الثانوية العامة المصرية..

الثانوية العامة المصرية.. "شاومينج" يختبر كفاءة الدولة مجددًا

تخوف من تسريبات جديدة في امتحانات الثانوية العامة في مصر (آن هرمس/ The Christian Science Monitor)

"يوم الامتحان يُكرم المرء أو يُهان"، الجملة الأثيرة لدى الطلاب المصريين، تحوّلت مع الأيام لتجعل وزارة التعليم في مرمى اختبار الجدارة يوم الامتحان، فبينما بدأ طلاب المرحلة الثانوية العامة في مصر أداء أولى امتحانات هذا العام أمس الأحد، تترقب قيادات وزارة التربية والتعليم مرور فترة الامتحانات بهدوء لا يعكر صفوه تسريب أو فضيحة جديدة، بعد أن صار  تسريب الامتحانات خبرًا معتادًا في السنوات الخمس الأخيرة، وتطور الأمر فأصبح الامتحان يُسرّب بإجابته النموذجية على مواقع التواصل الاجتماعي لتصبح الإهانة بالغة في حق الوزارة والدولة المصرية من ورائها.

مع انطلاق امتحانات الثانوية العامة، تترقب قيادات وزارة التعليم المصرية مرورها بهدوء، بعيدًا عن تسريبات شاومينج وما قد ينتج عنها

"شاومينج"، ذلك الشبح المسؤول عن تسريب امتحانات العام الماضي والذي تسبب في الإطاحة بوزير التعليم السابق، لا يزال مصرًا على الوقوف في وجه الدولة المصرية وتحديها من جديد، حيث أعلنت صفحة "شاومينج بيغشش ثانوية عامة" على "فيسبوك" يوم الجمعة نيتها تسريب امتحانات العام الحالي لشهادة الثانوية العامة، وذلك عن طريق نشر التسريب على مجموعة تابعة للصفحة على تطبيق "واتساب" أولًا ثم على "فيسبوك". وجاء ذلك بالتزامن مع تصريحات الدكتور طارق شوقي، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، بشأن "شاومينج"، حيث قال الوزير: "شاومينج هي ظاهرة عابرة مثل ظواهر كثيرة في حياتنا، فالأساس لدينا غير مبني على الغش، وأعتقد أنها في طريقها إلى الزوال، وقد اتخذنا كافة الاحتياطات ليس خوفًا من شاومينج، ولكن لضمان العدالة لأبنائنا الطلبة في التصحيح، وفي الدرجات، وفي القبول بالجامعات، وفي الفرص المتاحة، بحيث لا يأخذ أحدهم أكثر من حقه".

اقرأ/ي أيضًا:  "اهزم البوكليت ورمضان والسرير".. كيف تحصل على 98% في الثانوية العامة؟

وكان "شاومينج" قد بدأ التحضير لاستعادة نشاطه في الأسبوع الأول من الشهر الماضي حين سرّب ورقة أسئلة امتحان اللغة العربية للصف الأول الثانوي في إحدى الإدارات التعليمية بمحافظة الجيزة، وخرج حينها وزير التربية والتعليم معلنًا أن "شاومينج مش في دماغي"، وهو ما تبعه موجة من الانتقادات تعيب على الوزير استخفافه بمسألة من المفترض أن تكون على رأس اهتماماته، فإذا كان الوزير لا يهتم بشاومينج فالملايين غيره من المصريين يهتمون جدًا وينتظرون "عطاياه". من ناحيته، يسعى "شاومينج" لتأصيل صورة طوباوية عما يقوم بفعله ليصبح "روبن هود" طلاب الثانوية العامة، فهو يقوم بتسريب الامتحانات لأن المجتمع فاسد بجميع فئاته ولأن التحاق الطالب بالجامعة لا يزال معتمدًا على مكتب التنسيق.

هذا الخطاب التبريري يجد ما يدعمه في صحيفة أحوال التعليم المصري، الذي من السهل للغاية العثور فيه على مجاميع فلكية مثل 99% أو 101%، وعندما يحصل طالب في التخصص العلمي على مجموع مثل 96% يجد نفسه مضطرًا للابتعاد عن دخول إحدى "كليات القمة"! باختصار، منظومة التعليم في مصر جعلت الطالب أسيرًا في قبضة المجموع الناتج عن ورقة وقلم وعمليات تصحيح يدوية لم تعد صالحة وحدها لتقييم المستوى ولا تساعد على دعم التفكير الابتكاري والمبدع بأي شكل.

والأزمة ليست في نشر نموذج امتحان هو الأهم في مصر على صفحات الإنترنت، ولكنها أزمة الكشف عن ضعف الدولة وغياب التنظيم، في وقت تحاول السلطة فرض سيطرتها على المجالين السياسي والأمني. لذا لن يكون الفشل -إذا حدث- من نصيب وزارة التعليم فقط، وفي النهاية، شاومينج ليس وليد صدفة أو دخيل على الوسط المصري، بل هو نتاج طبيعي ومتوقع للأجواء التعليمية العقيمة العاجزة عن التغيير، رغم وعود المسؤولين المتتاليين ورغم النصوص الدستورية التي تولي قضية التعليم أولوية كبرى.

ولكن يبدو أن تغيير أي شيء للأفضل لا يشغل بال النظام الحالي، وبالتأكيد لا يمثّل الدستور لديه أهمية أكبر من قيمة الورق المكتوبة عليه نصوصه، طالما هناك طريقة لتمرير كل ما يريده بعيدًا عن التقييدات الدستورية. "شاومينج" هو فكرة جديدة فرضت نفسها على الساحة بسبب إيمان صاحبها بها وأسلوبه المختلف وإصراره على إثبات ضعف الوزارة، ومن قبل هذا بسبب فشل وزارة التعليم والوزارات المساعدة والمعنية بعملية تأمين الامتحانات في التفكير خارج الصندوق والوصول إلى حلول ناجعة لمواجهته.

شاومينج هو نتاج طبيعي ومتوقع للأجواء التعليمية العقيمة العاجزة عن التغيير، رغم وعود المسؤولين المتتاليين

هل أنتم مستعدون؟

أكد الدكتور رضا حجازي، رئيس قطاع التعليم العام، أن حوالي 600 ألف طالب وطالبة يدخلون ماراثون امتحانات الثانوية لهذا العام وفقًا للنظام الجديد "البوكليت"، داعيًا الطلاب وذويهم إلى عدم الخوف أو القلق من تطبيق هذا النظام في الامتحانات، مشيرًا إلى أنه من السهل حصول الطلاب على الدرجات النهائية في كل المواد طالما يفهمون المادة لا أن يحفظوها. ولفت حجازي إلى أن الطالب المعتمد على حفظ المناهج الدراسية سوف يتعب في الإجابة، لكنه ربما يحصل على الدرجات النهائية كذلك، مشددًا على أن هذا العام سيشهد ارتفاعًا في الدرجات أفضل من كافة الأعوام السابقة. وأضاف رئيس عام امتحانات الثانوية العامة أن مجلس النواب وافق على تغيير عقوبة الغش بكافة أنواعه، من سنتين إلى 7 سنوات وغرامة تصل إلى 200 ألف جنيه بدلًا من 100 ألف جنيه، كما أكد أن حيازة التليفون المحمول في لجان الامتحان أصبحت جريمة، سواء للمراقب أو رئيس اللجنة أو الطالب، ومن ثمّ يستحيل تواجد أي محمول في أي لجنة امتحانات، على حد قوله.

وزارة التعليم المصرية أنفقت مبالغ ضخمة لتأمين الامتحانات ومنع حدوث فضيحة التسريبات السنوية

وزارة التعليم قامت بإنفاق مبالغ مالية ضخمة للإنفاق على الإجراءات الجديدة التي ستتبعها هذا العام لتأمين الامتحانات ومنع حدوث فضيحة التسريبات السنوية، حيث كشفت مصادر من داخل الوزارة استعانتها بشركة "فالكون للأمن" لتأمين لجان الثانوية العامة التى اشتهرت بأحداث الشغب طوال السنوات الماضية، والتى بلغت 70 لجنة على مستوى الجمهورية، وذلك بالاتفاق مع وزارة الداخلية، غير أن الفكرة لاقت انتقادات من البعض لاحتمال حدوث حالات تحرش أو مواجهات مع أفراد التأمين. في الجانب التأميني أيضًا، أوضح حجازي أنه كان من المتبع وضع ثلاثة امتحانات من اللجنة العليا إلا أن الجديد هذا العام هو وضع أربع نماذج امتحانات بديلة مختلفة عن بعضها بهدف تفويت الفرصة على مسرّبي الامتحانات، مؤكدًا على أن اللجنة الفنية التي وضعت هذه الامتحانات لا تعرف أي امتحان سوف تطبعه الجهات السيادية المسؤولة عن العملية، ومعيدًا التذكير باستحالة تسريب الامتحانات قبل وصولها ليد الطلاب، لافتًا إلى أنه يستحيل أيضًا تسريبها بعد خروجها من الجهة السيادية.

الثقة الكبيرة في حديث رئيس قطاع التعليم عن استحالة حدوث أي تسريب، دعمها إشارته التفصيلية إلى خطوات التأمين وطريقته، حيث تم لأول مرة وضع ورقة الأسئلة والإجابة "البوكليت" في صندوق معدني وداخل الصندوق صندوق كرتوني به 5 عبوات في كل منها 20 نموذج "بوكليت"، وكل عشرين بوكليت داخل ظرف بلاستيكي أسود يستحيل فتحه ولا يتم فتحه إلا في الساعة التاسعة أمام الطلاب داخل لجنة الامتحان. ويذكر أنه توجد 1642 لجنة امتحان للثانوية العامة بشتى محافظات مصر، وتم صناعة 12 ألف صندوق معدني لوضع نماذج "البوكليت" بداخلها، كما عقدت المحافظات اجتماعات مع قيادات الشرطة ومديريات التعليم، لمناقشة سبل تأمين نقل أوراق الأسئلة فى امتحانات الثانوية العامة.

وزير التعليم صرّح مؤخرًا أنه يعتقد أن فرص الغش هذا العام ستكون قليلة جدًا لأن القانون الجديد يكافح الغش بصورة واضحة، والإجراءات السابق ذكرها وتأكيد مسؤول الوزارة المتكرر على استحالة تسريب الامتحانات سيضع الجميع تحت الأضواء في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة، فهل تكفي استعدادات الوزارة للتغلب على "شاومينج" الثانوية وتفادي فضيحة جديدة ستكون عواقبها مكلفة وباهظة على كافة الأصعدة؟.

اقرأ/ي أيضًا: تدريس مادة الأخلاق في مصر.. أي جدوى؟

أول الغيث

بعد مرور ساعة و20 دقيقة من بدء أداء الطلاب لأولى امتحاناتهم في مادة اللغة العربية أمس الأحد، نشرت صفحة "شاومينج بيغشش ثانوية عامة" على "فيسبوك" 4 ورقات من أسئلة النحو الواردة في الامتحان، سرعان ما أكدّت صحتها وزارة التعليم على لسان رضا حجازي رئيس قطاع التعليم العام بالوزارة. وبعد ساعتين، خرج حجازي مرة أخرى في مؤتمر صحفي عقب انتهاء الامتحان ليعلن عن الوصول إلى المتسبب في تسريب الامتحان ووصوله إلى الصفحة الإلكترونية الشهيرة، وهي طالبة في إحدى مدارس مدينة العريش بشمال سيناء، مؤكدًا أنها لن تُعرض على النيابة لأن قانون الطفل يمنع ذلك، ولكنه أضاف أنه سيتم التحقيق مع الطالبة مع توقعات بحرمانها من أداء الامتحان لمدة عام كامل. المسؤول الحكومي حاول التقليل من حجم الحادثة حين اعتبرها "غشًا إلكترونيًا" وليس تسريبًا، وحرص على تأكيد عدم استفادة أي طالب مما تم نشره، مستشهدًا بأن اللجنة التي خرج منها الامتحان موجودة في محافظة لا يوجد بمعظم مدنها إنترنت.

 

اقرأ/ي أيضًا:

آخرها نظام الفصل المقلوب.. طموحات وزير التعليم المصري خيالية جدًا

جدل في المغرب.. الغش في امتحان يؤدي إلى الانتحار