الجاز المصري.. إنهم جميعًّا يتنفسون ويغنون

الجاز المصري.. إنهم جميعًّا يتنفسون ويغنون

جاز في ساقية الصاوي (Getty)

"يَخْتَارُني الإيقاعُ، يَشْرَقُ بي"..

هل نحن مرتهنون بإيقاع الحياة؟ أم أننا من يفرض إيقاعه الخاص على تفاصيلها اليومية؟ أفكر كثيرًا في هذا السؤال، خصوصًّا أثناء جولاتي النهاريّة في شوارع وسط البلد بالقاهرة. نمشي بخطى ثابتة، وأخرى تتبدل كالبندول. وجوه تتداخل ثم تنقطع كظلٍ بلا مأوى. وأنا أقرأ المقطع السابق للراحل محمود درويش، أتذكر موسيقى الشوارع. هؤلاء البسطاء الذين ربما لم يجدوا سوى أن يفرضوا ذوقهم على هذا الترس الذي يقتطع نصيبه منهم يومًا بعد يوم.

 تظل إيقاعات الجاز الشرقي من أبرز المحاولات لتأصيل هذا الفن في حياتنا

أدخل إلى منزلي مساءً، وأبدأ في التقليب في قصاصات الورق المتناثرة. يا لها من قصة عجيبة: جاء العام 1906، والناس يذهبون ويأتون، كما في كل يوم، على امتداد الشارع الضائع في أحد أحياء مدينة نيو أورلينز الفقيرة. كان طفل في الخامسة من عمره يطل من النافذة، يتأمل مشهد الضجر بعينين وأذنين مفتوحتين على اتساعهما، كما لو أنه ينتظر شيئًا على وشك الحدوث. فجأة، يعبر الشارع رجل ينفخ بوقًا مرفوعًا نحو السماء. احتلت الموسيقى جزيئات الهواء، وأخذ الناس في الرقص والتصفيق، بينما كان لويس أرمسترونغ "طفل النافذة"، يتدلى منها حتى يوشك على السقوط.

بعد أيام، انتهى المطاف برجل البوق إلى "قسم الزنوج" بمستشفى المجانين. إنها المرة الوحيدة التي ظهر فيها اسم بادي بولدين في الصحف. لم يترك الرجل سوى تلك الموسيقى التي ملأت صدور المارة رغم أنها لم تدوّن أو تُسجّل. لقد أسس الرجل لموسيقى الجاز قبل أن يرى صداها في الشارع. ومن الشارع تبدأ الموسيقى، تلوّن بثقافة المكان وتأخذ من توابله كرغيف خبز ينضج على مهل. إنهم يعزفون موسيقاهم الخاصة؛ تلك التي تنبع من تفاصيل المكان ونكهته. وإن كنا بصدد الحديث عن موسيقى الجاز في مصر، فلا يجب أن نفوّت فرصة تأمل فريق "الدور الأول". 

هذا الفريق الذي يحاول خلق مجاله الخاص. يشحنه بفيض المكان، ثم يبني جملته الموسيقية التي تستحضر بدورها الإيقاع. كأن لسان حالهم يقول: ليس هناك أفضل من أن تبدأ من الدور الأول ثم تنتقل إلى تشييد بقية المبنى. في ألبومهم الأول "قرار إزالة" عام 2006، ثمة نغمات تنساب بسهولة ورفق كأنها محاولة لتعريب الجاز الغربي بإعطائه نكهة مصرية خالصة ترتبط بالمكان والزمان.

في مقطوعة "إسكندرية" يأخذك الإيقاع إلى صوت البحر وأمواجه التي تتناوب على صدرك. ثم يكتمل إطار اللوحة عندما تسمع "الشعر الأزرق" التي تؤسس لما يمكن أن نسميه ـ اصطلاحًا لا علميًّا ـ "أورينتال جاز"؛ أو "جاز شرقي"، حيث تتداخل الآلات الوترية كالعود، القانون، والكمان، مع الآلات الغربية كالبيانو، الساكسفون، والترومبيت.

 تأسست الفرقة عام 2003 على يد كل من: أحمد عمر (باس جيتار)، وبوب، وميوز عازفي (الباركيشن)، ثم محمد سامي (كمان)، قبل أن ينضم إليها نور عاشور (ساكسفون)، وفادي بدر (قانون وكيبورد). لكن تظل الموسيقى التي ينتجوها هي الأقرب إلى روح المكان كأنها تحاول مسرحة الأحداث اليومية التي تنفلت من بين أيدينا.

جاء الألبوم الثاني، "على الطريق"، عام 2009، أشبه بفقاعة ملونة بمجرد أن تلامس ما حولها تنفجر لتلونه بألوانٍ فوضوية وعطر مميز. لا مساحيق تجميل في هذه الموسيقى. فقط نبضات قلب وخفة رئة تغلفها ريشة بيضاء. ومن زمن الفن الجميل يمكنك أن تستمع إلى مقطوعة "رقص الهوانـم"، فالرقص الشرقي هنا يتحول إلى حالة ثقافية تضرب في الجذور بين شهوة الإيقاع وتتابع الآلات الموسيقية. قبل أن تأتي في النهاية مقطوعة "حسب الله 2000"، التي تختصر مزيجًا من الفلكلور الشعبي من مزيكا "حسب الله" إلى الموسيقى الإلكترونية.

في هذا الطيف لموسيقى الجاز، لا يمكن أن نتخطى موسيقى يحيى خليل وفتحي سلامة في ألبوم "شبابيك"، للفنان الشهير محمد منير عام 1981. نعم، إنها النوبة عندما تهدر أصواتها وتصوبها إلى صدر العاصمة الشاسعة. نيو أورلينز عربية؟ ربما. أتخيل سلسلة من أضواء النيون تتراقص على طاولة بار، فموسيقى الجاز هنا من لحمٍ ودم، تنبض وتفيض. عندما يقول منير: "لا أنا كونت برة ولا مهاجر/ أنا اللي جايلك من باكر/ قلبي ولا البحر الهادر/ عيني ولا الجمرة الليلة"، فإنه بذلك الصوت الشجي يختصر الإيقاع ورحلة الوقت. قبل أن يضيف المقطع الآخر: "خلي الندى من أحلامك يسقي النبات من أيامك/ حطي اللي خلفك أدامك/ تلقي البلد عامرة الليلة". وطبعًا، الصوت يلعب دورًا في التماهي مع الموسيقى، إذ أن لصوت أحمد منير في أداء الأغنية نفسها طعمًا مختلفًا، وإن كان حميميًّا ودافئًا هو الآخر.

فتحت موسيقى يحيى خليل وفتحي سلامة الشبابيك على مصرعيها، أخذت من نبض المدينة إيقاعها المستوحش الذي يلتهم كل ما حوله كأنها حوت هائل يضرب صدر الشارع بفكيّه. الجاز هنا مصري بامتياز بأنين الشوارع وغربة الوجوه: "لفو بينا/ قالوا لينا على المدينة/ لما جينا التقينا/ كل شيء فيها ناسينا". أسس هذا الألبوم لموسيقى الإيقاع في الثمانينات في مجتمع أخذ يشهد موجات جديدة من التبدل الثقافي والنزوح إلى الدول الأخرى بحثًّا عن لقمة عيش أفضل. أدرك محمد منير إذن الخلطة السرية بين موسيقى جذور النوبة، وإيقاع الجـاز المتواتر. فنجده في أغنية "أشكي لمين" يحلق نحو سماواتٍ أبعد، كأنها محاكاة لصيرورة الحياة في ديالوغ "الدنيا ريشة ف هوا"، للموسيقار الراحل سعد عبد الوهاب.

من الشارع تبدأ الموسيقى، تلوّن بثقافة المكان وتأخذ من توابله كرغيف خبز ينضج على مهل

وبالعودة إلى فتحي سلامة نجد أن ما أضافه إلى فناء الجاز المصري، جعلت منه واحدًا من ألمع الموسيقيين في العالم. فعندما تستمع إلى ألبوم "شرقيات"، تلك الفرقة التي أسسها عام 2006، تحاول أن تعبر ذلك الجسر بين رافد الموسيقى العربية والموسيقى الإلكترونية الغربية من خلال توظيف بعض الإيقاعات الشرقية القديمة وبرمجتها. لقد حلّق سلامة، طفل منطقة شبرا، بجناحين من شمع، إلى أوروبا ونيويورك، لتعلّم موسيقى الجاز على يد فنانين كبار من أمثال: باري هاريس وعثمان كريم. في الواقع، الجاز موسيقى التمرس وعدم الخضوع؛ حيث الثورة على الثوابت والأنماط. في مقطوعة له بعنوان "رقصة الجمل"، تشعر بأن الموسيقى تتحول من بعدها المسموع إلى حيز الرؤية، فكأن الجمل يتحول إلى عنصر مرئي شاخص أمامك، يفيض بالحركة والدينامية. ربما يجب أن نمسك هذا الخيط الرفيع بين الفيوجن والجاز. فالأول هو تلك الدوامة الصغيرة في عرض النهر، وأما الثاني فهو النهر ذاته. لكن تظل إيقاعات الجاز الشرقي من أبرز المحاولات لتأصيل هذا الفن في حياتنا. 

في كتابه الرشيق "أكسر شيئًّا من الماء"، يصوّر المؤلف الفرنسي سباستيان باليبار لنا تفاوت الأنغام التي بدورها تغيّر الإيقاع، فعازف الكمان يلامس الأوتار، وعازف القيثارة يداعبها، وينفخ صاحب البوق، لكن عازف الناي لا يكاد يلامس فم الناي إلا بنسمة خفيفة. ويظل السؤال لماذا عليه أن يجفف فتحة البوق كل خمس دقائق؟ بينما يمصُّ عازف الكلارينيت آلته الموسيقية، ولا يلبث أن يقلده عازف الساكسفون. وبين كل التأملات المختلفة لحركات الموسيقين يستخلص المؤلف الحكمة الخاتمة: إنهم جميعًّا يتنفسون ويغنون. وإن كانت القاهرة تحتوي على نادٍ للجاز، بالإضافة إلى مهرجانٍ سنوي له، فإننا بحاجة إلى تكريس ذلك النوع من الموسيقى التي تعدّ الأكثر ارتباطًا بموروث المكان وعاداته وتقاليده. وإن كنت تريد نصيحتي فعليك أن ترتدي ملابس السهرة، وتسحب من أقرب رف مكتبة لك أغنية "حكايتي مع الزمان"، لوردة الجزائرية، لكن هذه المرة بصوت الفنان محمد منير. سيرافقه صوت الترومبيت والساكسفون، وسيجتاح الجاز المصري خلاياك بلا هوادة.