الثقافة المعقّمة والتطهّريّة

الثقافة المعقّمة والتطهّريّة

عطار في دمشق (تصوير: أديب طيبة)

كل ما هو شعبي بذيء، وكل ما هو بذيء مرفوض. يبدو أن هذا المبدأ هو الأكثر تفضيلًا للثقافة العربية الحديثة في معرض إقامة فصل حاد، وجدار ثخين بين ما هو شعبي وما هو نخبوي، وفي معرض تكريس نفسها كثقافة نخبة. حتى أنها، صراحة لا مواربة، ألصقت صفة الوضاعة بالتصرف الشعبي، وصفة الرفعة بنفسها، فقالت عن كل ما هو من شأن الناس بأنه شعبي غير جدير بالنظر إليه جديًا، وما هو من شأنها بأنه نخبوي، وقد منعت إمكانية قراءتها وتأويل ما يمكن تأويله منها وتفسيرها إلا على "الراسخين في العلم"، فيما لا يحق "للعامة" ذلك.. فالعيش والكدح هو من شأن العامة، والتأمل والتفكير من شأنها هي فقط. 

المبدأ الأكثر تفضيلًا للثقافة العربية هو إقامة فصل حاد بين ما هو شعبي وما هو نخبوي

وقد بدا ذلك جليًا في النص العربي المكرّس الذي يقول بـ"ثقافة شعبية" و"ثقافة رفيعة"، الذي وإن كان صحيحًا كأمر واقع، إلا أنها كانت تريد جراء تكريسه، بالإضافة إلى تثبته بجدار فصل ثقافي، إلحاق صفة الدونية بالأولى والرقي بالثانية. وبالفعل تم تغييب الكتاب الشعبويين طيلة تاريخ الثقافة العربية الحديثة، وتم تغييب الثقافة الشعبية لفترة ليست بعيدة من الآن، الأمر الذي أدى إلى وجود ثقافة معقمة، تطهّريّة لا مكان فيها لتفكير الشعب وحركته وشؤونه ويومياته. 

الثقافة المعقمة والتطهّرية تسبغ على نفسها التصرف واللغة الملائكية التي لا تخطئ، ولا يمكن الحط من شأنها، ولتأكيد ذلك، برهانيًا، استحضرت من التراث العربي، الإسلامي حصرًا، كل العبارات والأقوال والنصوص التي تؤكد على اللغة العالية والرائقة التي لا تجيدها سوى النخبة، وعبر ذلك نظرت إلى تصرفات ولغة الناس اليومية على أنها لغة رعاع لا تصلح للتفكير ولا تساعد عليه ولا تنتج ثقافة رفيعة. فوقفت بذلك ضد الناس وثقافتهم ووسمتها بالغوغائية، ناسية أو متناسية أن هذه الثقافة التي تجترحها الشعوب عبر تاريخها هي التي تمثل روح الشعوب وتحفظها، وهي التي تحفّز الطاقة التي تجعل هذه الشعوب قادرة على الحياة. 

طالبت ثقافة النخبة التطهرية الشعوب أن تفكر وتتصرف في شوونها اليومية والتاريخية بـ"الشوكة والسكين"، وازدرت التصرفات التي يمارسها الناس بحكم تنوعهم واختلافاتهم، وبحكم عقائدهم وأمزجتهم.. ونفت عنها أن تكون مؤثرة وفاعلة في التاريخ، على الرغم من أن الأنثروبولوجيا أكدت ذلك كله بالدليل القاطع. 

الأمر السيء في هذا هو أن السلطة التي احتكرتها النخبة لنفسها عبر تسفيهها الشعبي، استخدمت كافة أسلحتها في مواجهة أي تمرد عليها، بما في ذلك أسلحة السلطلة السياسية لتحميها من السقوط أمام التمرد "الخطير" للنزعة الشعبية. بدا ذلك جليًا في موقف هذه الثقافة من الثورة السورية على سبيل المثال. إن التعريف الجاهز الذي تملكه ثقافة التطهّر للثورة لم يجد له تطبيقاً في ثورة السوريين، فهذه ثورة بلا قائد نخبوي ملهم وحكيم، وبلا برنامج سياسي – ثقافي مكتوب وحائز على موافقة النخبة، وأنها تنطوي على تصرفات وممارسات غوغائية، وغير ذلك... 

الأفكار، خاصة تلك التي تتعلق بمصائر الناس، تتولد من حركة الناس وليس من الكتب

لا تعرف هذه الثقافة أن الأفكار، خاصة تلك التي تتعلق بمصائر الناس، تتولد من حركة الناس وليس من الكتب، ولا تعرف أن مهمة الثقافة ابتكار أدوات معرفية انطلاقًا من اللحظة التاريخية وليس انطلاقًا من أفكار مسبقة ترى أنه يجب على التاريخ أن يثبتها ويثبت صحتها كأمر واجب عليه، وإلا كان مخطئًا، كان يجب على النخبة، تبعًا لذلك، أن تفكر بالحدث التاريخي انطلاقًا منه، وليس انطلاقًا من أفكارها الجاهزة، وأن ترى إلى الثورة السورية بوصفها حدثًا جديدًا على مستوى ثقافتها يجب دراسته والتطلع إليه والتعاطي معه كحدث جديد لا يُشترط فيه، ولا ينبغي عليه أن يحاكي، حرفيًا ونصّيًا، أحداثًا أخرى سابقة، كان يجب على هذه النخبة المعقمة أن تدرك أن الثورة حدث فوضوي أساسًا، وأنه يتحمل كافة أشكال الفوضى البشرية وينطوي عليها، الثورة هي أمل ببناء، لكنها أيضاً تخريب، هي تطلع إلى عدالة اجتماعية، لكنها أيضاً انتقامات وثارات.. كان على ثقافة النخبة أن تنتبه إلى ذلك كله وتبني عليه، كان عليها، أولًا وقبل كل شيء، أن تعي أنها سقطت.