الثنائي الشيعي في واقع الانتفاضة اللبنانية

الثنائي الشيعي في واقع الانتفاضة اللبنانية

لافتة تجمع صورتي "الحليفين" نبيه بري وحسن الله في بيروت (رويترز)

تمايزت الكيفية التي تعاطى بها كل من الثنائي الشيعي في لبنان، حزب الله وحركة أمل، فيما يتعلق بالانتفاضة اللبنانية. وهو تمايز انعكس في مسارين اثنين: السياسة والشارع.

 تمايزت الكيفية التي تعاطى بها كل من حزب الله وحركة أمل مع الانتفاضة اللبنانية، كما تمايزت النتائج على كل منهما

وقد بدا واضحًا الخسارة في الشارع التي منيت بها حركة أمل ورئيسها رئيس مجلس النواب نبيه بري، في مقابل محافظة حزب الله على قوته في الشارع نسبيًا، مع الوضع في الاعتبار الموقف المحرج الذي وضعته الانتفاضة فيه.

اقرأ/ي أيضًا: "مقاومة" الناصري والشيوعي في وجه "ممانعة" حزب الله

غياب نبيه بري

غاب نبيه بري عن المشهد، ولم يلق أي خطابات أو تصريحات، فيما عدا إصدار بيان مقتضب تذكر فيه حركة أمل بموقفها "الثابت والصريح بالممارسة والانحياز لمطالب الناس"، كما جاء في نص البيان.

ولعل هذا الغياب عن الساحة الإعلامية كان مقصودًا، خاصة بعد ملاحظة ما ردود الفعل الشعبية بعد كل خطاب كان يدلي به أحد الزعماء والرؤساء مثل ميشال عون والحريري ونصرالله.

ومنذ بداية الانتفاضة تعاطت حركة أمل مع الموقف كمثيلاتها من أحزاب السلطة، وذلك بالإنكار وثم رمي المسؤولية على الآخرين من شركاء السلطة. ولذلك اختفت عن المشهد السياسي، وخاصة بعد اقتحام مكاتب نواب الحركة في الجنوب من قبل المنتفضين.

وتزامنًا مع الهتافات والاتهامات ضد بري وزوجته رندة بري، المتهمة بفرض اقتطاع نسبة لها من الاستثمارات والمشاريع في منطقة الجنوب، نظم مناصرو حركة أمل تظاهرة في مدينة صور تضامنًا مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. 

وقال بري أنه سيبقى "يتحمل مسؤوليته في خدمة لبنان رغم ما يطاله". وفي حركة استباقية، طالب برفع السرية المصرفية عن حساباته وحسابات زوجته، وكذا النواب والوزراء السابقون والحاليون من كتلة الحركة.

ثم أطلق بري وحركة أمل، ما أسماه "ثورة تشريعية لمكافحة الفساد"، معلنًا أنه مع "الحراك المدني الحقيقي"، فيما عدا "قطع الطرقات والشتائم والإهانات"، كما صرّح. 

وتتضمن "الثورة التشريعية" هذه، إقرار عدد من المشاريع والقوانين "الإصلاحية" لمكافحة الفساد والجرائم المالية والعفو العام وضمان الشيخوخة واسترداد الأموال المنهوبة.

وبهذا الأسلوب وجدت حركة أم أن أفضل سبيل لمواجهة الانتفاضة إنما تكون بالسياسة، خاصة بعدما فشلت العديد من محاولات قمع التظاهرات في النبطية وصور وبيروت، حيث قام أعضاء بحركة أمل بالتعدي على المتظاهرين بالضرب وإطلاق النيران.

لا يبدو أن من صالح حركة أمل تشكيل حكومة تكنوقراط، خاصة مع السيطرة المستمرة لحركة أمل على وزارة المالية، في الحكومات الثلاثة الأخيرة، وبسبب الخلافات السياسية حول الموازنة، ومزاريب الفساد داخل المالية.

وكان وزير المالية، علي حسن خليل، قد صرح بأن هناك من يعرقل جهوده في الوزارة، متهربًا من مسؤولية فرض الضرائب على اللبنانيين في موازنة 2019!

ازدواجية الخطاب والممارسة بين مستوى السلطة السياسية لدى مسؤولي الحركة، وبين ما انعكس على الأرض من استهداف الانتفاضة من قبل محسوبين على الحركة؛ يشي بتخبط الحركة، ويعكس تراجع شعبيتها.

حزب الله الواثق بجمهوره

في خطاباته الأربعة منذ اندلاع الانتفاضة في 17 تشرين الأول/أكتوبر، تعامل الأمين العام لحزب الله مع الانتفاضة اللبنانية من مقام الواعظ، فتارة يحذر من احتمال نشوب حرب أهلية، وتارة يشدد على أنه لا مجال لإسقاط عهد ميشال عون

ومرة يشكك في المنتفضين ويتهمهم بتحقيق أجندات ممولين جانب، ومرة يستخدم خطاب التخويف بالإشارة إلى أن لبنان على شفا الانهيار الاقتصادي. كما أنه لم ينس بين هذه المرات، التودد للشارع، بإعلان تبني بعض مطالب المتظاهرين، قبل أن ينقلب عليهم مرة وأخرى! وقد كان واضحًا تخبط قيادات حزب الله في التعامل مع الانتفاضة، وانعكس ذلك على التصريحات المتناقضة لمسؤولي الحزب.

أما على الأرض، فكانت البيئة الشيعية في لبنان مؤيدة للانتفاضة اللبنانية، وشهدت الضاحية الجنوبية المظاهرات وأعمال الغضب من قطع الطرقات وغيرها. ثم بعد الخطاب الأول لحسن نصر الله، بدأت تُمارس الضغوط على المتظاهرين في مناطق النفوذ الشيعي لنفض اليد عن الانتفاضة تحت مببررات "المقاومة" و"الممانعة"، وغيرهما.

مارس حزب الله، وإن بشكل غير مباشر، ضغوطات على البلديات في المناطق الجنوبية لمنع قطع الطرقات وإزالة خيم المنتفضين وإن بالعنف. وإعلاميًا، تعاطى الحزب مع الأمر من منطلق "من ليس مع المقاومة فهو عميل"، وبدأت آلته الإعلامية في ترويج الشائعات حول "من يقف وراء الانتفاضة".

ما يقلق حزب الله، بحسب ما جاء على لسان نصرالله هو أن "الأميركيين يريدون وضع شروطهم على الحكومة"، حسب زعمه، ولذلك يرفض حزب الله حكومة التكنوقراط برئاسة سعد الحريري، إذ يعني ذلك رضوخًا للشروط الأميركية وعزله عن دائرة القرار كما يعتقد. ومما يطرحه الحزب هو حكومة سياسية أو تكنوسياسية، إلا أن المشاورات بين المكونات الحزبية آلت حتى اللحظة إلى حائط مسدود.

يريد حزب الله ضمانات من أي كان حول عدم الإنجرار مع الأميركيين إلى افتعال مواجهة، كما أن الحزب لا يريد أن يخسر مكانته في الحكومة، خاصة وأن الحكومة تعرف الآن بـ"حكومة حزب الله".

كما يقلق الوضع الاقتصادي حزب الله، بالرغم مما صرح به الأمين العام للحزب بأن الدولارات سوف تظل تأتي لحزب الله من طرق مختلفة. لكن الحزب يعلم أن الأزمة ستصيب جميع اللبنانيين بمن فيهم مقاتلو حزب الله وعائلاتهم.

ويعمل حزب الله جاهدًا على قلب تعاطف الناس مع الانتفاضة للضد، من خلال حملات التشويه بوسائل الإعلام وفي الشارع، وبالتهديد عبر السيارات المنتشرة والتي تجوب شوارع الضاحية الجنوبية لمنع خروج المظاهرات.

يعمل حزب الله جاهدًا على قلب تعاطف الناس مع الانتفاضة للضد من خلال حملات التشويه بوسائل الإعلام وفي الشارع، وكذا بالتهديد

يبدو أن لدى حزب الله استعدادًا أن يبدي موقفًا أكثر إيجابية من الانتفاضة لو عُدّل شعار "كلن يعني كلن". لا يريد حزب الله أن يدخل ضمن الزمرة المطالب بإسقاطها أو المشار إليها بتهم الفساد سياسيًا واقتصاديًا!

 

اقرأ/ي أيضًا:

لماذا لا توجد قيادة للانتفاضة في لبنان؟

خطاب حسن نصر الله.. محاولات متناقضة لركوب موجة الانتفاضة!