"الثورة بلا قيادات".. كيف يصل العامّة إلى سدة الحكم؟

الكاتب البريطاني كارن روس (الإندبندنت)

خلال الربيع العربي، صوَّرت وسائل الإعلام الغربية مظاهرات "25 يناير" صلاة للديمقراطية. في تلك الأيام، التقى كارن روس، الدبلوماسي البريطاني السابق، متظاهرًا شابًا من مصر، سأله عن سبب تفجير احتجاجات ميدان التحرير، وما يريده، فقال إنه أراد وضع حد للحكم القائم، لكنه لا يريد ديمقراطية شبيهة بالموجودة في الغرب.

خلال الربيع العربي، صوَّرت وسائل الإعلام الغربية مظاهرات "25 يناير" صلاة للديمقراطية

من رأي الشاب المصري، إن ديمقراطية الغرب مزيَّفة، ليست حقيقية، إنما "جرى مسخ الديمقراطية المزعومة في الغرب إلى أداة لخدمة مصالح فئوية وجماعات ضغط معيَّنة ثم أصبحت مهدَّدة بخطر الوقوع في أيدي دجَّالي اليمين". روى كارن روس قصة هذا الشاب في مقدَّمة كتاب "الثورة بلا قيادات"، الذي صدرت نسخته العربية مؤخرًا ضمن سلسلة "عالم المعرفة"، مؤكِّدًا أنّ ما يقوله صحيح: "كنت شاهدًا على إقدام حكومتي - البريطانية - وزملائي على ممارسة الكذب بشأن التهديد المزعوم الصادر عن العراق قبل الغزو الأمريكي. تعرَّض إيماني العميق بصدق حكومتي واستقامتها للنسف، ولعل الأسوأ هو ما عايشته عبر سنوات عديدة بوصفي دبلوماسيا".

 

خرج الكتاب من رحم خيبة كارن روس المطلقة مع الحكم الديمقراطي، الذي سبق أن عمل في خدمته دبلوماسيًا. يقول روس: "الحكم قادر على الكذب حتى في أخطر مسؤولياته؛ الحرب"، ولهذا السبب فقط ألهمه الشاب المصري حين قال إن ديمقراطية الغرب "أكذوبة".

في الشرق الأوسط، كما يرى كارن روس في كتابه "الثورة بلا قيادات"، محاولات بذلتها الحكومة للحفاظ على التحكم - حتى لو بادِّعاء الديمقراطية - لم تسفرْ إلا عن نتائج خطيرة، وخلال المحاولات، سببت الدول كوارث للناس العاديين، العامة والدهماء كما تتعامل معهم، فلم تجلب أيًا من الأمن أو الحرية أو الازدهار. 

سيطلب هؤلاء الحرية، سينتحرون تحت عجلات الدبابات للوصول إلى الديمقراطية التي تناسبهم، سيبادرون إلى تولي السلطة، وتغيير السياسة في القرن الواحد وعشرين، هكذا يرى الدبلوماسي البريطاني كارن روس، ويضع ستة مبادئ للتحرك سيتَّبعها "الناس العاديون"، كما أسماهم، للوصول إلى الحكم، ووصول الناس إلى الحكم يفرض أن تكون الثورة بلا قيادات: 

عيّن قناعاتك
لا تدع الآخرين يملون عليك ما تهتم به خلال الاحتجاج، إذا كانت الثورة ستنجح، فلتكن ثورة بلا قيادات، عاين ردود أفعالك الخاصة. هذا صعب في ظل تفاهة الثقافة المعاصرة. 

من الذي يملك المال؟ من الذي يمسك بالسلاح؟ 
عاين المشهد قبل أن تقدم على الفعل. استكشف مناطق النفوذ والعقبات. تابع صاحب المصلحة في أي وضع معين، وهل من الممكن أن تغيره؟
في ليبيا، نجحت تلك الخطة في إسقاط نظام القذافي حين انطلقت الثورة، وأصبحت المعلومات عن الشركات المتعاملة مع النظام متوفّرة ومتداولة بالتفصيل للضغط عليها لفك الارتباط، وفي الأسبوع نفسه، أعلنت عدة شركات نفطية الكبرى رفضها التعامل مع النظام تحت ضغط المستثمرين، فسقط النظام، لأن الأوضاع البعيدة تتأثَّر بفاعلين قريبين من الوطن قد يكونون عرضة للضغط. اعثر عليها، ووظَّف الأمر. 

تصرف كأن الوسائل هي الغايات
لا وجود لأية مدينة فاضلة يمكن الفوز بها. لا وجود لأي حالة نهائية جامدة وأبدية بعد إنجازها. هذه هي إحدى الكذبات الكبرى التي أطلقتها الشيوعية، وبالمثل فإن النظام الرأسمالي هو الآخر لا يعرف إلا الخدعة العظيمة المتمثِّلة في أن الجميع سيصبحون أكثر غنىً في المستقبل من جراء ألاعيبه وحيله المتواصلة، مبررًا بذلك التفاوت الهائل والإذلال الشديد السائدين هذه الأيام. وبالتالي، فإن التصرف كأن كل شيء يجري غاية في حد ذاته، رغم إنه في الحقيقة مجرّد محطة، وإيهام الناس بأن المحطة - في حد ذاتها - غاية يجعلهم يكملون الطريق، ولا يتركونه للساسة.

استلهم المعايير الأممية
قاعدة "عامل الآخرين كما ترغب في أن تُعامَل" خاطئة خطأ دراماتيكيا لأنها تفترض أننا نعرف ما يريدونه أو يحتاجون إليه، رغم إن استلهام المعايير الأممية يمكن اختصارها في ضرورة أخذ حاجات الآخرين في الحسبان، شرط أن يقولوا هم إن هذه هي حاجاتهم، لا ما يظنّه العالم حاجاتهم، ففي العراق، كان الشعب في حاجة إلى الديمقراطية ولو على حساب حياة وأرواح بنيه، وكانت النتيجة موت الآلاف. 

خاطب الأكثر معاناة
الأكثر معاناة يمكنهم صناعة الفارق إذا غضبوا، فلا بد أن تخاطبهم قبل أن تتحرك، فوفقًا لوجهة نظر كارن روس، هنا بالذات يمكن إحداث القدر الأكبر من الفرق. 

تشاور وتفاوض
يرى كارن روس في كتاب "الثورة بلا قيادات" أن الناس العاديين يتعاملون مع الحاكم على أنه عدو، وخصم في اللعبة. وغاية اللعبة الوحيدة هنا هو الهجوم على ملك الخصم، وقصف رقبته، أمّا جميع الحركات الأخرى ليست إلَّا تمهيدًا لبلوغ هذا الهدف، فحذار من الاقتناع والرضا بالعملية، والتركيز في التفاصيل الصغيرة، ركِّز على النتائج! فأي حملة لإنهاء الإبادة العرقية، غنية بالفيديوهات الثمينة والنجوم اللامعة، لا تساوي شيئًا إذا لم تكن قادرة على إنقاذ ولو حياة واحدة. فليس معيار أي فعل سياسي هو عدد الاستجابات التي يحصل عليها على موقع الحملة الإلكتروني، أو عدد من يتابعونك على تويتر أو فيسبوك، إنما بآثاره في العالم الواقعي. كن مثل الإسكندر الأكبر، ووجِّه قواك نحو أقوى نقاط العدو، فسقوطها كان يعني انهيار العدو. كش ملك!

 

اقرأ/ي أيضًا:

بحثًا عن جذور الجهاد في الغرب

غياث المدهون.. الشعر في مواجهة الفيزياء