الجسد الشرقي في منفاه الثاني

الجسد الشرقي في منفاه الثاني

بهرم حاجو/ سوريا - ألمانيا

دفعت المأساة السورية ملايين البشر إلى ترك وطنهم الأم، وتوجّه الآلاف منهم إلى الإقامة في دول الاتحاد الأوروبي، ما يطرح عليهم تحديات التعايش والاندماج مع قيم المجتمع الجديد. الفرد الذي يحمل موروثًا ثقافيًا مختلفًا عن المجمتع الذي يود الإقامة فيه، سيجد نفسه إمّا أمام الاندماج الجزئي التلفيقي الذي يأخذ بجزء ويترك آخر، ما يعني تشظي الذات أمام نفسه وأمام الآخر. أو أن يختار البقاء داخل سياجه العقائدي المغلق، وبالتالي يبقى مغتربا عن محيطه.

لا يمكن إلغاء حضور الجسد من حيز الوجود من دون أن نتسبب بإلغاء الوجود ذاته

واحدة من القضايا الثقافية التي ستواجه الشرقي هي طريقة تعامله مع جسده وجسد الآخر، خاصة أنه لا يمكن إلغاء حضور الجسد من حيز الوجود من دون أن نتسبب بإلغاء الوجود ذاته.

يمتلك الشرقي إرثًا ثقافيًا متكاملًا حول جسد المرأة، تعود جذوره إلى الحكاية التأسيسية الأولى، بنسختها التوراتية، لسقوط آدم وحواء من الجنة السماوية إلى شقاء الحياة البشرية. تهدف الحكايات التأسيسة الكبرى والعظيمة إلى سرد كيف جاء شيء ما إلى الوجود أول مرة، دون أن تبالي بإقناعنا بصدقية أحداثها ذاك أنها تحكي لتصوغ نظام من المسموحات، أو الممنوعات الواجب علينا اتباعها.

تؤسس حكاية آدم وحواء لانتصار النظام الثقافي الذكوري القائم على حق النسب للأب، على النظام الأمومي القائم على حق نسب الأطفال للأم. ففي النظام الأموميّ، كانت المرأة تحظى باحتكار حق ممارسة الجنس مع الرجال الذين ترغب فيهم، على النحو الذي يحقق حماية الجماعة من الانقراض، عبر ظاهرة الحمل والولادة التي كان يعتقد المجتمع أنّ للذكر دورًا ثانويًا فيها. وقد أدى تطور ما في تاريخ البشرية إلى تمكين الرجل من أن يعي نفسه كقائد وحامي للجماعة البشرية التي يتنمي إليها، فكان لا بد من حكاية مقدسة تجسّد فعل ذلك التحول كما لو أنه جرى في العالم السماوي.

في حكاية الطرد من الجنة السماوية، كان لا بد البحث عن مذنب لتحميله وزر الخطئية، لذا نرى آدم المنتصر ثقافيًا يسارع إلى التنكر لفعلته وإلقاء اللوم على حواء. ذاك أنه يمارس نوعًا من الإسقاط النفسي الذي يضمن بقاؤه  بعيدًا عن فعل الخطيئة، الذي انحدر به إلى وضعية المنفي من رحمة الله. 

لا يكف آدم عن ترديد أنه ضحية غوايتها وخداعها وثقته الزائدة بها حتى تقتنع هي بذلك. وبدورها تحاول حواء أن تتبرأ من فعل الخطيئة التي اقترفتها بردها إلى فعل الأفعى/الشيطان، إلا أنه لا أحد يكترث لادعاءاتها، وبدلًا من ذلك تسارع التوراة، في سفر التكوين، إلى إنزال العقاب بها، فبعد أن كان فعل الأمومة والولادة فعلَ خلق إلهي تختص به المرأة، أصبح فعل إدانة يستوجب العقاب. يقول النص التأثيمي "تلدين بالألم".

الختان الأنثوي ليس سوى نوع من الإخصاء النفسي والجسدي

بعد هذا التحول في وضعية المرأة، سيتولى فقهاء الشريعة مهمة مراقبة جسدها، وتقنين حدود حركته على نحو لا يسمح له بممارسة أي فعل غواية تجاه الرجال، حرصًا على نظام الحياة العام. فكل ممارسة جنسية خارج إطار الزواج ستكون مدانة وعرضة للعقاب، لا سيما إذا عرفنا أنّ جسد المرأة يحتفظ بآثار الفعل الجنسي عبر عملية الحمل، ما سيسهل من مراقبته ومعاقبته على حد سواء.

هكذا ستؤول وضعية المرأة في نظام الحقوق الأبوي إلى مستوى الشيء الذي يملك صاحبه حق الانتفاع به، والمهر واحدة من علامات هذ الانتفاع، وبهذا سوف يُنظر إلى المرأة بوصفها جزءًا حميميًا من كيان الرجل، حيث ستدمج مع كرامته واعتباره الشخصي، ومن أجل ذلك كان بعض الناس يدفعون بناتهن للوأد لأنه لا يطيق تحولها إلى أَمَةٍ في ظل الصراع العنيف على الموارد،  في بيئة صحراوية قاحلة.

هذه المواقف العدوانية، وسواها، سوف يتم التنفيس عنها ضمن سياسية الحريم والإماء والغلمان، وسوف تكون الذروة في عملية الختان الأنثوي التي ليست سوى نوع من الإخصاء، النفسي والجسدي، من أجل تقنين أي رغبة مشبوبة خارج إطار الجنس المقدس الذي يضمن سيادة الرجل على المرأة.

استنادًا إلى ما ورد يحاكم الشرقي الوافد إلى أوروبا جسد الآخر. فهو لا يتفهم ذهاب الرجال والنساء إلى المسبح عمومي ليستمتعوا بأشعة الشمس في يوم دافئ، ذلك أن المسبح، على غير ما يظن، بات مكانًا للقراءة والدردشة واللعب، وليس مسرحًا للتعري والعبث الجنسي، ولا فضاء للتلصص على أجساد الآخرين. ثم إنّ الاشتهاء، إن وجد، لا يمكن أن يتحول إلى ممارسة جنسية دون رضا طرفي العلاقة. الجسد في القرن الحادي والعشرين، لم يعد ذلك الجسد المليء بالدَّنَس، والذي حاول أفلاطون تمجيد الطابع العذري فيه عبر تحقيره لاعتقاده أنه يعيق تطور الروح "العقل" والسمو بالذات الإنسانية.

رغم ذلك، لم تستطع الفلسفة اليونانية منع الاحتفال بالجسد الرياضي في المسابقات الأولمبية، بل ذهب الأمر باليونانيين إلى أبعد من ذلك، حين تبنوا مفهوم المتعة من أجل المتعة، فانتشرت على نطاق واسع فكرة اقتناء الغلمان إلى حد تفضيلها على النساء، وظلت فكرة الجسد/ الخطيئة، أو الجسد/ الغواية، خارج حيز التداول إلا مع تبني الإمبراطور قسطنطين المسيحية وجعلها الدين الرسمي للدولة.

يعتبر الفيلسوف الألماني نيتشه واحدًا من أعظم المدافعين عن فكرة حضور الجسد في الفضاء العام، بل ذهب إلى النظر إلى الجسد بوصفه المعبّر الحقيقي عن الحياة، وأنه موطن كل دافع وكل إرادة تسعى نحو الكمال الإنساني، ويتجلّى ذلك في تصوره للسوبرمان شخصًا مطلق القوة، لا تعيق رغباته أي حدود.  

كما أسهمت أفكار ميشيل فوكو بنقض ثنائية أفلاطون القائمة على الفصل بين الروح والجسد. نظر فوكو إلى الكيان الإنساني وحدة واحدة، يحظى فيها الجسد بذات المكانة التي للروح، إذ لا قيمة ولا اعتبار لأية روح بدون جسد حامل لها، كما أن كل محاولة لتحرير الجسد تعني، في الوقت ذاته، غنى وتحريرًا للروح. 

ساهمت تلك الأفكار بوحدة الذات، وبالنظرة المتصالحة مع تشكلات الجسد في جميع حالاته، الأمر الذي نجد دلالاته في النوافذ الكبيرة، ضمن نسق العمارة الغربية، التي تهدف إدخال أكبر مقدار من الضوء إلى المنزل، دون اعتبار لمفهوم العورة. جسد الإنسان بمقدوره أن يحضر في الشارع بالطريقة ذاتها التي يحضر بها في البيت. الأمر ذاته نراه في اختفاء الأسوار من حول المنازل، لتنوب عنها أسيجة خشبية أو نباتية.

في السياق ذاته، تأتي فكرة نشوء شواطئ العراة كدعوة للعيش مع الطبيعية، بعيدًا عن ضوضاء المدن، وليست دعوة للممارسة الجنس الفاحش. إنها عودة طبيعية إلى حضن الطبيعة، كما أن قوننة الدعارة، وإدراج العاملين فيها ضمن نظام الضريبة، إنما هو حماية لهم من الاستغلال المافيوي، وكذلك تأتي مسألة سن حقوق المثليين كتعبير عن تطور في منظور الحريات العامة.

في هذا الخضّم، كيف يمكن للشرقي أن يصل إلى مفهوم خاص قريب من المحيط الذي اختاره ليعيش فيه، بعيدًا عن حمولة أفكاره الفقهية والاجتماعية التي تتجسّد في العيب والحرام؟ ليست المسألة مجرد دعوة للخوض في الانفتاح الغربي فحسب، بمقدار ما هي دعوة لتطبيق فكرة وحدة الكائن، إذ كيف يمكن للشرقي أن يعبّر عن أفكاره، أي روحه، دون أن يدرج الجسد، جزءه الآخر، في تحقيق حضوره؟ لا عجب أنه بسبب هذا الاختلال في دور طرفي الكائن، لا تزال أصوات الجاليات الشرقية المختلفة غير مسموعة في فضاء الغرب العام.