الثورة التي في الكتب.. الثورة التي في الواقع

الثورة التي في الكتب.. الثورة التي في الواقع

خالد البيه/ السودان

كثير من انتقاداتنا للثورات العربية -السورية خاصة- قادمة من تعريفات وتوصيفات قرأناها في الكتب. القاسم المشترك لهذه التعريفات تتلخص في أن الثورة هي جموع حاشدة هادرة تخرج إلى الشوارع والساحات في عموم أرجاء البلد لمطالبة الحكومة بمطالب معينة، قد يكون من بينها إسقاط النظام. 

تتلخص تعريفات الثورة أنها جموع تخرج إلى الشوارع والساحات لمطالبة الحكومة بمطالب معينة، قد يكون من بينها إسقاط النظام

قرأنا أيضًا أن الحكومات المستبدة تواجه الثورات بوحشية، كأن تعتقل الثائرين، أو تمنعهم من الاقتراب إلى المقرات الحكومية أو قصور الرئاسة. وشاهدنا على شاشات التلفزة قيام السلطات برش الناس بخراطيم المياه وضربهم بالهراوات، وأحيانًا بالرصاص المطاطي... في الكتب أن قائد الثورة يوجه بالتقدم أو التراجع، وفي أدبيات الفكر الاشتراكي يكون الحزب الثوري قائدًا ومحددًا للحظة الثورية ولساعة الصفر. في الكتب كل شيء مدروس بعناية، وينتهي، غالبًا، بالاستجابة للمطالب، أو بهروب الحاكم، أواعتقاله، أوبتقديم استقالته... في الكتب أيضًا تفشل الثورات، لكن سرعان ما ينتفض الشعب مجددًا لتحقيق أهدافه باعتبار أن إرادة الشعب لا تنهزم ولا تستسلم، وعندما يثور من جديد يثور وفق وصفة جاهزة وخط مرسوم بدقة ويحقق أهدافه بمزيد من الصبر والتصميم، وصولًا إلى استلام الحزب الثوري أو قائد الجماهير السلطة لتحقيق أهداف الثورة.

بعض الكتاب الأخلاقيين، أو ذوي النزعة الطهرانية يسبغون على الثورة والثوار أوصافًا ليست من طبيعة البشر الأرضيين، بل المتخيلين، أو مانسميهم اليوم: ملائكة! وتطالبهم بالتزامات عليا قد لا يقوون عليها في غمرة انفعالهم الثوري، أوغضبهم من واقعهم الذي ثاروا عليه، ومالم يكن الثوار كذلك فهم رعاع! وحيث أنهم رعاع فإن العنف الذي يمارس عليهم مطلوب وقانوني ويندرج في إطار دفاع الدولة، بالمعنى المؤسساتي، عن باقي الشعب غير الرعاعي وعن مؤسساته.

الملفت للنظر بأمر الكتب هذه أن أية مواجهة عنيفة يقوم بها الثوار كرد على عنف السلطات هي أنها تحول الثورة مباشرة إلى نزاع مسلح أو حرب يتساوى فيها الجميع: الثائر والسلطة، مع إجراء عملية قيصرية لسحب صفة الثائر من الأشخاص الذين ردوا بـ (عنف) على السلطة.

باختصار، هذه هي الثورات التي في الكتب. الطريف في الأمر، بل المخزي ربما، أن الثورات التي تطابقت مع مفهومها وفق الكتب كانت نادرة في التاريخ، بل ربما شبه معدومة. لكن مفهوم الثورة الرومانسي هو الذي بقي مهيمنًا على الثقافة، وفيها، وقد يكون ذلك ناجمًا عن: إعلاء فكرة الدولة في نظر هؤلاء الكتاب أو المفكرين لما ينطوي عليه ذلك من تنظيم أمور المجتمع والناس وعدم إشاعة الفوضى، فالدولة، بالمعنى المؤسساتي، ضرورة لتنظيم الاجتماع البشري في مراحل التاريخ المعقدة كافة، إلى أن حدث التباس كبير بين مفهوم الدولة ومفهوم السلطة. وقد يكون، أيضًا، ناجمًا عن فكرة قديمة ترى إلى الشعوب، بالمعنى الجماهيري، أنها متخلفة، همجية، رعاعية، ولابد من ضبطها وتوعيتها، وهنا يأتي دور النخبة المناط بها فعل التوعية، ودور السلطة المناط بها فعل الضبط.

الثورات العربية، السورية خاصة، تمردت على واقع هذه الكتب، وخرجت عن خطوطها المرسومة بعناية

الثورات العربية، السورية خاصة، تمردت على واقع هذه الكتب، وخرجت عن خطوطها المرسومة بعناية، الأمر الذي جعلها دريئة لسهام معتنقي فكرة الثورة الوردية، والثوار الملائكة. هؤلاء لم تغيرهم الفكرة التي سكتت عنها تلك الكتب، أو أنها لم تتصور أنه يمكن أن يحدث ذلك، أنه يمكن أن تواجه الثورة بالدبابات والصواريخ والبراميل المتفجرة والكيماوي... ومع ذلك، فإنهم يتهمون الثوار الذين لم يراعوا وصفات الكتب البيضاء بالهمجية وبالتساوي مع السلطة والعدو!

الثورة التي في الواقع فجرها المقهورون والمحرومون والغاضبون بلا قيادات ثورية وقائد ملهم، وواجهوا عنف السلطات بـ(عنف) مضاد أيضًا، وشهروا السلاح بوجه السلاح، مع حفظ الفارق النوعي والخطير بين هذا السلاح وذاك... لم يكن ثمة وقت لديهم للتفكير فيما يجب فعله على المستوى الأخلاقي بعد أن جربوه طويلًا باللافتات والحناجر والورود، لم يكن لديهم وقت ليكونوا ملائكة تشبه التي في الكتب، حيث لا خراطيم مياه، ولا هراوات، ولا رصاص مطاطي... لا وقت لديهم لكل ذلك وهم يقاتلون ويقتلون على الجبهات، أو تحت البيوت التي تهدمت على رؤوسهم، أو في الشارع، أو على الأفران... لا وقت لديهم حتى لإخراج جثث ذويهم من تحت الأنقاض، أو لدفن أبنائهم وآبائهم وأمهاتهم وأخواتهم.

الثورة التي في الواقع تختلف عن الثورة التي في الكتب، فأيهما الذي عليه أن يتغير: الثورة أم الكتب؟ كم أنت قاسية وبلا رحمة أيتها الكتب.

اقرأ/ي أيضًا:

الحرب في بيت الجارة

الثقافة المعقّمة والتطهّريّة