الجزائر.. في ذكرى أم الثورات

الجزائر.. في ذكرى أم الثورات

مقام الشهيد لتخليد ضحايا حرب استقلال الجزائر في العاصمة الجزائرية(Getty)

فجأة، دوّى صوت الرصاص في سماء الجزائر، مخترقًا سكون منتصف ليلة الفاتح من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1954، وسط صيحات "الله أكبر" و"تحيا الجزائر" المزلزلة، إيذانًا بفتح أبواب جهنّم على الاستعمار الفرنسي البغيض الذي عاث فسادًا وإفسادًا، وجثم على نفوس الجزائريين منذ سنة1830، تاريخ احتلال الجزائر.

في الذكرى الواحدة والستين لاندلاع الثورة الجزائرية، تعود الكثير من الأشجان والذكريات التي تعبر بصدق عن عظمة هذه الثورة المجيدة، والتي اعتبرت أكبر ثورة في القرن العشرين، ونموذجًا يحتذى به لكل الشعوب المستعمرة الطامحة للحرية والانعتاق من طوق الاستبداد والاستعمار. وهي الثورة التي حيّرت الصديق قبل العدو، حتى صارت تدرّس في المعاهد الحربية إلى اليوم، وتعرض الأفلام التي توثق لها على القادة والعسكريين الغربيين لاستخلاص الدروس والعبر منها، كما حدث قبل سنوات قليلة عندما عرض البنتاغون فيلم "معركة الجزائر" على كبار الضباط للتعرف على حرب الكرّ والفرّ التي خاضها المجاهدون الجزائريون لتمريغ أنف فرنسا في التراب ودحرها وإخراجها مذلولة مهزومة، وذلك بهدف إسقاطها على الحرب في العراق وفهم الاستراتيجية التي يطبقها المجاهدون في هذا النوع من الحروب.

فجّر الثورة الجزائرية شباب مؤمن بالحرية ومتشبع بالروح الإسلامية والتكوين السياسي، وكانت آخر حلقة في سلسلة الثورات الشعبية التي قاومت الفرنسيين منذ أول يوم وطأت فيه أقدامهم أرض الجزائر. كان هؤلاء الشباب وقود الثورة ويدها الضاربة، واستطاعوا منذ أول يوم وبوسائل بسيطة أن يذيقوا فرنسا مرارة الهزيمة والعذاب ويردّوا لها الصاع صاعين بأسلحة خفيفة لا تتعدى عدة بنادق وخراطيش، حتى أن القادة الفرنسيين في بداية الأمر، نعتوهم بالخارجين عن القانون والإرهابيين. وتوهّم الفرنسيون أن ما يجري من فرقعات هنا وهناك، مجرد أحداث معزولة ستخمد نارها بعد أيام معدودة، لكن بعد توالي الأيام خاب الظنّ، فمنذ تلك اللحظة التاريخية التي أطلقت فيها أول رصاصة، زادت رقعة المعارك واشتدّ لهيبها، والأيام صارت شهورًا ثم سنوات حافلة بالملاحم والمعارك الكبيرة التي صنعها أبطال الجزائر من الرجال والنساء.

دامت الثورة الجزائرية سبع سنوات ونصف ولم تنجح خلالها كل الخطط الفرنسية في وقف مدّها المتزايد

دامت الثورة الجزائرية سبع سنوات ونصف، وخلالها، لم تنجح كل الخطط الفرنسية في وقف مدّها المتزايد. استعملت فرنسا كل فنون القتل الهمجي والتعذيب الذي لا يمكن لعقل إنسان سويّ أن يتخيله وحاولت استمالة الشعب الجزائري والاستثمار في حاجته وعوزه وفقره، لكن كل ذلك لم يثنه ولم يغره بترك حلمه في العيش مستقلًا على أرضه بكرامة وعزة، حتى أن جنرالات فرنسا جنّ جنونهم لهذه العقيدة المستميتة في الدفاع عن الأرض والعرض والدين، فعلى مدى أكثر من قرن ونصف لم يتسن لهذه الدولة الاستعمارية البغيضة أن تمسخ عقيدة الجزائريين أو تسلخهم عن دينهم وثقافتهم ومحيطهم العربي الإسلامي.

عرفت ثورة الجزائريين تنظيمًا محكمًا وانخراطًا كثيفًا لجميع أفراد الشعب الجزائري لإذكائها وإنجاحها، برغم الفقر والتجويع والتجهيل والعذاب الذي لا يوصف، العذاب الذي عانوه على يد القوات الفرنسية المدعومة بالحلف الأطلسي واللفيف الأجنبي والترسانة الحربية التي لا تخطر على بال، رغم ذلك، ثبت الجزائريون بكل صمود وشموخ وأعينهم شاخصة نحو فجر الاستقلال، ولم يبخل الشعب بدمائه من أجل إنجاح ثورته، فقاوم وتحدّى كل الظروف ودفع ثمنًا لأجل حريته فاق المليون ونصف المليون شهيد، والملايين من المشردّين والأيتام والمعطوبين.

دفع الشعب الجزائري ثمنًا لحريته مليونا ونصف مليون شهيد والملايين من المشردّين والأيتام والمعطوبين

لقد نجحت الثورة الجزائرية لالتفاف الشعب حولها، وصبره على الهمجية والعذاب، وإيمانه العميق بنصر الله، وهي صفات جعلت الكثير من الشعوب الشقيقة تتعاطف معه وتدعمه، وكانت تضحيات هذا الشعب مضربًا للأمثال، برغم الجرائم والمآسي التي عاشها والقهر الذي سلّطه الجلادون عليه، ومع ذلك، فقد أرغم الجزائريون فرنسا تحت وقع الرصاص وقوة ضربات المجاهدين في المدن والقرى والجبال، على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والاعتراف باستقلال الجزائر في الخامس من يوليو/ تموز 1962.

لقد ارتوت أرض الجزائر بدماء أبنائها الذين فجّروا الثورة المباركة، وحرّروها لينعم جيل الاستقلال اليوم بالحرية التي أهداها لهم أجدادهم، الجيل الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل مستقبل أفضل ومشرق، وهي تضحيات لا يمحوها تراكم السنين، ولا تكفي الآلاف المؤلفة من الكتب لتوفيها حقها أو تسرد تفاصيل ثورة نوفمبر الغنية بالأحداث والوقائع، هي باختصار أم الثورات.

اقرأ/ي أيضًا:

عن سنوات المصالحة العشر في الجزائر..

لماذا شجّع السودانيون الجزائر؟