الثورة المضادة.. والطريق المسدود

الثورة المضادة.. والطريق المسدود

من اعتصام ميدان التحرير بالقاهرة 2011

الثورة المضادة مشروع سياسي مولته دول عربية وناصرته دول وأنظمة فقيرة وتبنته مؤسسة الجيش فيما تبقى من دولة النظام العربي الرسمي المستمر منذ عقود عبر إجراءات حالة الطوارئ الدائمة في أكثر من قطر عربي.

شكلت سنوات الربيع العربي فجرًا جديدًا تأخر عن موعده الطبيعي مطلع تسعينيات القرن الماضي غير أن الثورات المضادة ومشاريع التقويض لم تتأخر بعد تسلل خيوط فجرها الأولى، إذ رأى فيه الأمراء والوزراء والسلطة عدوى تجب مكافحتها دون هوادة.

شكلت سنوات الربيع العربي فجرًا جديدًا تأخر عن موعده الطبيعي مطلع تسعينيات القرن الماضي غير أن الثورات المضادة ومشاريع التقويض لم تتأخر

اقرأ/ي أيضًا: الثورة والجرافيتي.. ذاكرة للحب والشهداء

وتباينت أساليب التعامل معه من ساعٍ إلى امتشاق الحسام وإعلانها حربًا على الرجعية التي أنتجتها ديمقراطيات الانتقال السياسي في بلدان الربيع خصوصًا تونس ومصر التي احتل الواجهة فيها حضور تيارات الإسلام السياسي واليسار الديمقراطي التي ظلت مكبوتة محرومة من الوجود إلا بنوافذ محدودة.

انقلاب وردة

الثورة المضادة بلغت ذروة نجاحها مع انقلاب الجيش المصري على نتائج صناديق الاقتراع بعد حملة دجل إعلامي يقل أن يوجد لها نظير في تاريخ الأنظمة السياسية إلا في مصر فقد استمرت في عادتها القديمة في الخروج عن المألوف في دنيا الناس غير أنها هذه المرة أبانت عن العجب العجاب في وأد الديمقراطية وتجديد العهد مع الانقلاب.

نكوص سريع عن زهو يناير، وردة مفاجئة عن انتصار إرادة الشعب النهري الذي ألف الخضوع لإرادة الفرعون لسبعة آلاف عام، ثم التقط أنفاسه في يناير برهة من زمن عسير ليسجل الحضور وإرادة الانتصار في لحظة تاريخية نادرًا ما تتكرر في تاريخه المليء بالسكون والإخضاع.

تهلل وجه حفنة صناع الثورة المضادة القابعين في قصور "الأمراء" المتنافسين على الأسهم والبيع والشراء في نخاسة الاقتصاد الريعي المؤسس على تفريغ بضائع العالم الآسيوي والصيني وإعادة شحنها لأسواق الجنوب الشاحبة لأنهم لم يصنعوا في تاريخهم نجاحًا سياسيًا أو اقتصاديًا وبدؤوا وقد تدحرج جبل الجليد من قمته في توزيع الفشل فكان نصيب اليمن وليبيا وسوريا غير قليل من ثروة الفشل.

مشروع إفشال

والآن تجول بناظريك في أنباء الوكالات عن العالم العربي وترصد أهم التحليلات فتضع إصبعك على أن الثورة المضادة مشروع لإفشال الآخرين وليست مشروعًا للإنجاز عبر بديل منافس مقنع فيكفيها فقط أن توقف مسارات الآخرين دون أي بديل اتضح ذلك في اليمن وليبيا ومصر.

اقرأ/ي أيضًا: الاحتجاجات الاجتماعية في تونس.. عود على بدء؟

مشروع انتقام

يحمل مشروع الثورة المضادة في طياته رسالة سياسية اعتراضية على الإسلام السياسي هكذا تتقدم الديباجة الأولى لمنظري هذا المشروع ولكن المخفي في عمق هذا التيار هو الخوف من نهضة اقتصادية في مصر وثمة قلق من نجاح الدولة في ليبيا ولكن هناك فزعًا من نجاح انتقال ديمقراطي جاد في اليمن الموحد وهذا الفزع يرتكز على أن خصائص الجغرافيا اليمنية تؤهلها لأن تلعب دورًا اقتصاديًا عبر ميناء عدن وباب المندب أكثر من دبي أو إحداث منافسة قوية لها تزلزل مكانة دبي الاقتصادية وتحجمها ولذلك اندفع هذا المشروع في إيقاد نار حرب اليمن لكي تحول حرب الحوثي وصالح دون الاستقرار في بلاد الإيمان والحكمة ولكي تشغل أيضا الجار السعودي بنفسه وهو بطبعه منافس تجاري عبر ميناء جدة ومواسم السياحة الروحية حجًا وعمرة وزيارة للمقدسات.

وفعلا نجحت الثورة المضادة في كل مساعيها الرامية لغرس فسيلة الفشل في مختلف أقطار العرب المؤهلة للنهضة والتقدم، بعد تنفس الشعوب الصعداء وهي ترفل في ربيع الحرية والانتقال نحو حكامة أرشد. غير أن ما يؤسسه هذا الفشل ربما يدفع في قابل الأعوام لتحولات أعمق، فطبقًا لسنة التداول وسعتها لن تكون أنظمة صناعة الفشل قابلة للبقاء حتى في عقر دارة أمرائها وملوكها المتآمرين على شعوب أمتهم المرتمين في حضن الأعداء.

اقرأ/ي أيضًا:

"28 يناير".. عيد الثورة المصرية الحقيقي

في تونس.. ثورة للتذكر ونظام للنسيان