الثأر والعزلة القسرية.. هكذا تتم إعادة إنتاج مستقبل

الثأر والعزلة القسرية.. هكذا تتم إعادة إنتاج مستقبل "داعش"

بدأت بوادر الجيل الجهادي الجديد بالاتضاح على خلفية ثارات أسلافهم (The Atlantic)

ليست حملات نظام الأسد وحليفته روسيا هي فقط ما يقوّض استقرار محافظة إدلب شمال غرب سوريا. المنطقة المهدّدة دائمًا بحملات تدمير ممنهجة، تقبعُ على صفيح ساخن، كما تبدو أرضًا خصبة للزلازل والهزّات وارتداداتها، بفعل عدد الملفّات والقضايا التي تعكّر صفوها، بدءًا من الفلتان الأمني والفوضى، مرورًا بالاغتيالات المستمرّة، والأوضاع الإنسانية الصعبة، بالإضافة إلى نشاط الجهاديين المُتصاعد، يُقابله نشاط آخر مُماثل للمقاتلين الأجانب "المهاجرين" بالتعبير الجهادي. هناك أيضًا ما يُمكن إضافته لفوضى المشهد من ملفات معقدة تختص  بنساء وأطفال مقاتلي تنظيم داعش.

تشكل تصفية حسابات التنظيمات الجهادية فيما بينها وحملات الثأر والتنكيل مصنعًا متكاملًا لجيلٍ جهادي سيبدأ رحلته بحمولة اصطفافات معدة مسبقًا

بعد انحسار رقعة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وهزائمه المستمرّة، عادت مجموعات من جنود الخلافة، سرًّا وعلانية، إلى مدنهم وقُراهم في إدلب ومحطيها. منهم من ظهر، ومنهم من لا يزال متخفّيًا حتّى هذه اللحظة. وبينما يعيش بعضهم حياة طبيعية، هناك من اعتقلوا على يد هيئة تحرير الشام، لا بصفتهم مجرمين، وإنّما أعداءً للهيئة ومشروعها، الأمر الذي يجعل من مصير عوائل هؤلاء المقاتلين مشابهًا لمصير نساء وأرامل وأطفال داعش في مخيمات العزل شرق الفرات، في ظلّ انصراف المعنيين عن توفير الحلول لهذا الملفّ المعقّد.

اقرأ/ي أيضًا: المؤشر العربي: كيف ينظر العرب إلى داعش؟

حاولنا في "الترا صوت" التواصل مع زوجات وأبناء بعض مقاتلي داعش المعتقلين في سجون هيئة تحرير الشام، أو أولئك الذين قضوا في معارك التنظيم في الرقّة ودير الزور، ولكنّنا قوبلنا بالرفض أكثر من مرّة. غير أنّنا تمكنّا من خلال شهادات أقارب وجيران وأشخاص مطّلعين على حياة هذه العوائل، من كشف طبيعة الحياة التي تعيشها تلك العوائل، وأن تتم رواية كيف بات اعتقال بعض هؤلاء المقاتلين سببًا كافيًا عند نسائهم وأبنائهم للتمسّك بأفكار داعش المتشدّدة والمتطرّفة، كردّ فعل على عمليات الاعتقال، وسط غياب أي مبادرات حقيقية لإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمعات المحلّية مُجدّدًا. 

جهاديون أم أصحاب ثأر؟

تربّي "أم ياسر" أبنائها على فكر ومعتقدات داعش المتطرّفة، كردّ فعلٍ على اعتقال زوجها الذي عاد إلى إدلب تائبًا منتصف عام 2016، مُحاولًا بدء حياة جديدة أوقفت عجلتها هيئة تحرير الشام باعتقاله في شباط/ فبراير 2017، تزامنًا مع إعلانها الحرب على "لواء الأقصى" المحسوب على تنظيم داعش، وفقًا لما رواه "حسّان"، أحد أقارب أم ياسر.

إعادة تبنّي العائلة لأفكار قرّرت هجرها سابقًا، جاءت بعد ضغوطات ومضايقات عديدة مارستها عائلة أبو ياسر على زوجته وأبنائه، حيث حاول أشقائه الاستفادة من اعتقاله لمصادرة بيته وأملاكه وتأكيدهم بأنّ لا مكان له ولعائلته بينهم، فما كان من أم ياسر إلّا أن تعزل نفسها وأبنائها وفقًا لما ذكره قريبها الذي أكّد أنّ سلوك العائلة يتغيّر بشكلٍ يدعو للقلق، لا سيما بعد أن بات أبناء أبو ياسر الأربعة يكفّرون غيرهم من الناس، في الوقت الذي يصرّ كبيرهم ياسر (21 عامًا) على أنّ اعتقال هيئة تحرير الشام لوالده ضاعف من قناعته بأنّهم على حقّ، وبأنّ الهيئة وغيرها تعمل على هدم جهاد والده وبقية جنود "الخلافة" خدمةً للغرب الكافر.


مشهد عام من مخيم أطمة شمال إدلب (الأناضول)

رجح قريب العائلة في حديثه لـ"الترا صوت" أنّ أبناء أبو ياسر لن يتردّدوا بالالتحاق بأي تنظيم يحملُ أفكارًا مُطابقة لأفكار داعش، تلك التي خبروها في معاهد ودورات التنظيم الشرعية في الرقّة، بمعنى أنّ الفكّر التكفيريّ كان حاضرًا في العائلة، يحتاجُ فقط شرارةً لتشعلهُ أو تعزّز حضوره، ليكون اعتقال الأب واضطهاد الأقارب ورفض المجتمع لهم، تلك الشرارة غير المنتظرة. "لو خضعت العائلة إلى عملية إعادة تأهيل نفسية ولقيت معاملة جيّدة من المجتمع المُحيط بها لما وصلت إلى هنا. أتعاطف معهم، ولكنّني أخشى أن تأخذ أفكارهم المتشدّدة منحىً أبعد من ردّة الفعل، وأن ينشروا فكرهم داخل المخيّم".

انصراف المعنيين عن توفير برامج لإعادة تأهيل هذه العوائل مجهولة العدد، بالإضافة إلى حالة الرفض والنفور التي قوبِلَت بها، من شأنه أن يعزّز حضور الهوية والفكر "الداعشيين" عندها، وأن تدفع بها إلى التعامل مع نفسها بالطريقة التي يتعامل بها المجتمع معها، أي كـ "دواعش"، الأمر الذي يدفعهم نحو اعتبار هذه الصفة هويتهم الوحيدة التي ينتبهون إلى وجودهم من خلالها.

التعامل مع الانتماء السابق إلى تنظيم الدولة كنوعٍ من الهوية، يدفع بهذه العائلات باتجاه المزيد من العزلة، لا سيما بعد اعتقال أو اختفاء/ اختطاف ربّ الأسرة. عائلة المُقاتل السابق في دولة الخلافة الآفلة رجب أبو يوسف واحدة من هذه العوائل التي آثرت الانغلاق على نفسها بحسب أسامة أبو عبد المنعم، أحد النازحين في مخيم أطمة شمال إدلب. "موجات النزوح الكبيرة باتّجاه المناطق الحدودية وتكدّس البشر في منطقة ضيّقة كما هو حال المخيمات، ساهم في التعرّف إلى العائلات التي ينتمي أفرادها إلى داعش، تلك المنغلقة على نفسها، والتي لا تخالط أحد باستثناء أولئك الذين يشبهونها ويشاركونها الفكر نفسه". 

يقول أسامة أنّ رجب أبو يوسف فرّ مع عائلته من بلدة البحرة في ريف دير الزور بعد سقوط عاصمة الخلافة المزعومة "الرقّة" باتّجاه مدينة إدلب، قبل أن يختفي بعد وقتٍ قصير من وصوله ليتبيّن فيما بعد أنّه موجود في سجون هيئة تحرير الشام التي لا تزال تعتقله حتّى هذه اللحظة دون محاكمة. "كنّا أنا وأبو يوسف جيران في نفس الحيّ، الباب على الباب، لذلك حاولت بعد اختفائه سؤال زوجته وأبنائه عمّا إذا كانوا بحاجة للمساعدة، ولكنّهم كانوا منغلقين جدًا، قليلي الكلام، حتّى بعد نزوحنا لم تتغيّر طريقة حياتهم".

يُضيف أبو عبد المنعم: "مؤخّرًا تقدّم أحد أقارب رجب لخطبة ابنته، ولكنّ الأم رفضت لتزوّجها بعد مدّة بمقاتل في إحدى التنظيمات الجهادية المتشدّدة، لنتأكّد حينها بأنّ العائلة لا تزال تحمل معتقدات وفكر داعش، وأنّ هناك 7 من أبنائها تتراوح أعمارهم بين 10 و20 عامًا، يحملون أفكارًا جهادية متطرّفة وأنّهم جهاديين مستعدّين للقتال وقت الحاجة، وعند الطلب، والأهمّ من ذلك هو كمّيات الكراهية التي يحملونها تجاهنا". 

 الطريق الأسرع نحو صناعة الأكثر تطرفًا

وصل أحمد إلى منزل عائلته في ريف معرّة النعمان الشرقيّ جثّة هامدة، وبعد ساعات قليلة مرّت على وصوله، تحوّل المنزل إلى ثكنة عسكرية، فالجثّة لمقاتل في تنظيم الدولة الإسلامية، قُتل خلال معركة درع الفرات التي أطلقتها تركيا وفصائل المعارضة المسلّحة ضدّ التنظيم في ريف حلب الشمالي عام 2016. وبعد أخذٍ وردّ، استطاعت أم عمّار، والدة أحمد، اقناع أبنائها وأبناء قريتها بدفن أحمد في مقرة القرية، ورعاية ابنه الذي بات يتيمًا (توفيت والدته بقصف للتحالف الدوليّ على الرقّة) وشاهدًا على نحيب وتوسّلات جدّته لأبنائها الذين رفضوه في البداية.

التعامل مع الانتماء السابق إلى تنظيم الدولة  الإسلامية - داعش كنوعٍ من الهوية، يدفع بعائلات مقاتلي التنظيم باتجاه المزيد من العزلة، لا سيما بعد اعتقال أو اختفاء/ اختطاف ربّ الأسرة

تروي لنا جارة أم عمّار معاناة الأخيرة التي كانت شاهدةً على مكالمات التهديد والوعيد بين أبنائها أحمد والمثنى الذي يقاتل في صفوف جبهة النصرة، ألدّ أعداء داعش، قبل أن تتحوّل مُجدّدًا إلى شاهدةً على سوء معاملة أبنائها لحفيدها الذي يسمّونه "الدعدوش الصغير". هكذا، وجد عبد الستّار نفسه منبوذًا في منزل جدّته التي منعته من الخروج خوفًا عليه من أبنائها أوّلًا، ومن أبناء قريتها ثانيًا، ومن كلّ الذين لهم ثأر عند تنظيم الدولة الإسلامية في إحدى نسخه.

اقرأ/ي أيضًا: داعش من "الدولة" إلى العصابة.. انحسارٌ مركزي وتمدد شبكي

العزلة التي فرضتها أمّ عمّار على حفيدها، انتهت بنزوحهما في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 باتّجاه المناطق الحدودية مع تركيا، حيث سيكون عبد الستّار طليقًا للمرّة الأولى، وعلى موعدٍ مع حدث سيغيّر حياته، قادته إليه كراهيته التي نمت خلال السنوات السابقة تجاه أعمامه وأفراد عائلته، بالإضافة إلى نقمته على الحياة والمجتمع، وعزلته التي حوّلته إلى شخص مضطّرب وعدوانيّ، لينتهي به المطاف مطلع العام الحالي مقاتلًا في صفوف تنظيم "أنصار التوحيد" (تشكّل من بقايا تنظيم "جند الأقصى" المقرّب من داعش) الذي تقبّله بعد رفض الجميع له، ووعده بتوفير الحماية له، تمهيدًا لوضعه على طريق صناعة جيل جديد من الجهاديين، قد لا يكون الأكثر تشدّدًا، ولكنه حتمًا أكثر كراهية لمحيطه، واستعدادًا للجريمة وسفك الدماء. 

توفير "أنصار التوحيد" ملاذًا آمنًا لعبد الستّار المنبوذ من قبل عائلته ومجتمعه، يكشف استراتيجية جديدة تتّبعها التنظيمات الجهادية الأكثر تشدّدًا وتطرّفًا لاستقطاب مُقاتلين جُدد على هواها، وإعداد جيل جديد من المتطرّفين عبر تغذية رغباتهم بالانتقام والتخلّص ممّا لحق بهم من أذى وظلم، في ظلّ غياب أي مبادرات لإعادة تأهيل ذوي مقاتلي داعش، معتقلين كانوا أم مقتولين، والظروف الإنسانية الصعبة الكفيلة بتكوين بيئة خصبة للاقتناع بالأفكار التكفيرية المتطرّفة، أو إعادة العمل بها مُجدّدًا. 

الحكايات المذكورة أعلاه، تُشير إلى حجم المخاطر التي تُهدِّد مُحافظة إدلب المنشغلة ومنذ سنوات بترميم آثار الحملات العسكرية المتتالية عليها، وتأمين حياة نحو أربعة ملايين إنسان، والتأهّب لغزوٍ محتمل لفيروس كورونا، وذلك في الوقت الذي تترسّخ فيه فكرة أن المنطقة تقبعُ على صفيح ساخن، وتتحوّل شيئًا فشيئًا إلى بيئة خصبة لنموّ التطرّف وانتشار الأفكار التكفيرية، في ظلّ سوء إدارة ملف عوائل داعش وغيره من التنظيمات الجهادية المتطرّفة، والانصراف عن فكرة أنّ هناك أطفالًا وشبّانًا باتوا أقرب إلى قنابل موقوتة مليئة بالحقد والكراهية والرغبة بالانتقام. إذ تسعى تنظيمات جهادية مختلفة إلى استمالتهم واستقطابهم، لا سيما في ضوء التسخين الحاصل بين هذه التنظيمات وهيئة تحرير الشام، والأجواء التحريضية التي تعمّ المنطقة، وتوحي باندلاع حربٍ وشيكة ومدمّرة بين الطرفين، لن يكون أبناء مقاتلي داعش السابقين بمنأى عنها.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

النصر المتوهم.. تسريب حصري يجيب سؤال إلى أين ذهب عناصر داعش في العراق؟

قصة داعش.. "تمدد" سريع وانحسار مُكلف و"بقاءٌ" محتمل

تل معروف.. شهادة على كفر داعش