الجانب الأكثر مأساوية في مأساة الأمازون

الجانب الأكثر مأساوية في مأساة الأمازون

من حرائق غابات الأمازون (Getty)

ليس اليوم كالبارحة أبدًا، ولن يعود كذلك على هذا الكوكب البائس. فما حصل من تدمير لأهم المناطق الحيوية على الأرض ليس له مثيل. احتراق غابات الأمازون في القارة المأساة، أمريكا الجنوبية، يوم مشؤوم لطفلتي التي أدركت أنها ستعيش في عالم تسود فيه الفوضى البيئية التي ستؤثر عليها، وعلى كل من يولد بعدها الى آخر الدهر.

ربما يكون تعبير "رئة الأرض" تعبيرًا مجازيًا بعيدًا عن الواقع الذي نعيشه اليوم، إلا إن غابات الأمازون هي المسؤولة الأولى والوحيدة الفعّالة لضبط النشاط البيئي الكوني، فمع ارتفاع معدلات الحرارة على الكوكب خلال العقدين الأخيرين تم الاعتماد، بشكل كليّ، على هذه المنطقة لإحداث التوازن المنشود من أجل درء كارثة كبرى. فالغابات الأكثر كثافة على الأرض خلال فترة تكوّنها حوّلت ملايين الأطنان من ثاني أكسيد الكربون إلى سكر مطلقةً الأكسيجين كمادة غير مرغوب بها من قبلها. تلك المادة التي تحفظ التوازن لنا، نحن البشر، وتضمن لنا الحياة.

غابات الأمازون هي المسؤولة الأولى والوحيدة الفعّالة لضبط النشاط البيئي الكوني

سوف تتحول الهند وشبه الجزيرة العربية ومناطق خط الاستواء الى أماكن غير قابلة للعيش، فارتفاع درجات الحرارة سيؤدي إلى الجفاف والحرائق وتبخر المياه، ما يعني نسبة رطوبة عالية وحرائق وانهيارًا للمنظومة البيئية التي تعاني من النشاط البشري المخيف.

اقرأ/ي أيضًا: حرائق غابات الأمازون.. لماذا تبدو الحكومة البرازيلية غير مكترثة؟!

سجّل شهر تموز/يوليو أعلى درجات حرارة على الإطلاق منذرًا بأن نقطة اللاعودة قد تم الوصول إليها. حجم الكارثة صعب التصور. مساحة الغابات تعادل مساحة أوروبا الشرقية كاملة، وحجم ما تحتويه من ثاني أكسيد الكربون الذي حصدته من سماء الكوكب لا يمكن تصوره لبناء الغطاء الشجري الضخم الذي يكوّنها ويجعل منها المأوى الوحيد لملايين الكائنات الحية. عبر احتراق الغابات يحصل تفاعل عكسي. يتم امتصاص الأكسجين من الغلاف الجوي بكميات كبيرة لإنتاج الحرارة اللازمة لتفعيل الاحتراق ويتم ضخ كل ما حصدته الغابات من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي المثقل أصلًا بهذه المادة. اختلال بيئي فجائي غير محمود العواقب ينبئ بارتفاع متطرد لدرجات الحرارة على الكوكب بشكل عام. لا تعود الغابات إلى سابق عهدها أبدًا. إن تكوين غابات الأمازون معقد ومتدرج، ونادرًا ما تحترق لأسباب طبيعية لها علاقة بتجديد الحياة.

تقوم الحكومة اليمينية المتطرفة في البرازيل بعمليات الإحراق الممنهجة لإنتاج تربة زراعية ومساحات رعي للأبقار، متذرعة بضعف الاقتصاد الذي يثقل كاهل البلاد منذ أكثر من ثلاثين عامًا. ما إن تحترق الغابة حتى تنشأ تربة وبيئة جديدة لا تتواءم مع طبيعة الغابات الكثيفة. حتى زرع غابات جديدة لن يحل المشكلة، لأن التركيبة الحيوانية – البيولوجية والمكروبية غاية في التعقيد. يصعب على الإنسان تفعيلها في المخابر فما بالك ببيئة مدمرة بفعل فاعل؟ لطالما أحرقت البرازيل الغابات وهذه ليست المرة الأولى. ما يختلف هذه المرة أن الحكومة تتعمد إذابة المنطقة الشجرية بشكل كامل ونهائي. فبرنامجها اليميني الذي يعد الشعب بغد أفضل وعد يجري تنفيذه بأية طريقة ومهما كان الثمن. يسود اعتقاد ثابت أن غابات الأمازون تم استكشافها. هذا خطأ حاد. تعتبر الغابات من أكثر الأماكن غموضًا على الكوكب، تتشكّل فيها أنماط حياتية متنوعة وسريعة التطور تشكّل صمام أمام للتنوع البيولوجي على الكوكب. مع احتراق الغابة تختفي أنواع وأنماط حياة لم يتم اكتشافها بعد، وهذا يجعل من مهمة حساب الخسائر صعبة أمام الباحثين.

يعزز بولسونارو، الرئيس الحالي للدولة، الموقف القائل بأنه من غير المجدي أن تنصح القوى الأجنبية البرازيل بشأن ما ينبغي أن تفعله بغاباتها المطيرة. يريد بولسونارو زيادة الإنتاج الزراعي ويبدو أنه مستعد للتضحية بالغابات المطيرة من بين أمور أخرى لتلبية هذا التطلع ويترك أمورًا كثيرة مثل الجريمة المنظمة، تجارة المخدرات، المستوى التعليمي المتدني في أخر درجات سلم الأولويات للحكومة المتطرفة التي صعدت عبر سرد شعارات مستحيلة التحقيق عن غد أفضل للبرازيليين بسرعة وثبات.

يستغرب الكثيرون صمت الفاتيكان وعدم تدخله لصالح رعاياه بخصوص حرائق غابات الأمازون، كون البرازيل أكبر بلد كاثوليكي في العالم؟

قطعت النرويج وألمانيا بالفعل دعمهما لصندوق الأمازون الحكومي البرازيلي، قائلة إن قيادة البلاد لا تحاول حتى الحد من حرائق الغابات.

اقرأ/ي أيضًا: فلسطين المحتلة.. حرائق كاشفة

استجاب بولسونارو للمخاوف والإجراءات بشكل رئيسي من خلال إطلاق درجات متفاوتة من الإهانة باتجاه الدول. في كل هذا يطرح سؤال جوهري عن دور المجتمع الدولي أولًا ومدى تأثيره ثانية على أزمة تودي بالكوكب بشكل كامل. هل هناك من جهة تستطيع التأثير على الحكومة أو الشعب للعدول عن هذا المخطط الجنوني بسرعة وجدية؟ نعم هناك من يقدر لكنه فضّل الصمت على أكبر كارثة بيئية تعادل في فداحتها أقسى الانفجارات النووية. الشعب البرازيلي متحد بالدين: في عام 2000، كان 73% منهم من أتباع الكنيسة الكاثوليكية، والبرازيل فيها أكبر عدد من الكاثوليك في العالم. البرازيل، بهذا المعنى، أكبر دولة كاثوليكية في العالم. يعتبر البابا القائد الأعلى للحركة الدينية سياسيًّا وروحانيًّا، الأمر الذي يطرح سؤالًا حول موقف الفاتيكان القادر على قلب الموازيين في الحكومة المتعنتة بالدين أصلًا. يستغرب الكثيرون صمت الفاتيكان وعدم تدخله لصالح رعاياه، رعايا الكنيسة الذين لا يقدسون شيئًا أكثر من الكرسي البابوي إلا إذا استثنينا كرة القدم.

تلتزم المؤسسة الدينية الصمت وتبتعد عن إحداث الفرق بينما تحاول دول عدة التأثير على الرئيس وحكومته لإقناعه بمدى فداحة ما يجري في بلاده. ستذوب الثلوج في القطبين ويرتفع مستوى المياه وتشتد قوة الأعاصير والأمواج.

أما عربيًّا فزيادة دراجات الحرارة سوف تؤدي إلى جفاف يضرب المحاصيل والثروة الحيوانية. كما سيتأثر مستوى المياه الجوفية لتبقى مناطق شاسعة بآبار جافة، ما يجعل الحياة في عدة دول شاقة على سكانها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

التغير المناخي.. نجاة الجناة وهلاك الفقراء

سياسات المناخ الأمريكية.. أبعد من الدبلوماسية أقرب إلى الحرب