الجولان في ميزان رد الفعل الصفري

الجولان في ميزان رد الفعل الصفري

جولانيون على هضبتهم (هآرتس)

في إطار فهم الأحوال في الأراض المحتلة، أو أية أرض تعرضت أو تتعرض للاحتلال العسكري، تحضر مسألة هضبة الجولان المحتلة واحدة من أفدح أمثلة العصر الحديث، إلى جانب فلسطين كاملة، في التدليل على تبعات الاحتلال العسكري والاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري. في حين  واجهت الهضبة المحتلة وأهلها حالة قطع أقل ما يمكن تقديرها على أنها ارتجاج كوني نجم عن احتلالها من قبل إسرائيل إلا أن هذا الارتجاج لم يأت بهزات ارتدادية على غرار المتفاهم عليه في علم طبقات الأرض.

لا مؤشرات تقول أن إسرائيل مجبرة على تقديم أي شيء يتعلق بملف الجولان، إضافة لأرباحها السوقية والاستراتيجية الأمنية المتفاقمة هناك، فجبهة دمشق آمنة ومؤمنة جدًا!

مرد هذا المستهل يعود إلى عبور عتبة نصف قرن من الوقت على انتهاك حرمة وحياة تلك الأرض دون العثور على حضور جدي لأي فعل مضاد أو بديل من أصحاب المسؤولية. بل إن حالة نسيان وتناسي ملف الجولان ومسألة أهله امتدت إلى موجات الإعلام على تلويناتها، وبعيدًا عن التنكر هناك حالات نادرة تعاطت بمسؤولية إعلامية وبحثية مع المسألة قيد الكلام. إلا أن السواد الكاسح من التغطيات كما التوظيفات الخطابية الرسمية لم تسامح في حصتها من دفن الجولان وأهله أحياء.

درة تاج المستعمرات الإسرائيلية

تحضر عدة دوافع علنية وخفية تحكم تمسك إسرائيل باحتلال الجولان. ليس أخطرها كون الهضبة تحكم على جنوب غرب دمشق ومجمل الجنوب السوري واللبناني معًا، بل يضاف إليهما الأردن وفلسطين بالكامل. مما يعطي الجندي المتمركز أفضلية عملياتية  استراتيجية، سواء لناحية الرصد والمراقبة أو الأفضلية النارية.

اقرأ/ي أيضًا: هضبة الجولان تدفع ثمن 20 سنة من المفاوضات السرية بين "الأسدين" وتل أبيب

هذا تحديدًا ما لفت انتباه السفير الأمريكي إلى تل أبيب، دافيد فريدمان،  ليعبر عنه في مقابلة عبر صحيفة "إسرائيل هيوم"، يوم 7  أيلول/سبتمبر2018 ، قائلًا إن "هضبة الجولان ستبقى دائمًا تحت السيادة الإسرائيلية ولن تعاد إلى سوريا"، وتابع "لا يمكنني تخيّل وضع لا تشكِّل فيه هضبة الجولان جزءا من إسرائيل إلى الأبد. فالتخلّي عن الجولان كفيل بأن يضع إسرائيل في دوامة أمنيّة كبيرة، لذلك أتوقّع للوضع الراهن أن يبقى". كل هذا لاحقًا له ما مر من موجة "صفقة القرن"، حتى تسمية مشاريع عقارية ناشئة على أرض الهضبة المحتلة باسم "ترامب هاييتس"  يحضر معًا عند مقابلة الضفة المكملة لحديث تمسك القيادة الأمنية الاستخبارية الأبدي بالجولان، أي عندما يحضر منطق السوق المباشر، سواء بيد خفية أو "معلنة".

في إطار الصراع على الموارد المائية وعصر حروب ما بعد النفط، يستكفى بذكر أن في ستينات القرن الماضي كانت  3 دول عربية فقط تعاني من الفقر المائي، بينما زادت لحدود 13 دولة في تسعينات ذات القرن. بينما يتوقع أن تكون جميع الدول العربية تحت خط الفقر المائي بحلول 2025. وهذا ما يعطي إسرائيل اليد الطولى في هذا الملف الحساس والأساسي الذي يضع حياة الملايين على المحك.

بالماء والزراعة ونهب مجمل الموارد مجانًا، يستند السوق والاقتصاد الإسرائيلي على كنز نادر يسمى الجولان

يمكن للمعطيات العيانية أن توضح الكثير بشأن موضوع المياه ضمن مسألة الجولان خاصة أن ثلث المياه العذبة الإسرائيلية تنبع من هضاب الجولان المحتل، ومجمل الباقي من طبريا وروافدها، وفق تقرير  وزارة الزراعة الإسرائيلية الذي أشر على أن "لا حل سياسي في الجولان إذا لم يضمن لإسرائيل سيطرة كاملة ومستمرة على أنظمة المياه". كما توضح المعطيات الأولية لنتاج 2019/2020 أن 50% من اللحم البقري المستهلك في إسرائيل يأتي من مراعي الجولان بالإضافة إلى استغلال أكثر من 13 الف هكتار زراعي لمحاصيل الحبوب الأساسية ومحاصيل التصدير الانتقائي.

يشكل ما سبق تعريجًا على المفاصل الأساسية لنقل فيما يرتبط بتمسك إسرائيل المستميت بالجولان. لكن الماكينة الدعائية الإسرائيلية تقدم سردية مغايرة لحاصل قوى الدفع في واقع  السيطرة على الجولان. من أهم هذه الأسباب المدعاة أحقية اليهود بالجولان المحتل، وذلك من خلال الاستشهاد بالرواية الصهيونية المبنية على اقتباس سفر يشوع وذكر الجولان على أنها إحدى ملاجئ اليهود الثلاث على نهر الأردن وكونها جزء من أراضي ممكلة باشان التي حكمها الملك عود. هذا على الرغم من توفر التفنيد الذي قدمه رينييه دوسو في كتاب "المسالك والبلدان في بلاد الشام في العصور القديمة والوسطى" ليقول أن هذا الخلط جاء نتيجة التعسف في استخدام اللغة تاريخًا وجغرافيا.

أما المبرر الخطابي المضاف للنهل التوراتي، يمكن اختصاره اصطلاحًا بـ"الخطر الإيراني".  إذ يستدعي رئيس وزراء إسرائيل، المجرم الدولي والجنائي بنيامين نتنياهو، الخطر الإيراني المحيط بالحدود الشمالية في دعاياته وادعاءاته، على الرغم من أن هذه حجة ساقطة قبليًا، ومحض مناورة سياسية كون إيران والنظام السوري يسعيان بشكل أساسي لدرء أية مخاطر قد تؤخذ بعين اعتبار الرادار الإسرائيلي في الجولان.

تشير مفاعيل التراكم الصفري لرد الفعل المتوقع/الغائب بشأن انتهاك الجولان خلال نصف قرن من الوقت أن سؤال الجولان سيبقى طويلًا معلقًا على صيغة المبني للمجهول

إذًا، لا يمكن المخاطرة كثيرًا بالسهو عن التناسي الإعلامي والتلاعب الرسمي المستمر في ملف الجولان، أسوة بملف فلسطين وغيره من ملفات حرجة تختص بالشأن العربي العام. لذلك يبقى من المفيد بشكل تراكمي ومستمر تذكر أن النهب الاستعماري في أصله هو نتاج وحاصل وصيرورة عملية سطو ممنهجة، همها الربح المجاني. وبذكر الربح المجاني، والوفير للمصادفة، فإن هذا من بين ما يمكن العثور عليه في الطبقات القشرية لسطح أرض الجولان.

ومع الاعتراف الأمريكي بالجولان.. والتراكم الصفري

لم يشكل الاعتراف الأمريكي فرقًا جوهريًا في الواقع القائم المفروض إسرائيليًا على المنطقة كونها تحتل الجولان دون أي تحركات حقيقية دبلوماسية أو عسكرية سورية أو خلافها. وعليه لا يمكن قراءة هذا الاعتراف بمعزل عن السلوك السياسي الذي تسلكه الإدارة الأمريكية الحالية عبر تجليات السياسة الخارجية الإمبريالية الأمريكية بنسخته القائمة مع ترامب وما يعبر عنه من موجة أعراض لمشاكل هيكلية متأصلة أفرزتها أزمات الرأسمالية وإعادة إنتاج نفسها وأزماتها.

اقرأ/ي أيضًا: الجولان المُحتل.. 50 عامًا من الوهم

يعتبر الاعتراف الأمريكي بالجولان جزء لا يتجزأ من معادلة البلطجة ولي عنق الحقائق والابتزاز ولي الأذرع، التي تعد من الأدوات المكثفة في النسخة الحالية من الإمبريالية الأمريكية، وهذا ما سبقت الإشارة إليه مرورًا. من شأن متابعة مفاعيل التراكم الصفري لرد الفعل المتوقع/الغائب بشأن انتهاك الجولان أن تعطي انطباعًا في كواليس صناعة "العقل الجمعي" الشعبوي، تشي بتوفر ما يلزم "الإيغو" الجمعي أيضًا على مائدة اليمين الفاشستي المتجدد وتمثيلاته وأعراضه الشعبوية الفاقعة. في المحصلة لم يأت الاعتراف الأمريكي بضم إسرائيل للجولان  بفارق يذكر أو يعول عليه، كباقي مجمل المواقف الرسمية، الفردية والجمعية/التجمعية، خاصة غياب أي دور سوري "كاونتر" للاسترخاء الإسرائيلي. مما اعطى إسرائيل الفرصة الذهبية لتكريس الوضع القائم وإعادة إنتاجه قرابة دزينة من المرات والنسخ.

من يجيب سؤال الجولان ومتى؟!

تتربع الهوية،بوصفها مركب دائم التشكل والحيوية، بين أخطر المشكلات التي يواجهها المدنيون الواقعون تحت الاحتلال، كأي مجتمع ترتفع حدة تفاعل العسكر بالحياة المدينة فيه. ومن ذلك حالة سكان المنطقة العربية مع الاحتلالات والاستعمارات المتعاقبة والهزائم المتوالدة. لكن وقائع الأرض المحتلة اليوم، سواء في الضفة الغربية والقدس أو الجولان خصوصًا، إن لم نتمكن من التعميم والقول كامل فلسطين بحدودها الانتدابية، لا الطبيعية تشي  بوقائع تعاكس رهانات السوسيولوجيا الآنية والأنثروبولجيا الوصمية كثيرًا. كيف ذلك؟ سكين الراحل مهند الحلبي، "ريموت كونترول" سامر العربيد ووليد حناتشة/أبو راس، وأدوات النضال الذاتية الشعبية المفطورة على منطق الفطرة السليمة والنجاة به من مزالق الدهر كلها خيبت ومازالت مستمرة في تخييب كل التكهنات مسبقة الدفع أو الطوعية.

هنا يمكن الخروج إلى فضاء القول برحابة وأدنى درجات القلق  كيف أخرى تقع حول مساءلة "صهر الوعي"، التي يدين الحقل المعرفي  لجهود المناضل الأسير وليد دقة كثيرًا في صهر النظرية مذ كانت افتراضات هائمة، في أس التفكير في أي صراع من أي مستوى. هذا أن غياب التعاطي الأولي مع الهوية كانعكاس غير ميكانيكي لحركة الواقع والموقع من هذه الحركة وتراكم القيمة والمعنى وإعادة إنتاجهما ضمنه غير مفيد.


كشف من العصر الحجري في الجولان، أقدم من أهرامات المايا والجيزة، مرصد فلكي ومعبد أعقد من ستونهنيج

بالنظر إلى الكتلة السكانية الموجودة في الجولان المقدر عددها بـ24 ألف إنسان فإنها تشكل ثقلًا سكانيًا يغير المعادلات السياسية في الجولان، بل ثقلًا مصيريًا، في عين المؤسسة الكولينيالية الإسرائيلية. هذه المؤسسة عينها التي تركن إلى خطابات التوراة والتهديد الإيراني والتعمية عن نهب الثروات المائية والإنتاجية، وكل ما سبق الإشارة إليه  وإن كان بتقصير قسري لهول حجم مصيبة الجولان. لكن للديمغرافيا وزن آخر في الاستعمال الخطابي والترسيم المؤسسي الهيكلي في إعادة إنتاج الواقع الاستعماري في فلسطين والجولان وجنوب لبنان. مفاد هذا الاستعمال يتضح في الممكنات التي توفرها المسألة الديمغرافية للمشروع الاستعماري الإسرائيلي في مسألة الهجرة والتوسع الاستيطاني، في الجولان أيضُا عبر مشاريع عقارية استعمارية وتوسعات ليس فقط زراعية، بل صناعية وتحويلية أيضُا.

متغير كبير آخر يضاف إلى كل ما سبق يفترض حسبانه دائمًا عند الاقتراب من مسألة الجولان، يتعلق بتدحرج أحداث الثورة السورية وتفجر الوضع في كل بقاع وزقاق على أرض سوريا، والانقلاب نحو العسكرة والإرهاب والترهيب والإرهاب المضاد. سقطت  من حيث تم الأمر، فكرة وفلسفة الدولة الحاضنة الشاملة، التي لم يؤسس لها النظام  الدولتي أصلًا  في الحالة السورية ضمن سياق الدولة الموطنية الناشئة منذ سايكس بيكو. كما أن المجموعة الحاكمة اليوم ضمن النظام وأطلال الدولة في سوريا زرعت منذ البداية بذور الشقاق والخلاف بين طبقات ومكونات الشعب السوري. هنا أصبح الانتماء العضوي والغريزي وكل يبنى عليه من دعاية وماكنات تحريضية اقوى من أي محرك اخر فاعل في الميدان باستثناء المال الحربي والاستخباري. هنا أيضًا يحضر قول "إمام" علم الاجتماع في كل العصور ابن خلدون في مقدمته عن انهيار الدول والمجتمعات والعمران البشري وخلاصاته الناجعة بِشأن "العصبية" مفهومًا وممارسة.

الجولان جدلية بذاتها تعيد باستمرار تأكيد امتلاك نواة اجتماعية ضمن حركة الواقع  يمكن التعويل عليها في الدفع بحركة اجتماعية فاعلة

وصولًا لما يمكن أن يحمله المستقبل، الجولاني/ الفلسطيني.. مستقبلنا جميعًا، لا يمكن إغفال العين عن إفشال الانتخابات البلدية في مجدل شمس وأخواتها. الرفض في الجولان قفز مرة أخرى ليتصدر المشهد، بل يسوده. رغم الحرمان والاحتلال قامت 4 قرى جولانية نائية عزلاء مجردة بإفشال المجهود الحربي الجبار لإنجاح انتخابات الهيئات المحلية التابعة لوزارة داخلية المحتال آرييه ادرعي.

إذا، يتضح أن الجولان جدلية بذاتها تعيد باستمرار تأكيد امتلاك نواة اجتماعية ضمن حركة الواقع  يمكن التعويل عليها في الدفع بحركة اجتماعية تعبر عن تطلعات كتلة تاريخية وازنة، على الأقل في الجانب المرتعب حقًا من قلب العدو. وهذا استخلاص لا يبدأ عند المثال المضروب سابقًا بشأن إفشال الانتخابات الإسرائيلية في الجولان، بل هو حصيلة التراكم الذي قاد إلى حركة إفشال الانتخابات/ المشروع الاستعماري الإسرائيلي وتنويعاته.

مستقبل الجولان مرتبط بمصير المشاريع المستقبلية التي تحيط بالمنطقة بمجملها، هذا من نافل القول ومتسهلكه، لكنه كلام يحضر بضرورة عدم الجهل بالتاريخ تجنبًا لتكرار أخطاءه، وإن كان محاولة تتخذ وجه مأساة ساخرة للمصادفة الدائمة. ضرورة أخرى تكون بإيضاح أن الواقع التقسيمي وتقسيم المقسم والمعازل الطائفية والميلشياوية يضع الجولان والمنطقة في جحيم مختبر يعلو فيه صوت الانتصارات الخادعة التي تحيل بالضرورة إلى رد فعل صفري بطبعه.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الجولان يحبط انتخابات الاحتلال.. جولة جديدة ضد الأسرلة!

تقدير موقف: اعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.. خلفياته ودوافعه