافت هذا الجيش المحتل، وما زالت تتحدث عن المقاومة الفلسطينية كجزءٍ لا يقارن أمام ما تدعيه بـ"الجيش الذي لا يقهر". لكن على أرض الواقع فثمة حقائق تشير إلى تقهقر هذا الجيش في غزة، وفي جنوب لبنان.

ولو رجعنا لعشرات الأعوام وخصوصًا في عام 1968 فكان هذا التاريخ لا ينساه قيادات الجيش الصهيوني، عندما وجدوا الإرادة الفلسطينية ممثلة بقوات العاصفة وبمساندة من القوات المسلحة الأردنية تقوم بقهرهم بصورة لم يجدوها خلال حرب النكسة عام 1967. ذلك رغم توحد بعض الجيوش العربية لضرب الكيان الصهيوني مرة واحدة، وقيادة رئيس الأركان الجديد الجنرال حاييم بارليف (صاحب خط بارليف على الجبهة المصرية) لنفس معركة الكرامة. وكان الجيش الذي لا يقهر تلقى أول درس له عندما خسر مائتين وخمسين جنديًا وأصيب أربعمائة وخمسين أيضًا ودمرت ثمانية وثمانون آلية عسكرية له، مقابل ستة وثمانين شهيدًا من صفوف القوات الأردنية وجرح مائة وثمانية منهم وتدمير تسعة وثلاثين آلية. آنذاك فشل الجيش الذي لا يقهر باحتلال الضفة الشرقية من نهر الأردن كما كان يطمح وكانت أولى المعارك التي يبدأ فيها الثائر الفلسطيني ضد الصهاينة ويسانده الأردني ليقهروهم.

بعيدًا عن الأبواق الإعلامية التي تتأثر في اللوبي الصهيوني ودعايته، جيش الاحتلال يقهر. كل جيش احتلال سيقهر. لكن ما يزيد من هيمنة هذا الجيش في ادعاءات قوته، أولها، هي المساعدات العسكرية الأمريكية التي تمجد في هذا الجيش وتعتبره حليفها الأول لها في منتصف الشرق الأوسط، وهي جزء من مصالح مشتركة، وثانيًا، تدخل الإدارة الأمريكية ــ أحيانًا ــ في نطاق زج مصطلح الجيش الذي لا يقهر في وسائل إعلامها المنتشرة عبر مكاتبها في معظم البلدان العربية، وهكذا تحقق أول خطوة من هيمنة هذا الجيش.

ولكن الخطير في الأمر يكمن أن بعض أجهزة الجيش الإسرائيلي وقواتها العسكرية قد دخلت بمصطلحاتها السينما العالمية. وبالطبع هوليود هو أحد المنابر التي تجتاح مصطلحات هذه القوات المخيفة كما تظهرها في منطقة الشرق الأوسط، لكن الغريب في الأمر هو أو السينما الهندية الممثلة ببوليود التي لها دور وتأثير على الفن العالمي، أصبحت تدخل في بعض رواياتها مثلًا، "الموساد الإسرائيلي" و"الجيش المرعب في منطقة الشرق الأوسط" و"الشاباك الإسرائيلي المنظم". هذه كلمات وردت في بعض الأفلام الهندية التي أنتجت خلال أعوام 2013 و2014، وخصوصًا في فلم "happy new year" الذي أنتج في 2014، دار فيه حوار وصف فيه رجل صاحب أكبر شركة مخازن في العالم كما هو في الفيلم أن من يحرس خزاناته حُراس تلقوا تدريبات على أيدي أقوى قوة أمنية في العالم وهو "الموساد الإسرائيلي".

المقاومتان الفلسطينية واللبنانية قهرتا "الجيش الذي لا يقهر" في أكثر من مناسبة

وعلى صعيد المقاومة في المواجهات الميدانية والاقتحامات الأخيرة خلال العدوان الأخير على غزة، فأثبتت صور فيديو مسجلة لدى المقاومة في غزة مدى تخوفات الجنود عند عمليات الإنزال والاقتحام. وإن كان هو نفسه الجيش الذي لا يقهر، وإحدى تلك الصور دلت على تخوف الجنود بشكل مخيف، وهربهم من أرض الميدان على الحدود الشرقية في حي الشجاعية كما بثته كتائب القسام قبل شهرين، إضافة لذلك عملية زيكيم التي كانت صاعقة على جيش الاحتلال وبخارج توقعاته. وكما ظهر في الفيديو أن جنود القسام تحركوا بكل شجاعة ولا خوف من ذلك الموقع العسكري الملغم بآليات الاحتلال، وهم كل منهم يحمل بندقيته ورصاصته.

بالعودة لأرض الواقع، لا يستطيع هذا الجيش بكل محاولاته إخماد الإرادة الفلسطينية للشباب عند المواجهات. إنه جيش احتلال وسيقهر.

وبالنظر للرأي العام الإسرائيلي، فلم يعد الإسرائيليون يشعرون بالأمان وهم بداخل الأراضي المحتلة عام 1948، وفقدوا الثقة أكثر في هذا الجيش، وبدأت الأصوات من المستويين السياسيّ والأمنيّ في تل أبيب ترتفع وتُحذّر من قدرة جيشهم على التعامل مع التنظيمات الفلسطينية المقاومة والإرادة الشبابية في الانتفاضة، مُذكرين بما حصل للجيش في الحرب العدوانية الأخيرة ضدّ قطاع غزّة، في صيف العام 2014، والتي استمرّت لمدة واحد وخمسين يومًا، دون أنْ يتمكّن الجيش "الأقوى في الشرق الأوسط" من حسمها. ذهب عددٌ من المُحللين إلى أبعد من ذلك، وتساءلوا: إذا لم يتمكّن الجيش الإسرائيليّ من كسر حماس الضعيفة خلال نحو الشهرين، فكيف سيقدر على مواجهتها خلال المرات المقبلة، إن زادت قوة؟ إنه جيش يقهر حتى العظم.

اقرأ/ي أيضًا:

اسمه جيش الاحتلال الإسرائيلي
الرقيب الإسرائيلي الذي يطاردنا