"الجوكر" الذي في الأسير

انتقل الأسير من اللعب بالدراجات الهوائية والثلج إلى اللعب بالأسلحة والنار (Getty)

في شتاء العام 2013، زار أحمد الأسير مع جماعته، يتقدمهم الفنان التائب في حينه فضل شاكر، عاد أخيرًا عن توبته وقرر الغناء مجددًا، منطقة كفرذبيان في كسروان، ولعب الجميع بالثلج، بعدما صلوا جماعة في موقف للسيارات. قبل وصولهم إلى منصة التزلج في البلدة، اصطدموا بسكان البلدة وفعالياتها يقطعون الطريق عليهم لمنعهم من الوصول، وبعد سيل من الاتصالات السياسية، تدخلت القوى الأمنية وفتحت الطريق أمام الأسير وأنصاره ليتمتعوا بثلج كفرذبيان، ويتراشقوا به على المنصة.

 عرف أحمد الأسير كيف يحول تحركاته إلى نشاطات مسلية

كان يومًا ممتعًا لأنصار الأسير بلا شك. وكان كذلك بالنسبة إلى المشاهدين في بيوتهم الذين تابعوا الزيارة عبر الشاشات. فالأسير عرف كيف يحول تحركاته إلى نشاطات مسلية، وأعطى أولوية للألعاب واللهو على حساب الجد. بدا للبعض كمهرج تافه، فيما كان آخرون يرون فيه مهرجًا من طراز "الجوكر" في الجزء الثاني من ثلاثية كريستوفر نولين عن "باتمان"، أي مهرج شرير، لكنه ينطق في الحق في أحيان كثيرة. حق مجنون وشرير ويستحيل دمويًا. حق باطل. إلى هذه الدرجة من التناقض.

لم يكن سهلًا تقييم زيارة الأسير إلى الثلج في ذلك اليوم. لم يكن منصفًا رفض الزيارة، كما كان محرجًا رفض تحرك أهالي المنطقة ضد الرجل. معضلة وضع الأسير الجميع أمامها. هو لا يقوم إلا بزيارة إلى الثلج مع أنصاره ومعظمهم من الأطفال والنساء. لا ينشد إلا اللهو، والاستمتاع بالثلج. هذا أقله في تصريحاته العلنية. وهذا أيضًا ما أثتبته الزيارة في ذلك اليوم. لم يكن الأسير قد ارتكب حتى ذلك الوقت أي تصرف دموي أو عنفي فاضح. صحيح أنه قطع طريق الجنوب، ونصب الخيام على الأوتوستراد، لكن هذا الفعل في الأدبيات السياسية اللبنانية مشروع، وقامت به جميع الأطراف. على الأوتوستراد لعب الأسير بالدراجة الهوائية ووضع بركة سباحة وغنى مع أنصاره لعبد الحليم حافظ. نعم، غنى، الشيخ السلفي المتطرف، غنى لعبد الحليم حافظ وصفق بكلتا يديه مع الأطفال وهو يغني.

باتمان دائمًا ينتصر على الشرّ الآخر. لكنه يبقى عاجزًا عن الانتصار على الشرّ الذي يسكنه

أي نوع من السلفيين هو هذا الشيخ؟ كان ذلك السؤال المحير بالنسبة إلى كثيرين. فشخصيته تتأرجح بين الجد والهزل. بين البراءة والإجرام. بين الضحية والجلاد. تمامًا مثل "جوكر"، الذي راح يلعب بباتمان في الفيلم ويضعه أمام إشكاليات أخلاقية محرجة. هذا هو الدور الذي مارسه الأسير مع السلطة حينذاك. و"حزب الله" كان جزءًا من تلك السلطة. كانوا جميعًا في صف "باتمان" إذا أردنا التصنيف النمطي، وكان الأسير هو الجوكر، الذي لا يمكن في لحظات الصراع السلمي بينه كمجرم "مفترض" مجنون، وبين السلطة الفاسدة والمجرمة بدورها، أن تحسم موقفك. لكن الأسير/الجوكر لا يستطيع أن يبقي جنونه حميدًا، ومسليًا. انتقل في لحظة واحدة من المزاح إلى الجد. وانتقل من اللعب بالدراجات الهوائية والثلج إلى اللعب بالأسلحة والنار. لم يستطع الأسير الحفاظ على وجه المهرج. تحت الابتسامة كان هناك حقد ينشد الانتقام. وتهور لا مجال لضبطه.

أودى التهور بالأسير/ الجوكر إلى معركة عبرا مع الجيش اللبناني. بعدها عاش طريدًا، إلى أن القي القبض عليه أخيراً متنكرًا في مطار بيروت الدولي. باتمان دائمًا ينتصر على الشرّ الآخر. لكنه يبقى عاجزًا عن الانتصار على الشرّ الذي يسكنه. مع انتهاء ظاهرة الأسير، يبحث أعداؤه القدامى عن عدو جديد ليعثروا على مبررات لشرّهم الذي لا يكتمل إلا بشرّ مقابل.

الأسير في السجن. لكن "الجوكر" اللبناني لا يزال طليقًا.