الجيش الأسدي بوصفه جيش احتلال

الجيش الأسدي بوصفه جيش احتلال

جنديان من جيش النظام في ريف إدلب

لا تنتمي زلّة اللسان "جيش الاحتلال السوري" التي صدرت عن الإعلامية الأردنية ساندي الحباشنة، مقدمة الأخبار في قناة "المملكة" الأردنية، في معرض نقلها لخبر سيطرة قوات النظام الأسدي على بلدة الهبيط السورية، شمالي مدينة حماة، إلى ذلك النوع من الرسائل الإعلامية التي تتوخى الرد على الإساءة التي دأبت وسائل الاعلام الأسدية على توجيهها لحكام المملكة الأردنية وسياستها تجاه النظام الاسدي، ولا إلى ذلك النوع من الرسائل السياسية التي تتلطى وراء الإعلام لتوظيفها كورقة ضغط مواربة لحل بعض المسائل العالقة بين الطرفين.

زلة لسان المذيعة الأردنية تكشف لنا عن عمق تغلغل حقيقة الجيش الأسدي في وعيها كجيش احتلال

مسارعة إدارة القناة للاعتذار عن هذا التوصيف الجارح، على حد قولها، ومحاولتها المستميتة لوضعه في خانة الخطأ غير المقصود عبر تلميحها لمباشرة التحقيق في الأمر ومحاسبة المسؤولين عنه، يدفعنا بالتوجّه لوضع الخطأ/ الزلة في سياقات أخرى لا علاقة لها بالتوترات السياسية البينية المحتدمة بين النظامين الأردني والسوري.

اقرأ/ي أيضًا: هاجس التجنيد الإجباري في جيش الأسد السلطاني

في البحث عن فك شيفرة الكلام، الذي أصرّت الحباشنة على وضعه في موضع زلة اللسان التي صدرت عنها تحت ضغط العمل الشاق، الذي ترافق مع تغطيتها لحدث اقتحام المستوطنين الإسرائيليين لباحات المسجد الأقصى، يجد المرء نفسه ميالًا لتصديق ما قالته الحباشنة عن العفوية التي رافقت توصيفها لجيش الاحتلال الأسدي، ذلك أن زلة اللسان وفق منطق التحليل الفرويدي، تكشف لنا عن عمق تغلغل حقيقة الجيش الأسدي في وعيها كجيش احتلال، كما عن عمق محاولات كبت رغبتها بالإفصاح عن تلك الحقيقة الصادمة، التي لم تنفجر على شكل زلة لسان بفعل عوامل الضغط الجسدي أو النفسي كما ادعت، بل بفعل السلوك العدواني لطائرات الاحتلال الأسدي وهي تغير على مباني بلدة الهبيط وتحيلها إلى عجينة من الإسمنت عديمة الملامح.

تبدو مقاربة ممارسات نظام الاستبداد الأسدي بغيره من الاحتلالات، كالاحتلال الإسرائيلي مثلًا، جائرة للوهلة الأولى، حيث تنطوي تلك المقاربة على تحطيم تصوراتنا الذهنية المسبقة عن الاحتلال، من حيث كونه عدوانًا من طرف غريب، على طرف محلي مسالم، دون أن يتبادر إلى أذهاننا أن بعض الأنظمة الاستبدادية المحلية هي احتلال أيضًا. فالأصل في كل احتلال هو العدوان، أي ممارسة فائض عنف كبير على سكان البلاد المحليين بقصد نهب موارد بلادهم الاقتصادية. المشترك بين الاحتلال الفرنسي للجزائر والاحتلال الأسدي لسوريا هو النهب، ولا أدل على ذلك من إصرار حافظ الأسد على إبقاء موارد الثروة النفطية في سوريا خارج أي دور رقابي حكومي، كي يتسنى له الاحتفاظ بها لنفسه وعائلته، وهو المنهج المافيوي ذاته الذي حرص الأسد الابن على المضي في ترسيخه بعد وصوله للسلطة، عبر قيامه بتلزيم جيمع المشاريع الاقتصادية لابن خاله رامي مخلوف، كي يتسنى له القيام بدور المرابع المالي الذي يتولى جباية المال المنهوب من جيوب السوريين لصالحه وحده، تاركًا لصغارشركائه في السلطة مهمة تعفيش وسرقة ما يمكن تعفيشه من أملاك السوريين وشقاء أعمارهم.

إذا كان الاحتلال الأجنبي والاستبداد المحلي يلتقيان في الهدف النهائي القائم على إثراء أصحابه على حساب المغلوبين من خلال النهب، فإن كلمة السر التي ظلت تحكم سلوك كل منهم لتحقيق تلك الغاية الدنيئة بقيت الإبادة الجماعية لبعض السكان، بقصد إخضاع البقية الباقية منهم.

يلتقي الاحتلال الأجنبي والاستبداد المحلي في الهدف النهائي القائم على الإثراء على حساب المغلوبين

أثبت نظام الاحتلال الفرنسي للجزائر براعته في استسهال مبادرته بالإبادة، عبر سياسات الاستعلاء الإنساني القائمة على تخفيض آدمية الإنسان الجزائري لمستوى الحيوان، لا لشيء سوى لأنه في مستوى ثقافي أو معرفي أدنى، الأمر الذي يفسّر لنا مذبحة صطيف الكبرى من قبل أناس يقدسون العقل ويحتقرون الخرافة وسكان البلاد الأصليين. في استعانته لتبرير سياسات القتل الجماعي والتجويع حتى الموت، ومماسة سياسة الأرض المحروقة التي ترى في المشفى المدني هدفًا عسكريًا، وفي الطفل هدفًا حربيًا يجب استئصاله، لجأ الاحتلال الأسدي إلى دمغ كل معارض له بتهمة الإرهاب، أي القاتل المأجور الذي لا يتورع عن قتل أي كائن بشري، في نية مبيتة لرفع عملية إبادة معارضيه واستباحتهم إلى مصاف الموقف الأخلاقي الذي لا يتقدم عليه أي موقف، الأمر الذي يفسر ذلك الاستسهال الروحي الذي يمارسه جيشه الاحتلالي في كل عملية إبادة يمارسها ضد خصومه أو معارضيه، سواء جاءت عبر نصال الحراب الطويلة لبنادقه، أو القوة التدميرية الغاشمة لبراميله العمياء.

اقرأ/ي أيضًا: بيان خارجية نظام الأسد.. السيادة المهدورة

المشترك بين الاحتلال الأجنبي والاستبداد الأسدي عداؤهما المستحكم للحرية و للمنادين بها معًا، فما يخيف الأسدية المتجبرة هي وعي الناس باكتشاف ذواتهم كأناس أصحاب كرامة، يستمد كل شخص فيهم قيمته أو كرامته من كونه صاحب إرادة حرة، وفق منطق ديلا ميروندول لمفهوم الكرامة الإنسانية. الإنسان صاحب الكرامة هو صاحب إدراة حرة في اختيار الحاكم، كما صاحب إرادة حرة في طرده من مجمع السياسة أو الحكم عندما يخون ثقته في المهمة التي أوكلها له للقيام بها، وما كل ذلك إلا في رد السياسة على مبدأ الحرية، الضامن لإدارة الشأن العام لصالح الناس أنفسهم وفق منطق الحق والعقل والخير العام، لا وفق منطق العدوان والغلبة والنهب والإبادة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

العسكرية في سوريا.. فيلم رعب طويل