الجفاء بين الكاميرا وبيروت القديمة

الجفاء بين الكاميرا وبيروت القديمة

من فيلم بيروت الغربية

هل أوصدت بيروت أبواب سورها قبل أن ينهار، فلم تدخله صناعة الأفلام ولو بعد حين لتنفض الغبار عن أنقاضه في الذاكرة؟ هل أرادت لناسها بأزيائهم القديمة وبيوتها الحجرية ذات الطبقتين والطرقات الكلسية والحوانيت ذات السقوف الواطئة أن تبقى جميعها سرًا لا يدرك بعض مفاتنه إلا أولئك الذين يدرسون التاريخ أو يبحثون عن شذرات منه بين ما تتناقله الألسن وتجود به ذاكرة كبار السن؟

قلّة من اللبنانيين بعامة، والبيارتة بخاصة، يدركون أن في جغرافية مدينتهم سورًا ضمّ قبل ما يزيد عن قرنين من الزمن مساكنها ومن سكنوها، وأن مدينتهم لم تكن في الأساس مدينةً بل قريةً متباعدة البيوت، تُربى فيها الدواجن وتتنقل في أزقتها البغال وتزرع بالتوت قوتًا لدود القز، ويحيطها السور لحمايتها من الطامعين والغزاة.

قارئو الأدب تعرفوا إلى بيروت في ثلاثية ربيع جابر وعاشوا في "كادرها" الزمني والجغرافي حكاية عبد الجواد أحمد وسلالته

فيما ما بقي خارج جدرانه من أراضٍ شاسعة كان وسط قلّة قاطنيه من الناس حقولًا تطاول البحر ومرتعًا للذئاب والثعالب وغيرها من الحيوانات الضارية.

اقرأ/ي أيضًا: لبنان.. حملات افتراضية ضد استملاك شاطئ بيروت

قارئو الأدب تعرفوا إلى هذه "البيروت" في ثلاثية ربيع جابر "بيروت مدينة العالم" وعاشوا في "كادرها" الزمني والجغرافي حكاية عبد الجواد أحمد البارودي وسلالته التي أسّست في تكاثرها حيًا داخل السور، ثم فاضت أعمالها وتخطى ترحالها وتجاوزت مصائرها حجارته التي بُعثرت تباعًا حتى باتت أساسًا لما نبُت في ذلك الوقت من عمارات جديدة.

أما مشاهدو الدراما والسينما فلم يحدث أن تلمّسوا طريقًا إلى ماضي المدينة بالصوت والصورة، في عمل يُحاكي تلك الحقبات البعيدة بما فيها اجتماعيًا وسياسيًا. فيُجسد عاداتها ويومياتها وطبائع ناسها مُبيّنًا ما كانت عليه العلاقات الاجتماعية في أوجها قبل أن تُصبح الإقامة العامودية في الأبنية الشاهقة انفصالًا تامًا عن الخارج بما فيه الشقة المقابلة.

لم تبخل السينما والأعمال التلفزيونية اللبنانية على اختلافها في إنصاف الحياة القروية. بكل جوانبها، وإن اتخذ معظمها الخلفيات الزمنية هامشًا تفصيليًا لا أساسًا لتسليط الضوء عليه، وبغض النظر عن جودة ما قُدّم، والذي يُعد صفوته بلا منازع أعمال الأخوين الرحباني في ستينيات القرن الماضي.

أما بيروت، وبعكس دمشق التي تُغدق الجهات الرسمية السورية المال الوفير سنويًا على إنتاج أعمال تتخذ من البيئة الشامية إطارًا لها فما غفلت على مدى عقود شاردة أو واردة من الموروثات إلا وبنت حولها سيناريو محكمًا وحوارًا مقنعًا وقصةً متكاملةً تعيش طويلًا على الشاشات وفي الأذهان.

ظلّت العاصمة اللبنانية بماضيها البعيد، الذي يسبق الحرب الأهلية اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي والتي تكاد تشكل إلى الآن في "عُرف" صناع الدراما والسينما المادة الوحيدة القديمة والمغرية عند كتابة النصوص وإيجاد الـ"لوكايشنز" المناسبة لتصويرها، بعيدةً عن الشاشات الكبيرة والصغيرة.

اقرأ/ي أيضًا: صورة ضائعة مع وديع سعادة

هل يكون هذا "الجفاء" بين الكاميرا وبيروت القديمة مردّه إلى "البعد" الزمني؟ على العكس تمامًا، فالجديد في هذا القديم هو المادة التي ستجذب الناس وتثير فضولهم وتشدّهم إلى المشاهدة بفعل الحنين. هل تُبرّر نُدرة ما كُتب عن بيروت "أيام زمان" في الأدب الانصراف السينمائي التام عنها والتلهّي بالحديث والأحدث؟ التاريخ شاهدٌ للاثنين للكلمة والصورة، ونقله للأجيال بلغتها وتقنياتها واجب لا خيار.

ليس بخفي استسهال كتابة "الورق" في معظم الأعمال اللبنانية التلفزيونية والسينمائية، ما كان نتاجه سطحية الكثير مما يعرض ويشاهد

ليس بخفي واقع استسهال كتابة "الورق" في معظم الأعمال اللبنانية التلفزيونية والسينمائية، الأمر الذي يظهر جليًا في سطحية الكثير مما يُعرض ويُشاهد. ومنطقي القول إن تجسيد تلك البيروت بما كانت عليه في بنيانها وإنسانها لن يكون سهلًا أو ذا كلفة معقولة إذا ما أرادت شركات الإنتاج المحلية أو العربية تنفيذ عملٍ يليق بالماضي والحاضر لـ"يعيش" للمستقبل لا سيما وأن تلك المدينة اندثرت معالمها تمامًا ما يتطلب استعادتها كلها على أرض الواقع.

فهل من يأخذ على عاتقه فتح "باب حارة" بيروت ونبش ماضي المدينة العريق ونشره على شاشتها لا على صنوبرها؟

اقرأ/ي أيضًا:
ليس في جيبي سوى الكلام
حسن رابح.. الرقص في الريح