الجنوب السوري.. حصار واعتقالات وصراع خفي بين حلفاء الأسد

الجنوب السوري.. حصار واعتقالات وصراع خفي بين حلفاء الأسد

ما زال النظام السوري يفرض حصارًا على مدينة الصنمين (فيسبوك)

الترا صوت – فريق التحرير 

يواصل النظام السوري لأكثر من عشرة أيام على التوالي حصاره المفروض على مدينة الصنمين شمالي درعا في جنوب سوريا، في الوقت الذي قالت تقارير أممية إن النظام السوري اعتقل أكثر من 300 شخص منذ استعادته السيطرة على المنطقة العام الفائت، وتأتي التطورات الأخيرة في المنطقة بالتزامن مع تنامي الصراع الروسي – الإيراني للسيطرة على مفاصل القرار السياسي في سوريا، بعدما تمكن النظام السوري من استعادة أكثر من 60 بالمئة من مساحة البلاد.

ساهمت الاعتقالات التي نفذها النظام السوري في جنوب سوريا إلى جانب إعادة تمثال رئيس النظام السوري الراحل حافظ الأسد إلى درعا بعودة المظاهرات السلمية إلى المدينة

المعارضة تقدم مطالبها.. والنظام يرفض تنفيذها

بدأت تطورات الأحداث الأخيرة التي تعيشها مدينة الصنمين (50 كم شمال مدينة درعا) منتصف الشهر الجاري، بعدما أقدمت دورية تابعة للنظام السوري على مداهمة منزل القيادي السابق في حركة أحرار الشام الإسلامية وليد الزهرة لاعتقاله على خلفية دعاوى جنائية مقدمة ضده من قبل أهالي بالمنطقة، وفقًا لما تداولته وسائل إعلام محلية، وأسفرت عملية المداهمة عن تبادل لإطلاق النار بين الطرفين قتل على إثرها عنصر وجرح اثنان من النظام السوري.

اقرأ/ي أيضًا: مراسلات الأسد-كيري.. انطلاق الثورة السورية أحبط التفاوض مع نتنياهو

وشهدت المدينة على خلفية الحادثة فرض النظام حصارًا عليها بعد تنفيذ عملية المداهمة، حيث عملت قوات النظام على نصب حواجز عسكرية إضافية أمام فرع الأمن العسكري، وتعزيز مواقعها داخل المربع الأمني في المدينة، ويطالب النظام السوري سكان المدينة بتسليم السلاح الذي بحوزتهم، بالإضافة لتسليم عدد من المطلوبين يتهمهم بالوقوف وراء الهجمات التي تستهدف الحواجز العسكرية في الجنوب السوري.

وكان وجهاء وممثلون عن المدينة قد سلموا الوفد الروسي مجموعة من المطالب تضمنت فك  الحصار، وإخراج المعتقلين من السجون فضلًا عن شطب أسماء المطلوبين للأجهزة والأفرع الأمنية، دون أن يصلهم رد من الوفد الروسي، أو النظام السوري الذي يستمر بفرض حصاره على المدنية.

وشهدت المدينة يوم الثلاثاء الفائت استنفارًا أمنيًا من جانب قوات النظام على خلفية هجوم نفذه مجهولون باستهدافهم حواجز لقوات النظام ضمن المربع الأمني التابع لها وسط الصنمين، واشتبكوا معهم بالأسلحة المتوسطة والخفيفة.

الجنوب السوري ما بين المصالحة والمعارضة

وكان النظام السوري مدعومًا بالقوات الروسية والميليشيات الأجنبية التي تقودها إيران قد فرض سيطرته على جنوب سوريا في تموز/يوليو الماضي بعد اتفاق بوساطة روسية يتيح للمدنيين العودة لقراهم وبلداتهم مع ضمانات روسية لحمايتهم، بالإضافة لـ"تسوية أوضاع" من يرغب من مقاتلي المعارضة مع النظام السوري، والسماح لمن يرفض التسوية بالخروج إلى شمال سوريا.

إلا أن النظام السوري لم يلتزم بالضمانات التي قدمتها موسكو للمعارضة، فقد شن حملة اعتقالات استهدفت الشبان وقيادات في المعارضة وافقوا على تسوية أوضاعهم مقابل بقائهم في المدينة، وقالت الأمم المتحدة إن النظام السوري اعتقل 380 شخصًا منذ استعادته السيطرة على المنطقة، قام لاحقًا بالإفراج عن 150 شخصًا منهم فيما لا يزال 230 شخصًا رهن الاعتقال.

 وساهمت الاعتقالات التي نفذها النظام السوري في جنوب سوريا إلى جانب إعادة تمثال رئيس النظام السوري الراحل حافظ الأسد إلى درعا بعودة المظاهرات السلمية إلى المدينة، وتعد محافظة درعا واحدة من أبرز المحافظات التي انتفضت في وجه النظام السوري منذ آذار/مارس 2011، ويصفها النشطاء السوريون بأنها "مهد الثورة السورية" بسبب احتضانها لأولى المظاهرات السلمية التي نادت بإسقاط النظام السوري.

وفي تطور ملحوظ على عودة الحراك العسكري للمعارضة السورية في الجنوب، أعلن في شباط/فبراير الماضي عن تشكيل فصيل مسلح تحت مسمى سرايا الجنوب، بالتزامن مع كتابة شعارات على الجدران توعدت النظام السوري بتنفيذ عمليات عسكرية ضد مواقعه في المنطقة، وهذا الفصيل الثاني الذي يعلن عن تشكيله بعد فصيل المقاومة الشعبية الذي  برز في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

ويصف تقرير لموقع عنب بلدي الإلكتروني ما يحدث حاليًا في مدينة الصنمين بأنه "يشبه أمسها"، حيث بدأت المواد الأساسية بالنفاذ من أسواق المدينة في ظل التضييق الأمني والاقتصادي ومصادرة المواد الشخصية التي يحملها الطلاب والموظفون خلال دخولهم إلى مدينتهم، وهو ما يذكر بالحصار الذي فرض على المنطقة قبل عام عندما تمكن النظام السوري مدعومًا بالقوات الروسية من إخضاع المنطقة تمهيدًا لاستعادتها بشكل كامل.

الجنوب السوري.. صراع نفوذ وسوق لجبهات القتال

يشهد الجنوب السوري صراعًا بين القوى الدولية الفاعلة في الشأن السوري من طرف، وأهالي المنطقة ضد انتهاكات النظام والميليشيات الأجنبية التي تتلقى تمويلًا إيرانيًا، أو الميليشيات الموالية لروسيا من ضمنها الفيلق الخامس الذي شكلته روسيا من طرف آخر، وهو ما بدا ملاحظًا خلال الأيام السابقة نظرًا للتغييرات التي أجراها النظام السوري في صفوف قيادات الصف الأول العسكرية.

فقد كشفت تقارير صحفية عن تواجد للميليشيات المحلية أو الأجنبية الموالية لإيران في مساحات واسعة من الجنوب السوري تمتد من سلسلة الجامعات الواقعة على أوتستراد دمشق – عمان مرورًا بشرقي درعا والقنيطرة والبلدات التابعة لها، حتى تل الشعار وتلال فاطمة وتل الشحم وتل مرعي الواقعين ضمن ما يعرف بمنطقة مثلث الموت، كما تتواجد في المنطقة قاعدة التنف العسكرية التي تسيطر عليها المعارضة السورية مدعومًة بالقوات الأمريكية، بالإضافة إلى تواجد الجيش الإسرائيلي الذي ينتشر بشكل مكثف في هضبة الجولان المحتل تحسبًا لعمليات عسكرية قد تنفذها الميليشيات الأجنبية داخل المنطقة.

وعلى الرغم من الخلاف الروسي – الإيراني الذي بدأ يظهر مؤخرًا، فإن السيطرة على الصنمين تعد مصلحة مشتركة للنظام السوري وحلفائه، إذ تريد طهران من السيطرة على المدينة أن تحمي الخلايا الأمنية التابعة لها بعدما أصبحت مكشوفة ما يصعب عليها تنفيذ عملياتها نتيجة بروز فصيلي سرايا الجنوب والمقاومة الشعبية، فيما تسعى روسيا للسيطرة على الفرقة التاسعة والألوية والكتائب التابعة لها المتواجدة داخل المدينة وفي محيطها، وفي الوقت ذاته تساعد النظام على ضبط المنطقة أمنيًا.

كما أن النظام السوري استفاد من الخطة الروسية التي منحت مقاتلي المعارضة السورية الذين رفضوا الخروج إلى الشمال السوري ستة أشهر قبل أن يتم سوقهم إجباريًا للقتال إلى جانب قوات النظام في شمال غرب سوريا، فضلًا عن عدم تحقيق كافة الضمانات التي قدمها الروس لمقاتلي المعارضة أثناء عملية التفاوض، وكان من ضمنها عدم ملاحقتهم أمنيًا، وهو الأمر الذي لم يتحقق حيث بدأ النظام السوري بملاحقة قيادات المعارضة السورية المسلحة والنشطاء المدنيين في الجنوب السوري عمومًا.

لكن التوافق بين حلفاء النظام السوري ضمن بعض النقاط الأمنية في المنطقة لا يعني عدم وجود خلاف واضح بين موسكو وطهران، ففي الوقت الذي تركز موسكو جهودها على إعادة تأهيل مؤسسات النظام السوري العسكرية لكي تصبح قوى أكثر فاعلية، تعمل طهران على توجيه طاقاتها لنشر نفوذها من خلال العقيدة الدينية، ودعم الميليشيات التي تعمل خارج المؤسسة العسكرية الرسمية، وتدين بالولاء المطلق لها، وهو الأمر الذي دفع موسكو فعليًا لتشكيل الفيلق الخامس.

في هذا السياق، أشارت تقارير صحفية إلى أن الصراع الروسي – الإيراني في الجنوب السوري يدور حول مراكز صنع القرار، وتقديم السلل الغذائية للسكان بهدف التقرب منهم، ولعب دور الوسيط مع النظام السوري لحل مشاكل سكان المنطقة، وصولًا لحوادث الاغتيالات بين صفوف قيادات المعارضة العسكرية التي قبلت بتسوية أوضاعها، أو أعضاء لجان المصالحة، والتي اعتبرها نشطاء أنها تدخل في إطار الحرب الخفية بين الطرفين لإبعاد بعض القادة العسكريين عن ساحة التنافس والاستقطاب.

ووفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان فإن الكفة في الساحة السورية بدأت تميل للجانب الإيراني رغم التواجد الروسي ضمن مقرات القيادة وتحكمها في القرار السوري في كثير من الأحيان، ويرجع المرصد السوري ذلك للنفوذ الإيراني المتنامي في سوريا، واستقطاب الآلاف من السوريين ليس بالمقابل المادي فقط، بل من خلال اللعب على وتر المذاهب والأديان، فضلًا عن تجنيد شبان في سن الخدمة الإلزامية بصفوفها مقابل عدم سحبهم للخدمة الإلزامية.

اقرأ/ي أيضًا: ليبرمان: سكان "شمال إسرائيل" سيشعرون بالأمان بعد عودة الأسد إلى الحدود

ويضاف إلى ذلك الخلاف حول المنطقة الآمنة في الشمال السوري، ففي الوقت الذي يرى فيه النظام السوري وطهران أن هذه المنطقة ليست إلا "مؤامرة أمريكية لتقسيم البلاد"، تظهر موسكو تفهمًا للموقف التركي الذي يرغب بإنشائها، فضلًا عن الخلاف الأساسي حول استمرارية رئيس النظام السوري بشار الأسد في الحكم الذي تعتبره طهران استمرارًا لنفوذها في سوريا مستقبلًا، فيما تصر موسكو على الفصل بين الأسد الشخص، والنظام السوري بمؤسساته المختلفة.

 على الرغم من الخلاف الذي ظهر بين أبرز حلفاء النظام السوري الذين ساعدوا الأسد على استعادة معظم المناطق التي فقد السيطرة عليها، فإنهما لا يزالان يظهران مستويات غير مسبوقة من التعاون

وفي النهاية، على الرغم من الخلاف الذي ظهر بين أبرز حلفاء النظام السوري الذين ساعدوا الأسد على استعادة معظم المناطق التي فقد السيطرة عليها خلال السنوات الفائتة، فإنهما لا يزالان يظهران مستويات غير مسبوقة من التعاون عبر تقديم موسكو للقوات الجوية والبرية ومرتزقة فاغنر، فيما تدعم طهران من خلال الميليشيات الأجنبية التي يقودها فيلق القدس الذراع الخارجي للحرس الثوري الإيراني، إذ ترى معظم التقارير الغربية أن المنافسة تزداد بين الطرفين رغم عدم انقطاع التعاون بينهما على الأراضي السورية.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

حرب البادية السورية.. ماراثون البوابات الحدودية

هل نشهد حربًا أمريكية على إيران قريبًا؟