الثورة.. توقيتٌ خاطئ للأنظمة

الثورة.. توقيتٌ خاطئ للأنظمة

ديكتاتوريون أسقطتهم الانتفاضات العربية منذ 2011 (يونس عرباوي)

لا تملّ أنظمة الوطن العربي من تشويه أنقى محاولات ثوريّة شعبيّة قام بها شابّات وشباب الوطن العربي. هذا التّشويه الّذي يتزامن منهجيًّا وجديّة المظاهرات المُندّدة بإسقاط هذه الأنظمة، وينطلق لإلقاء على كاهل هذه الثّورات العديد من التّهم، مثل أنّها ستؤخّر تحرير فلسطين، أو ستسمح للتّدخلات الأجنبيّة أنْ تعبث في البلاد؛ والتّهم كثيرة وهزليّة بما لا يوصف.

عند اندلاعها، تقوم الثورة ببنية تفكيكيّة لكلّ المسلّمات السّياسيّة والاجتماعيّة الّتي كان يخضع لها الشّعب وتقوم بتطوير ذاتها بنيويًّا

إنّ المُتابع للثّورات العربيّة منذ ثورة تونس في 2011، يستطيع ملاحظة وتتبّع خِطاب الأنظمة الّذي يبدأ غاضبًا، ويلوم هذه الجماهير على تبعيّاتها الغربيّة وأجنداتها الخفيّة، ومن ثُمّ، في مرحلتهِ الثّانية، يذهب للاعتراف بأنّ تعديلات وإصلاحات يجب القيام بها في البلد.

اقرأ/ي أيضًا: الثورات العربية.. عود على بدء

وفي الحقيقة، كل هذا غير مهم، كون الثورة وصلت مرحلة اللا عودة. غير أن الثورة عند اندلاعها، تقوم ببنية تفكيكيّة لكلّ المسلّمات السّياسيّة والاجتماعيّة الّتي كان يخضع لها الشّعب. وتقوم بتطوير ذاتها، بنيويًّا، ضدّ خطابات الأنظمة الموزونة، وضدّ مؤامرات الأنظمة المُستميتة لتشويه هذه الثّورات.

وتجدر الإشارة هُنا، أنّ الثورة ذاتها، وبشكلٍ مثيرٍ للدهشة، تصنع نظامًا ديناميكيًّا مُقاومًا مُضادًّا، ساخرًا في بعض الأحيان، ضدّ رموز الأنظمة وأبواقها الإعلاميّة، الّتي تستميت هي الأُخرى لآخر دفاع عن النظام الّذي يرى المقصلة جيّدًا ويُحاول إغماض عينيه.

إسقاط النّظام لا رؤوسه

لا شكّ أنّ تنوّع تجارب الثّورات العربيّة قد آل إلى نتائج مُختلفة. لكن إحدى أهمّ الخلاصات الّتي لا بدّ من التذكير بها على الدّوام، هي الثورة المصرية، الّتي لم تسقط النّظام، إنّما رؤوسهُ فقط، وقد كان عليها استكمال تفكيك النّظام، للبناء على نظام، بدأ الأن يحصن نفسه من "فايروس الثورة".

فمن الضّروري الانتباه إلى أنّ تطوير الثورة بنيويًّا لذاتها، يُقابَل بتطويرٍ بنيويٍّ مضّادّ من قِبَل الأنظمة. لذا، لا بدّ من الاهتمام بمنهجيّة الثورة وديناميكيّتها لتتطوّر بتطوّر تحقيق مطالبها، ولتكون موجودة دائمًا لتطوير هذه المطالب، وللذّهاب نحو إسقاط رموز النّظام القديم، وتفكيك بناؤه، وإعادة تكوين بُنى نظام ديمقراطي جديد.

إنّ المطلوب لتحقيق عدالة اجتماعيّة، هو التّأسيس المنهجي لنظام جديد يضمن مطالب حريّات، والتّأسيس أيضًا، لنقدٍ فاعل لأي سياسات تُفرض من أي جهات خارجيّة أو متبقّية من نظام سابق.

هذه المرّة، على الثورة ألّا تُسقط النّظام من وجهة نظر العدالة والشّرعيّة فقط، بل يجب من الثّوار، وهم، في الأغلب، من الطّبقتين الوسطى والدّنيا، الاستحواذ على السّلطة مع الفعل المُستمر، المذكور للثورة، والمُرَفَق بتنظيرٍ فكريّ.

ومن مهمّة المثقّفين ضمن صيرورة الثورة، أن يقوموا بتنظير فكري، واستخلاص سياقات مُحتملة لأي محاولة للإطاحة بالثورة عبر أدوات النّظام القميئة المُختلفة، بحيث يتوازى الفعل الثّوري بالعمل الفكري المُصاحب، والّذي عليه المُساهمة بفعاليّة ضمن صيرورة الثورة، وأنْ يُشكّل مرجعًا فكريًّا.

وإلى جانب العمل الفكري المُصاحب؛ على الثورة أنْ تُفرز حزبها من الشّابّات والشّباب الثّوار، باعتبارهم الأقدر على تفكيك بناء النّظام القديم، وعلى المُضي لتطبيق المطالب، وتكوين بُنى النّظام الجديد.

الثورة.. توقيتٌ خاطئ دائمًا للأنظمة

المتتبّع لخطاب الأنظمة عند قيام الثّورات يُلاحظ عدم مناسبة توقيت الثورة للنّظام الحالي! وهو أمر ليس غريبًا في الحقيقة، بل هو دليل على خوف الأنظمة والمستفيدين من هذه الأنظمة من الثورة.

بهذا، يكون الأمر واضحًا أنّ الثورة تجيء ضمن توقيت خاطئ، على الدّوام، وسوف تؤخّر البلاد اقتصاديًّا واجتماعيًّا، وتسمح بالتّغلغل الأجنبي، وتُعزّز المطامع الغربيّة! وهو ما تريد، عمليًّا، أنْ تفكّكهُ الثورة.

نستطيع اليوم ملاحظة نضج التجربة التونسيّة على سبيل المثال، بعد أنّ أسقطت أُولى الثّورات نظامها، وأعادت ديمقراطيًّا انتخاب رئيس جديد تمهيدًا لمرحلة جديدة في الدّولة التونسيّة، ضمن صيرورتها لترسيخ نظام ديمقراطي فعّال، نأمل أن يكون مُعديًا.

وفي سيناريو مثالي؛ لو أنّ باقي الأنظمة تنازلت عن الحكم بذات السّرعة، دون قتل الشّعب على شاكلة التّجربة التونسيّة، ربّما ستكون ساهمت في القرب أكثر من طريق تّرسيخ الديمقراطيّة.

وقد يستخلص المُتابع للصراع الطائفيّ الموجود في الوطن العربي، وتحديدًا بعد انتفاضتي العراق ولبنان؛ بجزمٍ أنّ المُسبّب في فتنة الطّائفة كان على الدّوام هو النّظام/ السّلطة، ليس لغرضٍ سوى السّيطرة، وتفكيك البُنى الاجتماعيّة، واللّعب بهذه المساحة السوداء لتعزيز وجود النّظام القادر على إيجاد "التّوازن" بين مُختلف الطّوائف.

ويستخلص المُتابع، كذلك، أنّ النّظام قد استثمر لسنواتٍ عديدة، في بناء صور إعلاميّة لصراع الطوائف في بلادهِ لتسويقٍ ذاتيّ ضمن نطاق عربيّ إقليميّ.

المتتبّع لخطاب الأنظمة عند قيام الثّورات يُلاحظ عدم مناسبة توقيت الثورة للنّظام الحالي وهو دليل على خوف الأنظمة وحاشيتها

تحيّة للبوعزيزي

لا يستطيع أحد أنْ ينكر أنّ الثّورات، لغاية هذا اليوم، قد فكّكت أهمّ الأنظمة القمعيّة، ولا يمكن كذلك نكران أنّ هذه الثّورات، الّتي فجّرها شاب تونسي عزيز النّفس اسمه البوعزيزي؛ قد كشّفت في الوطن العربي عن أشياءَ كثيرة، قد يكون أهمّها أنّ للحريّة ثمنًا غاليًا، يدفعهُ الأحرار، بينما يقف الباقون على التّلال البعيدة، يقلّبون أيديهم قلقًا وعبثًا مستندين على حجّة تأخّر تحرير فلسطين، ويُناصرون تحوّل اليسار إلى اليمين، ويسبّون الحرّيّة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أجواء الثورات.. عن الناس والسلطة

لماذا تخاف إسرائيل من ثورات الربيع العربي وفق سلامة كيلة؟