الثورة السورية.. مسافة بين الجشع والحرية

الثورة السورية.. مسافة بين الجشع والحرية

مظاهرة ضد النظام السوري في حماة 2011

إذا أردنا أن نشبه سورية قبل الثورة بالعجلة، فالفساد هو الشحم المحرك لها، والرغبة بالتملك أصبحت هاجسًا لدى الكثيرين، وجميعنا يعلم أن من يملك أكثر في "سورية الأسد" هو الشخص الأكثر قدرة على تجاوز العديد من الصعاب، لا سيما أن المثل القائل "معك ليرة بتسوى ليرة" كاد أن يصبح التشريع الرئيسي للدولة، التي تجاوز فيها الفساد فعل الرغبة بقدرِ ما أصبح طريقة حياة تخلخل كافة مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية. 

تجاوز الفساد في "سورية الأسد" فعل الرغبة ليصبح طريقة حياة

وبحسب النظرية الوظيفية في علم الاجتماع لماكس فيبر، فإن الخلل في أي نسق من أنساق المجتمع يؤثر على النسق الآخر، على سبيل المثال.. إذا تعرض النسق التعليمي لخلل سيؤدي بدوره إلى خلل في النسق الاقتصادي والثقافي والصحي.. إلخ، ولكني أكاد أجزم أنه في سورية يمكن قلب هذه النظرية رأسًا على عقب فالصحة في نسق من أنساق المجتمع ستؤدي إلى خلل في عجلة الدولة وقد تعيق مسيرتها، لذلك فإن ما كان يحدث هو محاربة الصحة وليست محاربة الفساد.

ظهر التملك جليًا في سلوكيات الناس، والأمثلة كثيرة على ذلك، فالفتاة الجميلة تُشترى من قبل من يملك أكثر، والرجل الذي يسير وهو يلوِح بمفاتيح سيارته له هالةً سحرية تزرع انطباعها على كل محيطه وكأنه إله، والشاب الذي يمتلك بيتًا في دمشق يعيش أسعد لحظاته وهو يضع مفتاح بيته في قفل بيته ويدخل كأنه ذاهبٌ إلى النعيم.

لقد استطاع النظام أن يجعل من كل شيء طبيعي وبديهي حلمًا مستحيلًا، وهذا يُعد من أوائل ضرب الشخصية الاستقلالية بحسب عالم النفس الاجتماعي إريك فروم، كل ذلك كان ضمن سياسة فرض الأمن الواقع، وليس الأمن المتفق عليه، ولأن نظرية الاستقرار بالقوة والحرية لا تتفقان فقد كان لا بد من حدوث انفجارٍ تراكم عبر العديد من السنوات، وجاء هذا الانفجار على هيئة ثورة شعبية مطالبة بالحرية وهي تحمل في طياتها العديد من التناقضات، التي لا يمكن للعقل الشعبي أن يتلقفها بمعناها السياسي الذي كثرت الأسئلة حوله في حينها، وكأنه أصبح على كل فرد أن يُعرَِف الحرية حتى نعطيه جواز مرور من أجل التظاهر، وهو نفسه المبرر الذي ساقه بعض مثقفي اليسار والمثقفين بشكل عام ليبرروا وقوفهم على الحياد من ثورة الشعب السوري، وكأن كل هذا الدم بحاجةٍ إلى معجمٍ طبقي، بحسب ما يقولها مظفر النواب.

حدثت الثورة وأرغمت الجميع على الخوف من هيبتها عندما بدأت تملأ الساحات، مراكز البحث الأوروبية والأمريكية، وأذرعها الكمبرادورية في المنطقة فقدت الأمل من أن نظام البعث قادر على اجتثاث الثورة. جميعنا يتذكر ظهور وليد المعلم وهو يؤيد درع الجزيرة في البحرين عند بداية الثورة السورية، لذلك أعدت العدة للخطط البديلة. 

بالرغم من تعدد أسباب التظاهر إلا أن العام والأشمل لكينونة الثورة عند أبنائها كان يتجسد في الطموح لحياةٍ أكثر تعددية وأقل ظلمًا ينهي استئثار فئة بالبلاد والعباد. سعى النظام إلى إثارة الجشع في النفوس كأحد الحلول المقترحة لقمع الثورة، فذهبت لجان "عسكرية" إلى بعض المناطق التي لم يُرد لها في حينها أن تمسح عن الخارطة، وأصبحوا يسألون الناس أن يطلبوا ما يرغبون وأن الدولة ستسعى جاهدة لتلبية رغبات المواطنين، وبالفعل كان الأمن يسأل والناس تجيب، فذاك الذي يطلبُ بيتًا، وهذا الذي يطلب سيارة، وتلك التي تريد تزويج أبنائها... إلخ، حتى باتت الثورة وكأنها حدثت نتيجة احتياجات شخصية لبعض الأفراد، ولربما كانت غاية النظام من هذه الوسيلة أن يُري جنوده بأن الناس تسعى وراء جشعها وليس وراء خير البلاد أو حريتها، وكثيرًا ما سمعنا في بداية الثورة أحاديث بين جنود سوريين بهذا الخصوص.

يكمن تأخر انتصار الثورة السورية في هذه اللعبة القذرة التي كانت عرابتها قوى الثورة المضادة

وامتدت إجراءات النظام إلى ترك الناس تفعل ما يحلو لها، فأصبح الجميع في الفترات الأولى للثورة يرتفع ببيته طابقًا وطابقين –غير نظاميين- مستغلين أن مؤسسات النظام لن تعير بالًا لهذه المخالفات، ثم ما لبثت أن عادَت الشوارع العامة إلى ساحة مكتظة بالباعة المتجولين، وإن كان أغلبهم من المخابرات.

في المقلب الآخر، وبعد القضاء على القيادات الداخلية التي أفرزتها حركات التظاهر غياث مطر مثلًا، لم توفر الحكومات الملكية السلطانية في الوطن العربي ومن وراءها أمريكا والغرب، أي جهدٍ في إغراق قيادات المعارضة الخارجية بالمال السياسي، وكان ذلك مترافقًا مع تمويل الجهات المسلحة على الأرض كلٌّ بحسب غايته، مما أدى بدوره إلى بلادة الجهود السياسية وتشتيت المقاومة ضد الاستبداد إلى رغبة في السيطرة على منطقة دون غيرها، وقد وصلت في بعض الأحوال إلى التنافس بين المجاهدين على هذه السيطرة، خاصةً المواقع النفطية.

الجشع والحرية لا يجتمعان، وإذا أردنا أن نحدد سبب رئيسي لزيادة هدر الدم السوري وتأخر انتصار الثورة فسنجد أنه يكمن في هذه اللعبة القذرة التي كانت عرابتها قوى الثورة المضادة، العدو الأكبر لحركات التحرر العربي، وخاصةً في سورية ولبنان.

بالقياس على وضع السوريين العاملين في منظمات المجتمع المدني غير المعروفة التمويل، سنجد صورة مقاربة لما يعانيه الوضع الميداني والسياسي، وعلينا أن نتذكر أن العراق الذي أغرقته هذه المنظمات بمشاريع وهمية ذهب إلى فوضى عارمة بعد الاستقلال، والمراقب بشكل عام لعمل المنظمات في الشأن السوري سيجد أن هذه المنظمات لم تستطع أن توجد حلًا لمئات آلاف الطلاب المتسربين من المدارس خارج الوطن، ولم تستطع أن تحمي أطفالًا يموتون من البرد، علمًا أن الأموال التي تتدفق عليها تعادل ميزانيات دول، لكنها جميعها تذهب إلى أعمال متفرقة لا تضع أي خطة استراتيجية لمشاكل اللاجئين، ناهيك عن تحولها إلى مراكز شللية "مناطقية" نفعية تدفع رواتب كبيرة وغير مبررة للعاملين بها. 

هناك من استغل مراهقتنا الثورية وحولها إلى إنجاز يمكن شراؤه، ويمكن تشتيته وتوزيعه وكأنه إنجازٌ قمنا به وآن الأوان لكي نتقاسم تركاته بعد أن خسرنا البلد والذاكرة. إن الثورة هي مفهوم كائن في جوهر الشخصية الثائرة، وبحسب كولون ولسون فإن هذا النوع من الشخصيات يتواجد في كل خمسة بالمائة من الأفراد، هؤلاء الخمسة بالمائة إما تم تصفيتهم من قبل النظام أو المعارضة، أو أنهم لا يزالون يقبعون في السجون، وأكاد أجزم أن هذه الحرب العاتية والوسخة جاءت لتقضي على هذه النسبة التي لو قُيض لها أن تستمر في قيادة الحراك السوري لما انحرفت هذه الثورة عن مسارها، تاركةً سورية لقطيعٍ من الجوعى الذين ينهشون منها، ويحثون السيرَ أمام الشاشات والمؤتمرات وهم يزرعون لنا الوهم منذ خمس سنوات بأن الحل قادم، ولا يحصدون سوى وهمَ ضمائرهم والتظاهر أنهم يسيرون في الطريق السليم، لكن الله لا يغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم.

اقرأ/ي أيضًا:

الظهور الأخير للرئيس الحقير

الحرب في بيت الجارة