ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

الجوائز الأدبية: تتويج للكتابة أم أفق لها

17 ابريل 2026
الجوائز الأدبية
تعلن معظم الجوائز عن أهداف عامة ومعايير فنية فضفاضة (منصة إكس)
كريمة سماعلي كريمة سماعلي

يلتقي الكاتب العربي، الذي يترشّح-غالبًا بتوصية من دار النشر-لنيل جائزة أدبية، مع لاعب النرد في نقطةٍ واحدة، وهي أن فرص الفوز لدى كليهما تبدو، في كثير من الأحيان، رهينة عوامل لا تتصل مباشرة بقواعد اللعبة. فالكاتب يترشّح لجوائز تظل معاييرها غامضة بالنسبة إلى القارئ والنقّاد، بل وحتى للكاتب نفسه، ليبقى السؤال معلّقًا: أين أخفق من لم يفز؟ وبماذا تميّز من نال الجائزة؟ أمّا لاعب النرد، فمحكوم بالحظ وحده، إذ لا تعترف لعبته بمهارة الرمي بقدر ما تنحاز لابتسامة الحظ.

ومع ذلك، فإن اختزال المشهد الأدبي في منطق الحظ وحده ينطوي على قدر من التبسيط. ففي عالم الجوائز، كثيرًا ما نجد أعمالًا حازت إجماعًا نقديًّا وحققت حضورًا واسعًا لدى القرّاء، من دون أن تنال أي تتويج، في مقابل أعمال أخرى لم تحظ بالاهتمام إلا بعد فوزها. وهذا التباين يطرح تساؤلات مشروعة حول آليات التحكيم، وحدود الموضوعية، ودور السياقات الثقافية والإعلامية في ترجيح كفّة عمل على آخر.

وهكذا يصبح السؤال الأكثر جدوى أمام هذا الغموض: هل تُدار الجوائز الأدبية في العالم العربي بعقلية الغرف المغلقة، على نحو لا يبتعد كثيرًا عن آليات اشتغال السياسة؟ أم أنها تمثّل، بالفعل، محاولة لصناعة أفق مختلف، تكون فيه الجائزة مساحة لإنصاف النص، ومنح الأدب قدرًا من الاستقلال عن ضغوط القرار السياسي، وهيمنة الإيديولوجيا، وتأثير الأجندات الإعلامية؟

هل تُدار الجوائز الأدبية في العالم العربي بعقلية الغرف المغلقة، على نحو لا يبتعد كثيرًا عن آليات اشتغال السياسة؟ أم أنها تمثّل، بالفعل، محاولة لصناعة أفق مختلف، تكون فيه الجائزة مساحة لإنصاف النص، ومنح الأدب قدرًا من الاستقلال عن ضغوط القرار السياسي، وهيمنة الإيديولوجيا

وواقع الحال أن الغاية من الكتابة، ولا سيما في بعدها التراكمي، هي الإسهام في تشكيل ذائقة أدبية تتطوّر بفعل تفاعل الإبداع مع النقد، بحيث يصبح همّ الأديب الأول هو الابتكار وصناعة نصوص قادرة على البقاء. ولنا في تجارب نجيب محفوظ، والطيب صالح، وإلياس خوري، ورضوى عاشور وغيرها من الأسماء الراسخة في الذاكرة العربية، أمثلة على أدبٍ ما يزال حيًّا بيننا، يشكّل مرجعية نقيس بها ما يُكتب اليوم.

إلّا أن هذا التصوّر يطرح سؤالًا مقلقًا: ماذا لو تغيّرت البوصلة، ولم تعد الكتابة الإبداعية غاية في ذاتها، بل أصبحت، في بعض الحالات، موجّهة نحو إرضاء لجان التحكيم واستيفاء شروط الجوائز؟ حينها يصبح من المشروع التوقّف عند القوائم الطويلة والقصيرة التي تُعلن سنويًا، والتي لا تخلو أحيانًا من أعمال لا ترقى إلى ما يُفترض أنه مستوى التميّز، في مقابل غياب نصوص أخرى قد تفوقها قيمة ولم تحظَ بالالتفات.

تكمن معضلة الجوائز الأدبية في غياب الشفافية الكافية بشأن معايير التحكيم التي تُخوِّل عملًا دون سواه نيل الجائزة؛ إذ تعلن معظم الجوائز عن أهداف عامة ومعايير فنية فضفاضة-كالتميّز، والابتكار، والقيمة الفنية-من دون أن تفصح عن الآليات التي تُقاس بها هذه المفاهيم. فيجد القارئ والناقد، بل وحتى الكاتب نفسه، نفسه أمام وضع يصعب معه فهم أسباب فوز عملٍ مقابل إقصاء آخر.

تجد نظرية أفق التوقّع لهانس روبرت ياوس، في هذا السياق، موقعًا مهمًّا؛ إذ إن تلقي النص الأدبي لا يتم بمعزل عن خلفية القارئ وخبرته الجمالية، بل يتشكل ضمن أفق من التوقعات تحدده قراءات سابقة والمعايير السائدة في زمنه. وإذا ما قاربنا ذلك مع آلية اشتغال لجان التحكيم، فإن هذه الأخيرة لا تشتغل خارج هذا الأفق، بل تتحرك داخله، وتخضع النص-بشكل واعٍ أو غير واعٍ-لشبكة من التصورات الجمالية والثقافية التي تؤثر في قراراتها.

لكن، حين يظل هذا الأفق غير معلن أو غير قابل للنقاش، فإنه يتحول من أداة تفسيرية إلى عامل يزيد من غموض عملية التقييم؛ فبدل أن يسهم اختلاف آفاق التوقع في إثراء القراءة، يصبح مدخلًا لتبرير اختيارات لا تُبنى على معايير واضحة، وهو ما يعمّق الفجوة بين النصوص المتوجة وتلك التي تُقصى.

إن المواربة في الإفصاح عن المعايير التي تحتكم إليها لجان التحكيم تمنح انطباعًا بأن عملية الانتقاء لا تقوم، بالضرورة، على أسس أدبية خالصة. فتبدو العملية برمّتها وكأنها تجري داخل صندوق أسود، تُتخذ فيه القرارات ضمن نطاق مغلق بما يفتح باب التأويل: هل انتصر الأسلوب على الفكرة؟ أم فرضت الفكرة حضورها على حساب البناء الفني؟ أم أن عوامل خارجة عن النص-كاسم الكاتب، أو علاقاته، أو دور دار النشر، أو السياق الثقافي، وربما حتى المواقف السياسية-تلعب دورًا في ترجيح كفّة عمل على آخر؟ إن غياب الوضوح لا يخلق ضبابية لدى القارئ والناقد فحسب، بل يضعف ثقة الوسط الأدبي في نزاهة هذه الجوائز.

ولا يقتصر أثر هذه الضبابية على المشهد الثقافي العام، بل يمتد إلى الكاتب نفسه، الذي قد يجد قلمه رهين إملاءات لا تتصل بجوهر الإبداع. فيمارس، أحيانًا، رقابة ذاتية من نوع آخر، خاصة لدى أولئك المشغولين بهاجس نيل الجوائز. ومع غياب معايير واضحة، يصبح من الصعب على الكاتب تحديد موقع نصّه ضمن منظومة تقييم لا تفصح عن أسسها، فيتحوّل الفعل الإبداعي من مساحة حرّة إلى عملية توجيه غير معلن، يتردّد فيها الكاتب بين التجريب والأشكال الكلاسيكية، أو يكتب ضمن تصوّرٍ ضمني لما قد ترضى عنه لجان التحكيم.

ليست الكتابة فعلًا هامشيًا في حياة الكاتب، ولا هي حالة طارئة، بل هي سيرورة تحكمها آليات دقيقة، تنطلق من وعي الكاتب وتجاربه، وتنتهي عند أفق تلقي القراء والنقاد. وفي قلب هذه السيرورة، تتجلى وظيفة الكاتب بصفته فاعلًا جماليًا يسعى إلى كسر أفق التوقّع وخلخلة التصوّرات القبلية التي يحملها المتلقي. فكلما اتّسعت الفجوة بين ما ينتظره القارئ وما يقدّمه النص، تولّدت الدهشة الجمالية، بوصفها الشرط الأساس لكل كتابة مبتكرة.

غير أن هذا التصوّر يصبح هشًّا حين يواجه واقعًا ثقافيًا تتغير فيه وظائف الكتابة، لتشتغل وفق آلية عكسية تتأثر بمنظومات الاعتراف والشرعية، وعلى رأسها الجوائز الأدبية. ففي كثير من الحالات، لا تعود الجائزة نتيجةً للإبداع، بل تتحوّل إلى غاية مسبقة توجّه عملية الكتابة نفسها، فيُشدّ النص إلى معايير مفترضة-قد لا تكون معلنة-لكنها تُستشف من تتبّع الأعمال الفائزة ومناخات التتويج السائدة.

لعلّ الإشكال لا يكمن في وجود الجوائز الأدبية في حدّ ذاتها، بقدر ما يكمن في الكيفية التي تُدار بها. فحين تغيب الشفافية، لا تصبح الجائزة تتويجًا للنص بقدر ما تغدو أداة لإنتاجه وتوجيهه

يفضي هذا التحوّل إلى تدجين الخيال، إذ يُدفع الكاتب إلى محاكاة نماذج ناجحة بدل المغامرة بتفجير أشكال جديدة. كما تتقاطع هذه المعايير مع اعتبارات سياسية وثقافية وسياقات راهنة، ترتبط بالقضايا التي تحظى باهتمام الممولين والمؤسسات الراعية، فتفقد الجائزة حيادها المفترض، وتتحوّل إلى أداة توجيه غير مباشرة للخطاب الإبداعي.

ولعلّ الإشكال لا يكمن في وجود الجوائز الأدبية في حدّ ذاتها، بقدر ما يكمن في الكيفية التي تُدار بها. فحين تغيب الشفافية، لا تصبح الجائزة تتويجًا للنص بقدر ما تغدو أداة لإنتاجه وتوجيهه. وحينها، لا يعود السؤال: من يستحق الفوز؟ بل يتحوّل إلى سؤال أكثر إلحاحًا: أيّ نوع من الأدب نريد أن نكافئه، وأيّ أفق نرسمه للكتابة القادمة؟

وليس من الصعب على المتابع أن يلحظ، في بعض الجوائز الروائية العربية ذات الحضور الواسع، نوعًا من الانتظام غير المعلن في اختياراتها؛ حيث تتكرّر ثيمات بعينها، وتُمنح الأولوية لأنماط سردية تكاد تتحول إلى صيغة ناجحة قابلة للاستنساخ. ومع اتساع دوائر الرصد، يلوح-ولو على نحو محتشم-أن هذا الانتظام لا يقتصر على الخيارات الجمالية وحدها، بل يتقاطع أحيانًا مع مزاج ثقافي أوسع، يتبدّى في حساسية مخصوصة تجاه قضايا راهنة، من قبيل الموقف من المقاومة الفلسطينية أو سؤال التطبيع. وحين تطفو هذه المؤشرات على السطح وتتكرر بين القراء والنقاد، لا يعود من السهل اعتبارها مصادفة ، بل دلالة متينة على أفق انتقائي يضيق فيه هامش الاختلاف، وتكون معه الجائزة-من حيث لا تعلن-أقرب إلى تكرار إنتاج تصور بعينه للكتابة والعالم، يتماهى، في بعض تجلياته، مع السياق الذي يمنحها شرعيتها ويؤطر حضورها.

من هذه  الزاوية، يمكن النظر إلى بعض الجوائز التي ترعاها  بعض المؤسسات العربية، كآليات فرز، لا تعتمد فقط  على ما يمنحه  العمل من  قيمة فنية بل مدى  انسجام  النص مع الخطاب المهيمن، إذ  تتحوّل الجائزة إلى شكل من أشكال الامتحان الرمزي لمدى قابلية الكاتب للتماهي مع شروط الحقل الثقافي كما ترسمه مؤسسات القوة والتمويل. 

كلمات مفتاحية
مقاطعة "يوروفيجن"

"يوروفيجن 2026": مقاطعة واسعة وانقسام أوروبي غير مسبوق حول مشاركة إسرائيل

تختم النسخة السبعون من مسابقة "يوروفيجن" الغنائية فعالياتها في 16 أيار/مايو في العاصمة النمساوية فيينا، وسط أجواء توصف بأنها الأكثر توترًا في تاريخ الحدث الممتد منذ عام 1956

المؤتمر الصهيوني

كيف تشكّلت "الصهيونية الحديثة": الجذور الدينية والتاريخية للصهيونية المسيحية

يظنّ كثيرون أن الصهيونية المسيحية نتاجٌ متأخر للمشروع الصهيوني، غير أن ملامحها تبلورت مبكرًا وتقاطعت مع تصوّرات تيودور هرتزل

ألتراس الجنوب

"الألتراس": من ظاهرة محلية إلى هوس ثقافي عالمي

لم تعد جماعات "الألتراس" مجرد ظاهرة محلية نشأت في الملاعب الإيطالية أواخر ستينيات القرن الماضي. فقد خرجت خلال العقود التالية من حدودها الجغرافية الأولى لتنتشر في مدرجات العالم

إيبولا
علوم

طقوس غريبة أثناء الدفن.. "أخطاء قاتلة" تفجر كارثة إيبولا في الكونغو

كشفت التحقيقات عن سلسلة من الأخطاء ساهمت في تفاقم الكارثة، إليكم أبرزها

فلسطين
قول

"وهم نهاية التاريخ".. كيف جعلت الليبرالية الغربية الجحيم حكرًا على الشرق الأوسط؟

تتراكم القوة عن طريق تركيز الثروة والسلطة في يد فئة قليلة، ومن خلال تجريد الفئات الضعيفة والمهمشة مثل الشرق الأوسط من الأصول والموارد، وذلك عبر تقسيم النظام العالمي نفسه إلى عدة أشياء

ضد التحرش
مجتمع

هل يصبح الإقصاء الفني عقوبة موازية للقضاء؟

تنشط في السنوات الأخيرة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، حركة تُعد الامتداد المحلي لحملة "أنا أيضًا" (Me Too) العالمية

مانيدو
أدب

مانيدو: سردية الحب والجليد بين الذاكرة والأسطورة

"مانيدو، قصة حب جليدية"، سيرة إنسانية تحمل في ثناياها أثرًا يشبه تلك الأرواح المتعالية عن الخلق وعن الأم الأولى، كسلسلة جامعة لكل شعوب الأرض