الجمهور العربي.. منين أجيب ناس؟

الجمهور العربي.. منين أجيب ناس؟

من مباراة سوريا وأفغانستان (بهروز مهري/ا.ف.ب/getty)

منذ اندلاع الأحداث الثورية في سوريا وملاعب كرة القدم تحتلها الدبابات والجيوش والعناصر المسلحة. وملعب العباسيين العريق الذي شهد أغلب مباريات المنتخب السوري الوطني، أصبح ترسانة عسكرية، ومركزًا لانطلاق حافلات القمع والتشبيح في العاصمة السورية "دمشق".

لم تستغرق الحكاية زمنًا، ولم تشهد أرض الملعب أحداثًا دامية تستدعي تلك القرارات الأمنية، بل كان يكفي أن تلوح في الأفق بوادر الحراك الشعبي، حتى يبادر القائمون على المؤسسات الحكومية الرياضية لإغلاق هذه المنشآت. ربما لخوفهم من تحول الملعب لمركز كبير لانطلاق التظاهرات الشعبية، وربما لدرايتهم وتخوفهم من أن تصبح الملاعب السورية نسخة عن الملاعب اللبنانية التي اضطرت لإغلاق مدرجاتها وعدم استقبال الجماهير، بعد أن تحولت الملاعب إلى ساحة للهتافات السياسية والصراعات الطائفية والحزبية، لاسيما في عام 2006، حيث اضطر الاتحاد الرياضي اللبناني أن يغلق ملاعبه في وجه الجماهير بعد أن انقسمت الجماهير بين 14 آذار و8 آذار.

لا يوجد في أفضل 50 فريق في العالم سوى فريقين عربيين، الجزائر في المركز التاسع عشر وتونس في المركز الرابع والثلاثين

وعلينا أن نؤكد في هذا السياق أن ما يحدث في سوريا ولبنان ليس سوى مثال عن واقع الكرة في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، فها هو اتحاد مصر لكرة القدم يقدم طلبًا للاتحاد الإفريقي لاستثنائه من القاعدة الجماهيرية في الدورة الحالية (حيث يفرض الاتحاد الدولي لكرة القدم فتح المباريات الدولية واستقبال الجماهير).

وفي بلدان عربية أخرى، لا يصل عدد جماهير اللعبة الأكثر شعبية في العالم في الدوريات المحلية إلى المائة متفرج. وتحاول بعض الدول أن تعالج ظاهرة عزوف الجماهير عن حضور مباريات كرة القدم في الملعب، مثل الأردن، حيث قام الاتحاد الأردني بفتح ملاعبه في مباريات منتخب النشامى الودية بالمجان.

ومهما اختلفت الظروف السياسية، ومهما تفاوتت أعداد الجماهير من دولة لأخرى، تبقى ظاهرة العزوف عن حضور مباريات كرة القدم في الملاعب، ظاهرة عربية بامتياز، ومن الممكن تعميمها. ومن الممكن إيجاز أهم أسباب هذه الظاهرة فيما يلي:

إن تدهور الأوضاع الأمنية في ظل الربيع العربي، ولاسيما في الدول التي شهدت أحداثًا دامية، ضعضع الحياة الاجتماعية، فتراجعت نسبة الحضور والجماهير في جميع الأنشطة الثقافية والرياضية، ولكن -والغريب في الأمر- لم تتراجع نسبة حضور مباريات الدوريات الأوروبية، فمقاهي دمشق لا تزال تختنق بالحضور في كل كلاسيكو، متناسيين الأوضاع الأمنية.
إن تزايد نسبة الحضور للدوريات الأوروبية بالتزامن مع تراجع نسبة الحضور للدوريات العربية يقودنا للعامل الأهم، ألا وهو هامشية الرياضة العربية في محيط المركزية الأوروبية المسيطرة على الجماهيرية العالمية لكرة القدم.

الجماهير العربية المهتمة بالرياضة تتابع الدوريات الأوروبية وتقوم بتشكيل رابطات لتشجيع الأندية ذات الشهرة العالمية

فالجماهير العربية المهتمة بالرياضة والمتابعة لها، تتابع الدوريات الأوروبية وتقوم بتشكيل رابطات لتشجيع الأندية ذات الشهرة العالمية (ريال مدريد، برشلونة، مانشستر يونايتد...) ولا تهتم بالأندية المحلية والعربية، ولا حتى بمنتخباتنا. بل وحتى المشجعون الذين دبّ بهم عرق القومية وشجعوا المنتخب الجزائري في نهائيات كأس العالم الماضية، لم يفعلوا ذلك إلا بعد إشادة وكالات الأنباء الرياضية العالمية بالمستوى الذي ظهر به المنتخب العربي.

وهذه التبعية الكروية التي نتعايش معها بسلام تعّد العامل الأساسي بتراجع شعبية رياضة كرة القدم على المستوى المحلي، وللإعلام الأثر الأكبر في هذه التبعية، ومن الممكن أن نربط بداية التدهور الجماهيري للكرة العربية بتطور وسائل الإعلام، والنقل الحي والمباشر لمباريات الدوريات الأوروبية من خلال الديجيتال والإنترنت.

إن الثقافة العربية التي تربط الجسد بالوظائف الدنيا بالمجتمع، لا تشجع بطبيعتها على الاحتراف الرياضي، ففي حين يدخل ميسي وكريستيانو رونالدو في قائمة أكثر الشخصيات تأثيرًا في العالم عام 2014، فإن إعلامنا يغيب الرياضيين الموهوبين عن الساحة الإعلامية تمامًا. لذا فإن تشجيع الأندية الرياضية لا يبدو أمرًا مستحبًا، ولا يتعدى مرحلة المراهقة لدى الشباب في أغلب الأحيان.
إن النتائج المخيبة للآمال التي تحصدها منتخباتنا الوطنية لا تعطي حافزًا للجماهير لمتابعتها، ففي حين لا يوجد في أفضل خمسين فريقًا في العالم سوى فريقين عربيين (الجزائر في المركز التاسع عشر، وتونس في المركز الرابع والثلاثين) فإن فريقين عربيين أيضًا يتواجدان في المراكز الخمسة الأخيرة في الترتيب العالمي (الصومال في المركز 205، وجيبوتي بالمركز 206)، لذا فإن أغلب المهتمين برياضة كرة القدم يلتفتون لتشجيع المنتخبات الأوروبية والأمريكية.

هذا كله يؤدي إلى قتل المتعة في لعبة كرة القدم في العالم العربي في الكثير من الأحيان، فغياب الجماهير وافتقاد الملاعب لأصوات هتافاتهم يجعل من كرة القدم رياضة باردة لا ترتقي لتكون الرياضة الأكثر شعبية في العالم.

اقرأ/ي أيضًا:
البوندسليغا تشغل اللاجئين السوريين
رهانات على أقدام لاعبين في ملاعب بعيدة