الجولة الثانية من الانتخابات الموريتانية.. عزوف وتوازنات قبلية

الجولة الثانية من الانتخابات الموريتانية.. عزوف وتوازنات قبلية

شهدت الانتخابات الموريتانية عزوفًا كبيرًا عن التصويت (Getty)

تَوجَّه الموريتانيون صباح السبت، الخامس عشر من أيلول/سبتمبر 2018 إلى صناديق الاقتراع، من أجل حسم اختياراتهم في الانتخابات التشريعية والمحلية في جولتها الثانية.

كان أكبر ملمحٍ طبع الجولة الثانية من الانتخابات هو مستوى الإقبال الضعيف، مقارنة بالشوط الأول، الذي تجاوزت نسبة الإقبال فيه 73%

وتأتي الجولة الانتخابية الثانية بعد أسبوعين ساخنين من عملية فرز نتائج الجولة الأولى، التي اكتست طابعًا معقّدًا، وحفّتها مجموعة من الهواجس، تطورت مؤخرًا إلى اتهامات بالتزوير والتلاعب بالنتائج؛ بحسب أحزاب عدة في المعارضة والموالاة على حد سواء.

نسبة الإقبال في تراجع

كان أكبر ملمحٍ طبع الجولة الثانية من الانتخابات هو مستوى الإقبال الضعيف، مقارنة بالشوط الأول، الذي تجاوزت نسبة الإقبال فيه 73%، فبحسب المتابعين لعملية سير الانتخابات، فإن الإقبال الضعيف كان طاغيًا على مشهد مكاتب الاقتراع في أرجاء موريتانيا الأربعة. وحتى منتصف نهار الاقتراع لم تتجاوز نسبة الإقبال 30%، وبذلك يكون من المتوقع أن النسبة بقيت في حدود 40%، مع نهاية اليوم الانتخابي.

ثمّة أسباب تفسر نسبة الإقبال الضعيفة تلك، فالجولة الثانية من الانتخابات أتت في توقيت تشهد فيه البلاد تهاطلات مطرية غزيرة، أدت في بعض المناطق إلى تشريد عشرات المواطنين من مساكنهم. وجعلت العديد من القرى والبلديات في عزلة شبه تامة.

اقرأ/ي أيضَا: نتائج الانتخابات الموريتانية.. هل قطعت الطريق أمام التعديلات الدستورية؟

هذا فضلًا عن أسباب أخرى تتعلق بالانتخابات ذاتها، من قبيل تراجع التعبئة الانتخابية، وبقاء أقل قدر من المتنافسين، وحسم معظم نتائج الاستحقاقات البرلمانية من الشوط الأول، وهي الاستحقاقات التي اكتست أهمية كبيرة بالنسبة للأحزاب والمقترعين على حد سواء. مقابل إهمال يبعث على القلق، للانتخابات المحلية، التي من المفترض، أنها لا تقل أهمية في العُرف الحزبي والانتخابي عن الانتخابات التشريعية.

الانتخابات المحليّة.. اللعب على التوازنات القبلية

بعد إلغاء الغرفة الثانية في البرلمان الموريتاني، المعروفة بغرفة الشيوخ في الاستفتاء الدستوري الأخير سنة 2017، استُحدثت في موريتانيا مجالس جهوية للولايات، يتولى المواطنون اختيارها عبر الانتخاب العلني المفتوح.

 وتقوم فكرة تلك المجالس على الحد من المركزية بتوسيع صلاحيات الجهات فيما يخص قضاياها التنموية على صعيد رسم الخطط وتنفيذها وتوفير مصادر التمويل التي تتطلبها. وتحظى المجالس الجهوية المستحدثة بهامش استقلال كبير حسب القانون المنشأ لها. لكن البعض يتوجّس من حقيقتها ويعتبرها شكلًا من أشكال إعادة إنتاج الروح القبلية والمناطقية في موريتانيا، أو بالأحرى ترسيخها بشكل أكبر مما هي عليه.

في الجولة الأولى من الانتخابات المحلية لم يتم حسم إلا نسبة 20% من الدوائر الانتخابية، حصل منها حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم على نصيب الأسد، وذلك بفوزه بـ 4 مجالس جهوية من أصل 13 مجلسًا جهويًا، وأكثر من 100 بلدية من أصل 219 بلدية على كامل التراب الوطني الموريتاني.

ومن المتوقع أن يحسم الحزب الحاكم نتائج الانتخابات المحلية بنسبة تتجاوز 80% بفضل نتائج الولايات الداخلية، التي تُهيمن عليها الولاءات القبلية. بينما تبقى العاصمة السياسية نواكشوط والعاصمة الاقتصادية نواذيبو محطّ تنافس حقيقي مع أحزاب المعارضة، التي من المتوقع أن تحصل على غالبية بلديات العاصمة نواكشوط وعلى مجلسها الجهوي، من خلال تحالفها المعروف بمنتدى المعارضة. حيث تخف في العاصمتين سطوة القبيلة والانتماءات الأوّلية، وحيث تحظى قوى المعارضة المدنية بثقل حقيقي.

صرّح الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، صباح يوم الاقتراع، للصحافة المحلية بأن الانتخابات الجارية تمثّل هزيمة لمن وصفهم بالمتطرفين الدينيين

خريطة التحالفات

لم تحصل مفاجآت كبيرة على مستوى خريطة التحالفات الانتخابية؛ فما يُعرف بأحزاب الأغلبية التزمت دعم الحزب الحاكم في الدوائر التي تشهد شوطًا ثانيًا، وحصل نفس الأمر مع أحزاب المعارضة تقريبًا، وإن كان موقف حزبٍ مثل حزب التحالف الشعبي التقدمي، المعروف بمعارضته، قد فاجأ الساحة السياسية الموريتانية. بعد أن أعلن زعيمه مسعود ولد بلخير مساندة لوائح حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، في أكثر الدوائر حساسية بالنسبة للتنافس بين المعارضة والحزب في ولاية الزويرات أقصى الشمال الموريتاني، التي تحالفت المعارضة فيها ضد أحد أقطاب الحزب الحاكم المرشح لخلافة رئيس البلاد، العقيد المتقاعد الشيخ ولد بايه المعروف بإمبراطور الشمال، حيث تتركز ثروات موريتانيا المعدنيّة.

اقرأ/ي أيضَا: تمرير التعديلات الدستورية "يهدد الوحدة الوطنية" في موريتانيا

حرب التوقعات والتصريحات

صرّح الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، صباح يوم الاقتراع، للصحافة المحلية بأن الانتخابات الجارية تمثّل هزيمة لمن وصفهم بالمتطرفين الدينيين والعرقيين، في إشارة إلى حزب تواصل الإسلامي أكبر منافسيه حتى اللحظة. ويأتي تصريح الرئيس في ظل موجة تصريحات مشابهة تستهدف تيار الإسلام السياسي الصاعد في موريتانيا، الأمر الذي يجعل من المتوقع أن تكون المرحلة القادمة مرحلة كسر عظم قد تتطور إلى محاولة اجتثاث الإسلاميين، وهو ما تحذّر منه عدّة نخب وقوى سياسية، بالنظر إلى تكلفته الباهظة بالنسبة إلى البلد.

لم يخرج حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" بأي خطاب يرد من خلاله على إمكانية حلّه، بل إن الحزب يبدو منهمِكًا أكثر من غيره في الانتخابات، تاركًا حرب التصريحات إلى ما بعد حسم النتائج.

وتكاد نتائج الانتخابات إلى حدّ اللحظة تكون محسومة لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم بنسبة تقترب من 50%، لكن تعويل الحزب الحاكم الآن هو على نتائج الأحزاب الموالية له، لتحقيق نسبة الثلثين في البرلمان، التي تسمح له بالمُضي نحو تعديلات دستورية، قد تطال هذه المرّة مواد المأمورية الرئاسية، من أجل السماح للرئيس محمد ولد عبد العزيز بالترشح مرة ثالثة في انتخابات 2019 الرئاسية.

 

اقرأ/ي أيضَا: 

الحوار السياسي الموريتاني.. حلبة تفكيك المعارضة

الأزمة السياسية في موريتانيا والحوار المرتقب