الجفاف والحرب وتكاليف الإنتاج.. ثلاث ضربات تكسر المزارعين الأميركيين
24 مايو 2026
دخل المزارعون الأميركيون في واحدة من أصعب أزماتهم منذ سنوات، بعدما تسببت حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز في ارتفاع هائل بأسعار الوقود والأسمدة، في وقت يواصل فيه الجفاف ضرب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في الولايات المتحدة، مهددًا بخسائر تاريخية في إنتاج القمح ومحاصيل أساسية أخرى.
وكالة "رويترز" استعرضت في تقرير لها ما يعانيه المزارعون في الولايات المتحدة، وأجرت مقابلات مع بعضهم، ففي غرب ولاية تكساس، وقف المزارع سكوت إيرلبيك وسط أرض متشققة وجافة، ينظر إلى محصول قمح بالكاد نما منذ زراعته في الخريف الماضي. لم يعد الرجل ينتظر حصادًا وفيرًا، بل يأمل فقط أن تصنف شركة التأمين محصوله "خسارة كاملة" حتى يتجنب إنفاق المزيد من الأموال على وقود الحصاد المرتفع الثمن. إيرلبيك لخّص الأزمة بجملة تعكس حال آلاف المزارعين الأميركيين: "هناك الوقود، وهناك الجفاف، وهناك الأسمدة.. لدي ثلاث ضربات، هل خرجت من اللعبة؟".
حرب إيران تصل إلى الحقول الأميركية
رغم أن الحرب تدور على بعد آلاف الكيلومترات من الأراضي الزراعية الأميركية، فإن تداعياتها وصلت مباشرة إلى قلب القطاع الزراعي، خصوصًا بعد إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
رغم أن الحرب تدور على بعد آلاف الكيلومترات من الأراضي الزراعية الأميركية، إلا أن تداعياتها وصلت مباشرة إلى قلب القطاع الزراعي
فبحسب شهادات قُدمت أمام لجنة الزراعة في مجلس الشيوخ الأميركي، ارتفعت أسعار ديزل المزارع بنسبة 72% منذ أواخر شباط/فبراير، بينما قفزت أسعار اليوريا، أحد أهم الأسمدة المنتجة في منطقة الخليج، بنسبة 55%. كما ارتفعت أسعار نوع آخر من الأسمدة النيتروجينية بنسبة 33%.
وتحوّل هذا الارتفاع إلى عبء هائل على المزارعين الذين يعتمدون على الوقود والأسمدة بشكل أساسي في عمليات الزراعة والحصاد والنقل، خصوصًا في ولايات السهول الأميركية مثل تكساس وكانساس وأوكلاهوما ونبراسكا وداكوتا الجنوبية.
الجفاف يدمّر القمح الأميركي
الأزمة لم تتوقف عند ارتفاع التكاليف فقط، بل تزامنت مع موجة جفاف قاسية تضرب الولايات المتحدة منذ أشهر، ما أدى إلى تراجع حاد في الإنتاج الزراعي. وتشير بيانات وزارة الزراعة الأميركية إلى أن البلاد تتجه لإنتاج أصغر محصول من القمح الشتوي الأحمر الصلب، المستخدم في صناعة الخبز، منذ عام 1957.
ويغطي الجفاف حاليًا أكثر من 60% من مساحة الولايات المتحدة القارية، مقارنة بـ43% فقط مطلع عام 2026 و33% قبل عام واحد، بحسب أحدث تقارير "مراقبة الجفاف الأميركية".
وفي أوكلاهوما، قالت خبيرة المحاصيل أماندا دي أوليفيرا سيلفا إن الأمطار قد لا تعود قادرة حتى على إنقاذ القمح في المناطق الأكثر تضررًا، مؤكدة أن "المطر قد يحافظ على ما تبقى، لكنه لن يعكس الضرر الذي حدث بالفعل".
أما في داكوتا الجنوبية، فقد بدأ مزارعون بالفعل إعادة النظر في خطط استخدام الأسمدة بسبب ارتفاع الأسعار وسوء ظروف النمو، في خطوة تعكس حجم الضغوط المالية التي تضرب القطاع.
مزارعون يقلصون استخدام الأسمدة
الارتفاع الحاد في أسعار الأسمدة دفع العديد من المزارعين إلى قرارات غير مسبوقة، بينها تقليل استخدام الأسمدة أو التخلي عنها بالكامل.
المزارع كودي كارسون، الذي يدير نحو 2400 فدان من القطن في غرب تكساس، قال إنه لم يشترِ الأسمدة مسبقًا، وربما لن يشتري أيًا منها هذا الموسم. وأوضح أن الجفاف خفّض توقعات إنتاج القمح لديه من 80 بوشلًا للفدان إلى ما بين 18 و20 فقط.
وأضاف متسائلًا: "كيف يمكنني أن أتصرف بحكمة مالية وأشتري سمادًا بهذا السعر بينما لا أعرف إن كنت سأحصل أصلًا على محصول؟".
وفي مدينة بيترسبورغ بولاية تكساس، قال المزارع توم غريغوري إن أسعار الأسمدة ارتفعت لديه من 402 دولار للطن في شباط/فبراير إلى 558 دولارًا في نيسان/أبريل، ما أجبره على التفكير باستخدام أقل كمية ممكنة.
إدارة ترامب تحت الضغط
الأزمة الزراعية وضعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحت ضغط متزايد، خصوصًا أن المزارعين كانوا أصلًا يعانون من تداعيات السياسات التجارية والرسوم الجمركية التي أضعفت أسواق التصدير وخفّضت أسعار المحاصيل.
ورغم أن الإدارة الأميركية كانت قد أطلقت حزمة مساعدات بقيمة 12 مليار دولار لتعويض آثار الرسوم الجمركية، فإن مزارعين أكدوا أن الارتفاع الهائل في تكاليف الوقود والأسمدة التهم أي فوائد محتملة من تلك المساعدات.
وقال المزارع تومي سالزبوري من أوكلاهوما: "نحن ندفع تكاليف إنتاج تعود إلى 2026، لكننا نبيع محاصيل بأسعار تشبه أسعار السبعينيات والثمانينيات". من جهتها، أقرت وزيرة الزراعة الأميركية بروك رولينز بصعوبة الوضع، مؤكدة أن الحكومة تشهد "زيادات كبيرة في الأسعار في وقت يعاني فيه الاقتصاد الزراعي أصلًا".
أزمة تتجاوز الاقتصاد
وبالنسبة لكثير من المزارعين، لم تعد الأزمة مجرد أرقام وخسائر مالية، بل تحولت إلى اختبار نفسي ومعيشي قاسٍ يهدد استمرارية مهنة توارثتها عائلات أميركية عبر أجيال.
المزارع توم غريغوري قال إنه يحاول تجاوز المرحلة عبر التمسك بإيمانه وعائلته والرياضة، مضيفًا: "آمل أن يعتني الرب بنا". وبين الجفاف وارتفاع التكاليف وتراجع الإنتاج، يبدو أن المزارعين الأميركيين يدخلون موسمًا زراعيًا محفوفًا بالمخاطر، وسط مخاوف من أن تتحول الأزمة الحالية إلى واحدة من أسوأ الضربات التي يتعرض لها القطاع الزراعي الأميركي منذ عقود.