الثنائي الشيعي في لبنان وتحالف

الثنائي الشيعي في لبنان وتحالف "الطائفة فوق الوطن"

نبيه بري وحسن نصر الله (أ.ف.ب)

يبدو واضحًا اليوم أكثر من أي يوم مضى، لماذا لم يكشف النائب حسن فضل الله عن مستنداته، والتي حسب قوله فإن "رؤوسًا كبيرة ستتدحرج بسبب الفساد". والسبب يرجع في أن حزب الله ينظر إلى وحدة الشيعة بدرجة أهم من نظرته لوحدة الوطن!

ينظر حزب الله إلى وحدة الشيعة بدرجة أهم من نظرته لوحدة الوطن، مفضلًا أن ينقسم الوطن على أن يتذوق مرارة الانقسام الشيعي!

يفضل حزب الله الانقسام الوطني على تذوق مرارة الانقسام الشيعي! النهج المتبع لدى حزب الله هو: "نحن شيعة شيعة، من طهران الى بيروت، وما يخدم مصالحنا فقط هو الالتفاف والتلاحم الشيعي، باعتباره أولوية الأولويات (الجوهر)، ووحدة الصف الشيعي تعلو على ما عداها من الانتماءات".

اقرأ/ي أيضًا: الثنائي الشيعي في واقع الانتفاضة اللبنانية

يعلم حزب الله أن حركة أمل، ومنذ عام 1990، هي التي تستأثر بالحصة الشيعية من الفساد في الدولة. ويعرف جيدًا الحزب ماهية أدوار حركة أمل في المحاصصات والاستنفاع والتوظيف السياسي لتحقيق المصلحة. لكن الحزب يفضل التعامي عن ذلك، إما بفعل المشاركة بالفساد أحيانًا، وإما بفعل التحالف المتين مع الحركة.

طبعًا التحالف ليس حبًا في حركة أمل، أكثر مما هو دفاع عن كل شيعي على وجه الأرض، حتى لو كان فاسدًا، لمجرد أنه يلتزم بخطاب "المقاومة" وأجندة طهران في المنطقة.

شعار "كن مع المقاومة وافعل ما تشاء" لم يأت من فراغ، ومعادلة النائب جميل السيد التي قالها في بداية الانتفاضة تندرج في هذا السياق، إذ قال: "فسادكم مقابل سلاحنا". لكن هذ المقولات تبقى قاصرة عن فهم طبيعة تفكير حزب الله إزاء الأوضاع الحالية، خاصة بعد مضي أكثر من 40 يومًا على الانتفاضة في لبنان، ولم يتم الكشف عن فاسد واحد يهدئ غضب اللبنانيين!

لا، بل إن التلاحم صار أكثر فأكثر بين منظومتي "الفساد والقوة"، فوَضع مناصري الحزبين زعيميهما في هتاف موحد: "بري نصرالله والضاحية كلها.. شيعة شيعة". ولمثل هذا الهتاف دلالة، إذ لم تكن متداولة على لسان مناصري حزب الله، خاصة وأن كل شيعي في لبنان يعلم تمامًا أن حركة أمل ورئيسها يديرون منظومة الفساد الخاصة بالطائفة الشيعية.

وطوال سنين عديدة، كانت النقاشات داخل البيئة الحاضنة لحزب الله تتهم حركة أمل ورئيسها بالفساد. وزاد التململ في أروقة حزب الله من تعاظم الفساد في الدولة اللبنانية واستئثار الحركة بحصتها على حساب اللبنانيين. وكانت الأحاديث تشير إلى غضب متزايد من هذه الممارسات، إلا أنه في لحظة ما، وبعد انتفاضة 17 تشرين الأول/أكتوبر المستمرة، زال الالتباس، وتبين أن التحالف الشيعي أهم من محاربة الفساد!

إذًا، لن تنكشف مستندات فضل الله، ولن يكشف الأمين العام لحزب الله عن اسم واحد فاسد؛ لماذا؟ لأن التعرض للشيعة الفاسدين معناه فتح الباب على مصراعيه أمام احتمال شق الصف الشيعي في لبنان. وحدة الشيعة أهم من وحدة الوطن حتى لو تطلب ذلك الدخول في حرب أهلية!

وبدا أن وحدة الصف الشيعي أهم من وحدة الوطن، وأن الحزب والحركة في نفس الخندق وذات المحور، لذلك يصعب على حزب الله أن يدلي بمعلومات عن أي فاسد شيعي، لأنه ببساطة حزب يقدم أولوية الطائفة ووحدتها على أولوية بناء الوطن. والفساد أهون من الانقسام داخل الطائفة. الفساد "أهون الشرين"!

ما يحصل اليوم هو تكتل للشيعة في مواجهة إمكانية أي محاولة لقيام الدولة المدنية، ولإنهاء أي محاولة لمحاسبة أي شيعي فاسد، لأن ذلك معناه شق الصف الشيعي. يلعب الحزب هنا لعبة بناء "المجتمع الحديدي" وترسيخ فكرة "الأخ الأكبر يراقبك دائمًا"، وبالتالي ضمان نشر الخوف داخل الطائفة، ويمنع أن يوجد رأي أخر معارض ضمن الطائفة الشيعية ضمن قاعدة "أنا وخيي على ابن عمي".

وبعد فشل مناصري حركة أمل إخافة المنتفضين في بداية الانتفاضة، وبعد أن تم توجيه الاتهامات للحركة مباشرة في صور والنبطية وبيروت وأغلب ساحات الانتفاضة، جاء دور حزب الله حيث أخذ على عاتقه القيام بما عجزت عنه حركة أمل.

وجد حزب الله ضالته في حادثة سير على طريق الجنوب أدت إلى وفاة رجل وامرأة، ودشن على إثر ذلك حملة إعلامية لتبرير هجومه على المنتفضين في ساحات بيروت وصور والنبطية وبعلبك، واستغل إعلامه الحادثة، أبشع استغلال، عبر وصفها "بالجريمة الإرهابية"! حادثة سير ناجمة عن الاصطدام بعوائق وضعها الجيش اللبناني بعد قطع الطريق من قبل المنتفضين، تحولت على لسان إعلام الحزب إلى "جريمة إرهابية" تقتضي الأخذ بالثأر واجتياح خيم المنتفضين وتهديد السلم الأهلي!

تمتد نشاطات حزب الله في سوريا والعراق واليمن، وقد فتح ممرًا طويلًا من طهران إلى بيروت، لنقل الأموال والسلاح وتأمين الإمدادات اللوجستية وغيرها، ليخرج في اليوم التالي للأحداث، وينفي أي صلة له بالاعتداءات على المتظاهرين في بيروت، قائلًا إن أنصاره الذين قاموا بذلك، "نزلوا بعفوية". حزب الله الذي لديه القدرة على إشعال الحروب لسنوات، عاجز أمام "عفوية" أنصاره!

يريدنا حزب الله أن نصدق أن لا قدرة له على ضبط أنصاره، في حين أنه في أثناء العربدة في شوارع بيروت، لم تخرج أي دعوات من قياداته لوقف هذه المهزلة ولإعادة هؤلاء الأنصار إلى بيوتهم.

والافت أن أنصاره هؤلاء، الذين يسميهم "الأهالي"، عبارة عن مسيرات من مئات الدراجات النارية تهتف "شيعة شيعة"، وتقتحم المناطق ذات الأغلبية السنية والمسيحية، وبشكل يبدو منظمًا، ثم يقول حزب الله "أهالي" و"عفوية"!

يهرب حزب الله من الأزمة الاقتصادية، ومن الانهيار الحاصل، إلى تقسيم الشارع وفق اللعبة التي ينجح فيها بمهارة، لعبة الطائفية

ما يريد أن يقوله حزب الله للبنانيين وللمجتمع الدولي، هو: "نملك الأعداد البشرية والسلاح والجغرافيا والقوة، وعليكم الرضوخ لمطالبنا، وإلا التهديد بالحرب الأهلية". يهرب الحزب من الأزمة الاقتصادية، ومن الانهيار الحاصل، إلى تقسيم الشارع وفق اللعبة التي ينجح فيها بمهارة، لعبة الطائفية.

 

اقرأ/ي أيضًا:

اعتداءات حزب الله وأمل مستمرة.. تلويح بحرب أهلية؟

صقور حزب الله واضطراب ما بعد الصدمة!