الثروة السمكية في مصر إلى زوال

الثروة السمكية في مصر إلى زوال

ستزول الثروة (محمد الشاهد/أ.ف.ب/Getty)

هكذا هي حياة الصيادين. احترفوا مهنة الصيد التي توارثوها عن آبائهم وأجدادهم ليعيشوا معتمدين عليها كمصدر أول لكسب لقمة العيش. فجأة تدهورت حياتهم وانقلبت، تفشى الفساد والإهمال ليضرب أصحاب الثروة السمكية ويؤثر على حياتهم اليومية. فمن كفر الشيخ بدلتا مصر وتحديدًا بحيرة برج البرلس، التي تشتهر على مر التاريخ من أيام الفراعنة بمهنة الصيد، حيث تعد من أكبر مصادر الثروة السمكية وتبلغ مساحتها حوالي أربعمائة وعشرين كيلومترًا مربعًا، وتحتل المرتبة الثانية من حيث ترتيب أكبر البحيرات الطبيعية في مصر، والتي كانت تنتج أيضا ثلاثة وثلاثين ألف طن من الأسماك سنويًا، لم يكن حال الصيادين كسابق عهده. ثروة سمكية طائلة تحولت من تصدير إلى خارج البلاد إلى لا شيء، بل إلى فقر مدقع يعيش الصيادين فيه أحوالًا بائسة في السنوات الأخيرة بسبب العديد من العوامل التي هددت حياتهم بشكل مباشر نتيجة تلاشي الثروة السمكية.

الفقر الطويل

لا تكف أفواه الأسر المطالبة بإيجاد لقمة العيش. يعتمد صيادو بحيرة البرلس التي يبلغ عدد الأسر فيها حوالي مائة ألف أسرة على مهنة الصيد بشكل مباشر كمصدر لكسب لقمة العيش. لا بديل عنها، ولكن ذلك المصدر الأساسي أصبح مهددًا في السنوات الأخيرة من فترة حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، بسبب عوامل عدة لا علاقة بالطبيعة بها، وإنما هي من صنع الفساد الذي يصب بقوة على بحيرة البرلس. إهمال للبحيرة وصب لمصارف مياه الصرف الصحي بمياه البحيرة بالإضافة إلى المشكلة الأكبر: مافيا الزريعة.

فالثروة السمكية هي أمن غذائي، والأمن الغذائي هو الثروة السمكية التي تجعل من الصياد في اكتفاء تام ليعيش أهلها في حال ميسورة دون الالتجاء إلى طرق أخرى قد تكون غير شرعية لكسب لقمة العيش، أو للبقاء على قيد الحياة إن صح التعبير، بالالتفات إلى حال الصيادين بعد تدني إنتاج الثروة السمكية.

ما الذي أدى إلى انهيار الثروة السمكية؟

تشكل البحيرة ثلث أصول الثروة السمكية في مصر، والتي كانت تقوم بتصدير الثروة السمكية إلى الخارج وتحولت مصر من بعد ذلك إلى دولة مستوردة للأسماك المجمدة على النقيض. بيد أن صيادي البحيرة يعانون من تدني إنتاجهم السمكي بسبب عدم اهتمام الحكومة بمشاكلهم، التي أدت إلى فقدانها تلك الميزة بسبب ظهور ما يسمى بمافيا الزريعة. تلك المافيا تقوم بنشر ما يسمى "الغزل" في مدخل الميناء الرابط بين البحر الأبيض المتوسط وبحيرة البرلس، بحيث تقوم تلك الشباك بتصفية جميع أنواع الأسماك المفترض دخولها إلى البحيرة عبر البحر، لتغذيتها بأنواع الأسماك المختلفة، لتأخذ في طريقها كل الأسماك.

يجعل هذا الصياد العادي صاحب مراكب الصيد في مأزق حاد من عدم وجود أسماك في البحيرة إلا ما تخلل من بين تلك الشباك التي وضعها الزريعة. هكذا تصبح تلك الثغرة هي المنفذ الوحيد لدخول الأسماك الصغيرة التي لا يوجد سواها في البحيرة على حد قول الصيادين، فالبحيرة  تشبه "المربى السمكي" حيث تدخل الأسماك من خلال الميناء – نقطة تلاقي البحر بالبحيرة – إلى البحيرة ولا تعود مرة أخرى إلى البحر لتكون في عداد الثروة التي يملكها الصياد، ولكن الشباك تبلع كل شيء.

ومن أكبر المشاكل التي هددت وما زالت تهدد البحيرة  "تلوث مياه البحيرة". إلقاء وصب مخلفات المصانع والصرف الصحي بالبحيرة، وكل الموبقات، تحدث في وضح النهار، مما يشكل وضع كارثي بسبب تلوث مياه البحيرة، مما يؤدي بدوره إلى تسمم الأسماك. وتاليًا إصابة المواطن بأمراض عدة منتشرة في وسط الشعب المصري كالسرطان والتليف الكبدي عبر تناول الأسماك التي تخرج من البحيرة, تلك الأمراض اللي يعاني منها الشعب المصري وتضرب أفرداه بقوه لم تسارع الحكومة في وضع خطوات للحد منها، بل إن الإهمال هو سيد الموقف. فلتغلق مجاري الصرف الصحي التي تصب في البحيرة على الأقل.

المشكلة الثالثة تتمثل في ارتفاع منسوب الأرض – الطين - وزيادة الطمي مما يجعل عدد الأسماك المتدفقة إلى البحيرة أقل. ذلك بسبب عدم قيام الحفارات والكراكات من تمشيط المنطقة والعمل على تطهير البحيرة باستمرار من الطين والبوص الزائد. حتى عند قيام الحفارات بالحفر لاستخراج الرمل الأسود من مياه البحيرة تظهر بقعة جديدة من الفساد، فمن المفترض أن الدولة تقوم بالتنقيب أولًا في تلك الرمال عن المعادن والذهب والمنجنيز، وهكذا وعد الرئيس عبد الفتاح السيسي عقب توليه الحكم: الاهتمام بإرسال خبراء للتنقيب ببحيرة البرلس. لكن السرقة طالت أيضًا ما تم التنقيب عنه، بل إن ناتج الرمال أيضًا يسرق.

لم يصمت أبناء البرج، وهكذا يخبرنا محمد موافي - رئيس اللجان الشعبية بمدينة بلطيم والبرلس - أنه قام بتسجيل محاضر في قسم الشرطة لإثبات الواقعة المتعلقة باختفاء عوائد الرمال السوداء.

 تصفية الثروة السمكية

تعتبر التحاويط أحد أهم طرق الصيد الجائر الذي أضر بالبحيرة وصياديها. التحاويط هي عبارة عن قطعة من أرض هيئة الثروة السمكية يقوم بتأجيرها بعض الأشخاص ليجوروا من بعدها على المناطق المجاورة ووضع الشباك في نقاط الالتقاء الفاصلة بين البحر والبحيرة، ليشكل أيضًا مانعًا من دخول الأسماك من البحر الأبيض المتوسط إلى البحيرة، حيث تقوم مافيا الزريعة بالدخول إلى عرض البحر مستقلين "لانشات" وهي المراكب التي تعمل بمحركات، مما تشكل مشكلة أخرى.

يعتمد صيادو بحيرة البرلس التي يبلغ عدد الأسر فيها حوالي مائة ألف أسرة على مهنة الصيد

تمزق المحركات شباك الصيادين العاديين في البحيرة من خلال مرورها على تلك الشباك الموضوعة في البحيرة في محاولة من الصيادين العاديين لالتقاط ما تبقى أصلًا من أسماك البحيرة التي لم يتبقى منها سوى حوالي ثلاثة إلى خمسة أنواع كالبلطي والقرموط والثعبان والبوري بعدما كانت البحيرة تمتلئ بحوالي ثلاثين نوعًا من الأسماك مثل الكابوريا والجمبري والاستاكوزا وغيرها. لكن عصابات مختلفة تسيطر منذ سنوات على الثروة السمكية على مرأى ومسمع من المسطحات المائية التابعة للجهات الأمنية في محيط البحيرة والبحر الأبيض المتوسط.

على الأرجح، سر عدم تحرك المسطحات المائية دون القبض على اللانشات المخالفة للقانون والتي تسببت فيما سبق ذكره هو الفساد الذي تعاني منه المحافظة، حيث أن أصحاب تلك اللانشات يقومون بدفع الرشاوي إلى الضباط والأمناء في سبيل تركهم في مخالفة القانون واستكمال العمل المخالف من الصيد الجائر. إضافة إلى ذلك حسبما روى لنا الصيادون، وحدة المسطحات المائية في المنطقة تتكون من ضابط وبضع أمناء شرطة وإداريين. القدرة العددية لا تتناسب البتة مع المنطقة المفترض تغطيتها مما يسمح بانتشار عناصر المافيا بشكل أوسع والتي تغطي خمسة مراكز: "سيدي سالم، البرلس، الرياض، الحامول، الوحال".

ثمن اللانش هو  عشرون ألف جنيه مصري أي نحو ألفين وخمسمائة دولار أمريكي وهذا ما لا يملكه الصياد العادي

وفي بحثنا عن أشخاص مافيا الزريعة ومن يقف وراءها، كانت أصابع الاتهام تتجه نحو اتجاهين، الأول هو رجال الأعمال الذين يمتلكون الأموال لشراء تلك اللانشات والتي تكلف نحو عشرين ألف جنيه مصري أي نحو ألفين وخمسمائة دولار أمريكي، وهو مبلغ لا يملكه الصياد العادي. بينما يروي البعض الآخر من الصيادين رواية تقول إن قيادات محسوبة على الدولة من ضباط ومستشارين هم من يقفون وراء مافيا الزريعة، ويمتلكون المزارع السمكية التي أصبحت هي المصدر الأساسي لبيع الأسماك بدلًا من قيام الصيادين بالاسترزاق.

هل يحمي القانون الصيادين؟

ينص القانون رقم 124 لسنة 1983 في مواده 9، 10، 19 على حظر الصيد الجائر، بأشكاله وطرقه التي سبق الحديث عنها، وفي المواد 14 و28 من القانون رقم 10 لسنة 1959 بشأن الملاحة النهرية لعدم وجود تصاريح لتلك اللانشات التي تقوم بعمليات الصيد الجائر، بالإضافة إلى القانون رقم 102 لسنة 1983 الذي يحظر الصيد الجائر بالبحيرة لكونها محمية طبيعية.
وبالنسبة لعقوبة الصيد الجائر التي تقوم بها اللانشات، تنص المادة 55 أنه مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها قانون آخر يعاقب كل من خالف أحكام المواد 7، 10، 11، 16، 17، 18، 19  من هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر ولا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، وهو ما يحدث على أرض الواقع من أن يدفع صاحب اللانش غرامة بسيطة قدرها مائة جنيه، لا تؤثر بأي شكل على صاحب اللانش. وتاليًا، فإن عدم تغليظ العقوبة جعل من مخالفة القانون أمرًا سهلًا لأن عائد مخالفة القانون والعمل على الصيد الجائر يجني مكاسب أعلى من تلك العقوبة البسيطة التي لا تؤثر، مما يجعل الصياد العادي في ضيق من عدم حماية القانون له رغم حظره للصيد الجائر وباللانشات الغير مرخصة.


أسرار بحيرة البرلس

تمتلك مصر ثروة هائلة تدعى بحيرة البرلس، ولكن لا أحد يسمع مناشدات الأهالي والصيادين هناك، بضرورة القضاء على الفساد. ولكن حتى الآن، تستمر حالة اللامبالاة من المسؤولين الحكوميين بينما تتهدد حياة عشرات الآلاف من الصيادين، بل وإن صح التعبير حيوات المصريين جميعهم، جراء تلوث البحيرة. وهذا ما يخشاه الصيادون، الذين لم يتبق لهم خيارًا سوى الهجرة، وهي غير شرعية أيضًا، أو العمل كوسطاء لنقل المهاجرين إلى نقاط معينة في البحر الأبيض المتوسط بغرض جني المال أيضًا.

اقرأ/ي أيضًا: 

مصر.. كل شيء هادئ على حدودنا الشرقية
القمع الوظيفي في مصر