الثورات وصعود التيارات الإسلامية

الثورات وصعود التيارات الإسلامية

مناصرو حركة النهضة في تونس 2014 (Getty)

لم يكن الصعود القويّ لتيّارات الإسلام السياسي، وحتّى للتيّارات المتطرّفة، أمرًا صادمًا لمن درس جيّدًا طبيعة تطوّر النظم في المنطقة الإسلاميّة، وطبيعة علاقة الشرق بالغرب عمومًا، منذ منتصف القرن السابق تقريبًا، فكلّ المؤشرات كان تصبّ في اتجاه بروز هذه التيّارات بعد ما يسمّيه الفيلسوف اليساري طوني نيغري بـ"الحدث"، وهو في موضوع الحال الثورات العربيّة التي مثّلت الاستثناء العربي الحقيقي، لا لأنّ انتفاض الشعوب العربيّة كان أمرًا غير منتظر فحسب، بل لأنّ النظام الرأسمالي العالمي كان يعاني من أزمة خانقة لا يخدمها بأيّ حال قيام ثورات اجتماعيّة، أو بروز بؤر توتّر في أماكن حسّاسة كالضفة الجنوبيّة للمتوسّط مثلًا، أو دول جوار الكيان الصهيوني.

نشأت التيارات الإسلاميّة سريّة في البداية، على قاعدة مشروع "الدولة الأمة" كبديل عن الأنظمة اللبرالية الحاكمة

في أربعينات القرن الماضي كانت نسبة الوعي في العالم العربي أقلّ بكثير من اليوم، وكانت نسبة التديّن مرتفعة، ورغم ذلك اختار أغلب النشطاء المنخرطون في العمل السياسي الالتحاق بالأحزاب اليساريّة، خاصّة القوميّة، رغم أنّ نشأة الإخوان المسلمين كانت في الثلاثينات، حتّى أن عددًا من كبار شيوخ الدين والمفكّرين والزعماء الحاليين لتيارات الإسلام السياسي كانوا في أحزاب قوميّة وشيوعيّة، وتواصل الأمر إلى بداية الستينات على غرار زعيم الحركة الإسلاميّة في تونس راشد الغنوشي الذي غادر تونس إلى سوريا قوميًّا، والتحق بحلقات البوطي وغيره، وقد نجحت بعض التجارب القوميّة في تلك الفترة في استيعاب وفهم واقع الشعوب.

كان الفرز الطبقي في فترة الأربعينات واضحًا، وكان جوهر الصراع الحقيقي ملامسًا لطموحات وتطلّعات الشعوب قبل أن تتحوّل القوميّة نفسها إلى مشاريع تسلّط ويتداخل الفرز الطبقي مع بداية الخمسينات مع انحياز التيارات القوميّة واليساريّة التي لم تستطع أن تلتقط جوهر الماركسيّة، إلى دعم البرجوازيّة بسبب "وهم المرحلة الإقطاعيّة" كجزء من نصّ يساري كبّلها وحوّلها إلى عضد لأنظمة دخلت مرحلة اللبرلة، أو هي في طور الدخول إليها، بالتزامن مع بداية القطيعة بين التيار القومي والتيار الإسلامي، وبداية ظهور الوهّابيّة كمشروع سياسي.

نشأت التيارات الإسلاميّة سريّة في البداية، على قاعدة مشروع "الدولة الأمة" أو "القوميّة الإسلاميّة" كبديل عن الأنظمة اللبرالية الحاكمة المدعومة من طرف اليساريين والقوميين العرب، مستفيدة من عدّة معطيات مهمّة، لعلّ أهمّها الثورة الإيرانيّة التي مثلت نموذجًا أعاد إلى أنصار هذه الحركات أملًا في "ثورة إسلاميّة سنيّة" ممكنة، وجعل قاعدتها الشعبيّة تتّسع بشكل كبير وسريع جعلها تظهر إلى السطح في مواجهة "العلمانية الحاكمة" المدعومة من القوميين واليساريين، إلى جانب أنّ التيارات الإسلاميّة السنيّة في ذلك الوقت قد اعتبرت الخميني تجاوزها بالتقاطه لفكرة الإسلام الحركي من سيّد قطب، باعتبار أن الشيعة كانوا قبل ذلك يتحدّثون عن "الحوزة الصامتة".

الثورة الإسلاميّة في إيران تلاها بشكل سريع سقوط الاتحاد السوفياتي، وانخراط اليسار العربي في العولمة الذي مثّل نقطة نهاية اليسار التقليدي بقومييه وشيوعييه الذين تحوّلوا إمّا إلى هوامش في العمليّة السياسيّة، أو إلى أجزاء من نظام تسلّطي رأسمالي رفع بوضوح شعار "استئصال الحركات الإسلاميّة"، التي كان النظام العالمي ينظر إليها بعين الاتهام كإرهابيّة وأصوليّة، باعتباره ليبراليًا يرفع شعار الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان.

اقرأ/ي أيضا للكاتب: شباب تونس..أذرع حزبية وإرهاب وتمرد وأكثر

اعتبرت التيارات الإسلاميّة السنيّة، بعد انتصار الثورة الإيرانية، أنّ الخميني تجاوزها بالتقاطه فكرة الإسلام الحركي من سيّد قطب

التجربة الأردوغانيّة في تركيا تزامنت مع تطوّرات مهمّة في المنطقة العربيّة، ففي الوقت الذي برزت فيه التيارات الإسلاميّة كأبرز وأكبر ضحيّة لنظم رأسماليّة علمانيّة، جاءت التجربة الأردوغانية لتعطي الأمل لأبناء هذه التيارات، ولتعيد تيار الإسلام السياسي إلى الواجهة مجددًا، خاصة بعد حرب أفغانستان والعراق وما اعتبره كثيرون بداية النهاية للتيارات الإسلاميّة.

ظهور حركة المقاومة الإسلاميّة حماس في غزّة، ونجاحها في تحقيق منجزات على الأرض رغم التضييق والحصار، كان حافزًا قويًّا للتيارات الإسلاميّة لا يقلّ أهميّة عن وقع الثورة الإيرانية والتجربة الأردوغانيّة.

بالتوازي مع التحوّلات المتسارعة في المنطقة العربيّة وفي العالم، في النصف الثاني من القرن، ساهمت عدّة أسباب أخرى في الصعود القويّ لتيّارات الإسلام السياسي إثر الثورات العربيّة، فهذه التيارات على غرار الإخوان في مصر وحركة النهضة في تونس، قد ظهرت كأكبر تيارات معادية للسلطات والنظم الفاسدة والمستبدّة التي قامت ضدّها الثورات، وظهرت كذلك في ثوب معادٍ لأمريكا في حربها على العراق، رغم أنّها لم تكن في الواقع في قطيعة مع أمريكا التي ظهرت منذ حرب أفغانستان كـ"عدوّ الأمّة الإسلاميّة الأوّل".

ثمّة معطى مهمّ أيضًا ساهم بشكل كبير في العودة القويّة لتيارات الإسلام السياسي إلى المشهد بعد الثورات، يتعلّق بتغيّر جذري في خطاب الحركات الإسلاميّة منذ 2000، حيث بدأت تتكلّم خطابًا ديمقراطيًّا جوهره الحريّات وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة، متبنّيًا مطالب المهمّشين والدفاع عن حقوقهم.

الظهور كأكبر تيارات معادية للنظم الفاسدة وأمريكا، وتبنّي خطاب ديمقراطي في ظلّ غياب حزب يساري اجتماعي حقيقي قادر على استيعاب شعارات "الحدث" المتمثّل في ثورات الشعوب، إلى جانب "عقليّة التنظيم" في التسيير والاستقطاب ومعارك وشعارات بعض بقايا اليسار الهامشيّة، جعلت من تيّارات الإسلام السياسي تمثّل "ملاذًا" لفئة واسعة من الناخبين في بلدان الثورات العربيّة، بعنواني "التكريم والاعتراف" من جهة، و"غياب البديل" من جهة أخرى.

منذ 2000، بدأت التيارات الإسلامية تتكلّم خطابًا ديمقراطيًّا جوهره الحريّات وحقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة

شهدت عدّة دول أوروبية بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 عمليّات إرهابيّة بتخطيط وتنفيذ لجماعات جهاديّة إسلاميّة، جعل عنوان المرحلة "الحرب على الإرهاب"، وبعد الفشل بالتدخل المباشر في أفغانستان والعراق، صارت مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تجمع على "ضرورة" فتح باب الحوار مع الإسلاميين في أوروبا لإعادة توطينهم في بلدانهم الأصليّة التي تركوها لاجئين بسبب قمع الأنظمة، ومن هذا المنطلق بدأت تيّارات الإسلام السياسي تمتلك السند الدولي "المشروط" للسماح لها بالمشاركة في العمليّة السياسيّة في بلدانها، ما كان يفرض حتما إعطاءها الضوء الأخضر في أجواء متحرّكة إقليميًّا ودوليًّا للانتصاب السياسي بعد أيّ تغيير كان مطروحًا بقوّة في الكواليس، وأعلمت به بعض الأنظمة العربيّة نفسها غير أنّها إمّا تجاهلته، أو سعت إلى تطويقه واستيعابه بشروط ضمان بقاءها.

الواعز الديني والجانب العقائدي، وحتّى المسألة الثقافيّة لشعوب العالم العربي، بالتوازي مع التطوّرات الكبيرة التي يشهدها العالم، كانت هي الأخرى عنصرًا محدّدًا في طبيعة خيارات وتوجّهات السواد الأعظم من الشعوب، وهذا ليس أمرًا مقتصرًا على الشعوب الإسلاميّة، فالأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا هي الأخرى في صعود، غير أنّ العداء الصارخ للدين الذي كانت تظهره الأنظمة الاستبدادية العربية إلى جانب فضح أمر تطبيعها مع الكيان الصهيوني، دفعت بفئة واسعة إلى الالتحاق بصفوف هذه التيارات أو التعاطف معها بصفتها "أحسن الخيارات الموجودة".

اقرأ/ي أيضا للكاتب:

تونس.. إطلاق سراح "دولة البوليس"

سيدي بوزيد.. ثورة الهامش على المركز