التونسية منى الجمل.. الهامشيّ بعدسة فينوس

التونسية منى الجمل.. الهامشيّ بعدسة فينوس

الفنان منى الجمل

الصورة الفوتوغرافيّة المواطنيّة

قرأتُ في الماضي رواية عالميّة بعنوان "على الطريق" لكاتبها الأميركي جاك كيرواك. في ذلك الوقت، مثّلت تلك الرواية "مانيفستو" "جيل البيت" Beat Generation الذي ظهر بعد الحرب العالميّة الثانية وقد حُمِّل برسالة مقدسة مفادها "كيف تتحوّل تجربة ذاتية في الرفض والخذلان إلى عمل رائد للإيجابية؟". كانت رواية كيرواك أكثر بكثير من مجرد عمل سرديّ لرحلة قام بها صديقان عبر أميركا، بل كانت كتابة عن "الحياة"، عن "الصورة الحيّة" وعن "الرؤى الذهنيّة". اليوم، يذكّرني أدب الطريق الذهنيّ الذي كتب عنه كيرواك في روايته، بتجربة فنيّة وتشكيليّة معاصرة بطلتها امرأة تونسيّة في عقدها الأربعين هي منى الجمل.

منى الجمل: يمثّل الخط المرسوم طوليًا على كل الوجوه التي صوّرتها علامة احتجاج ووحدة

تحدّثنا منى عن تجربتها الحياتيّة مع الفنّ بكلّ حماسة العالم. لا تتذكّر تحديدًا متى بدأت بالرسم لأوّل مرّة، فقد ولدت وسط عائلة معظمها من الفنانين، وتتلمذت على يد أكبر فناني البلاد، ورافقت خطى خالتها الفنّانة صديقة كسكاس، التي مثّلت أيقونتها الفنّية طوال مراحل طفولتها وشبابها. تقول: "لطالما كان الفنّ بالنسبة لي كالأكل والشرب، لم أعتبر يومًا الفنّان مختلفًا، ربما ذلك ما جعلني أعاني مرارًا من الواقع. نحن الفنانون نخبة جدّ قليلة لذلك نعيش العزلة مضاعفة".

اقرأ/ي أيضًا:​ الفن الحديث كان سلاحًا للمخابرات الأمريكية

تفضّل الفنانة أن تكون خارج كلّ التصنيفات العشوائيّة التي تُصَدَّرُ تحت ما يسمى حاليًّا بالفنّ المعاصر. تكتفي بوصف نفسها بالفنّانة التشكيليّة المعاصرة لأنّها ببساطة جزء من هذا "الزمن الفوضوي". تلبي منى رغبتها الغير مبرّرة في اقتناص صور متفرّقة من الواقع، يدفعها الهاجس برفض كابوسيّة الواقع واستبداله بالصورة الفنيّة المؤبَّدة. قدّمت مشروعًا فوتوغرافيًا بعنوان "لا للانقسام" إثر الأحداث التي تلت الثورة التونسيّة. فضحت الثورة شيزوفرينيا المجتمع وخلخلت السِّلْم المزعوم الذي كنا نعيشه. تقول: "يشاركني كلّ الشخوص الذين تموضعوا لي رفضي للانقسام والتمييز اللذين يهددان مجتمعنا. يمثّل الخط المرسوم طوليًا على كل الوجوه التي صوّرتها علامة احتجاج ووحدة".


المخرجة مفيدة فضيلة

تعكس هذه التجربة قلق الفنانة المستمرّ ووعيها الحاد من العالم. تمرّر صوتها المستنفر تجاه العديد من المشاهد الغير مستساغة عبر رسم خط أسود على طول وفي منتصف كل وجه تصوره بعدستها. تدعو منى إلى عدم تصديق خدعة "الاختلاف" ورفض كلّ أشكال التفرقة: ضدّ التكفير والفوضى والأنانيّة والظلاميّة والاستبداد والدكتاتوريّة... في مقابل كلّ ذلك تحلم الفنّانة بانحياز تام للإنسان والحبّ والجمال والوطنيّة.

صور "على الطريق اليوميّ"

ترتسم تعايبر متباينة على وجهها وهي تتذكّر صورا التقطتها عدستها في مشروعها الفنيّ الجديد الذي تسميه "على الطريق اليوميّ". تقرّ أنّ "الواقع البصريّ هو المادة الأوّليّة التي أشتغل عليها. الطرقات، الوجوه، والأماكن هي ما يلهمني. الحياة هي مناخي الفنّي بالرغم من كلّ خيباتها البصريّة".

تتكلّم منى عن ممارسة الفنّ بوصفه سبب سعادتها وتعاستها في الآن ذاته. تتساءل في حديثها عن المعنى الحقيقي للحب اللّامشروط الذي تَكنُّه للوطن وللفن، تقول أنّها تحبّ تونس بالرغم من كلّ شيء، وهي تتألّم لكلّ ما يحدث اليوم، بل تتألّم أكثر وهي تُشاهد كل تلك الفوضى على حافة الطرقات، والتي لا تعكس سوى الفوضى التي تستشري في كل دواليب الدولة.

تحتفي أعمال الفنانة، ضمن مشروعها "على الطريق اليوميّ" بالأماكن والأشخاص الهامشيّة. تتسلل صورها الفوتوغرافيّة إلى دواخل نفسيات الأمكنة راسمة مناخًا غريبًا مستمدًا من المناخ التراجيديّ الذي يهيمن على البلاد التونسيّة. تمنحنا صورها زمنًا يبدو جامدًا وقاتمًا، ضبابيًّا معظم الأوقات، تمامًا مثل مصير تلك الفتاة الصغيرة التي يعلّمونها الخوف من جسدها الطفوليّ، أو مثل تلك الصورة المنفّرة للنفايات الملقاة حولنا والتي تمنعنا من الرؤية، من التفكير ومن الرغبة في قبول التغيير. وقس على ذلك من مسائل مثل منظومات القيم والنسق الأخلاقية والاجتماعيّة، تلك التي تجعل الفنانة تهرب إلى فضح المحظور والتكلّم صورا عن المسكوت عنه، عن الأنانيّة والفقر والانتصاب الفوضوي، ذلك الذي يضرب الأذهان قبل الطرقات.


بداية حظيرة لا نهاية لها (2018)

تبدو الصور التي تقدمها منى نسبية وابنة يومها، إلاّ أنها تستشرف تلك النُّدرة التي بحث عنها جاك كيرواك في رحلته، "في مكان ما على الطريق كنت أعرف أنّه سيكون هناك فتيات، ورؤى، وكلّ شيء، في مكان ما على الطريق سأعثر على اللؤلؤة النادرة"[1]. تمامًا كالأفكار التي تتصدّر مُشَاهدَتناَ لصور فنانتنا، أين تستعيد كلّ جمال العالم بصور مضادة للإيجابية، مثل حالة الموت والقلق والفشل والهامشيّة... نحن فعلًا نستمتع برؤية خَور وأدران الآخرين، نستحسن ما تقدمه لنا منى مع أننا لا نتحدث مطلقًا في الأمر، ربما لا نستطيع سوى الاستحسان بما أننا لا ننوي شراء أحد تلك الصور وتعليقها أمامنا حتى لا نتذكر. هو ذا الأمر، يكمن السحر في الاستمتاع الآنيّ ثم المرور إلى شيء آخر مختلف، إلى النسيان. وحدها منى تحاول التذكّر، وحدها أيضا تستطيع مواصلة البحث الحثيث عن صورتها النادرة في طريق لانهائيّ.

فينوس "الحفصيّة" أو أفروديت من الشمع

شاركت منى الجمل مؤخرا في معرض جماعيّ بعنوان "في انتظار فينوس"، أقيم المعرض في متحف باردو وسط عدد كبير من المنحوتات والفسيفساء التاريخيّة التي جسّدت صورة فينوس آلهة الحب والجمال والجنس والخصوبة والرخاء والنصر في الميثيولوجيا الرومانيّة واليونانيّة. قدّمت الفنّانة عملًا تشكيليًّا أطلقت عليه "فينوس الحفصيّة"، الذي ينتمي إلى مشروعها الحاليّ "على الطريق اليوميّ"، ويقدّم رؤية نقديّة للتحوّل الذي طرأ على رمزيّة صورة الجسد من كونه رمزا للجمال والكمال إلى دليل لسلبيّة المشهد التبذيلي والهامشيّ. تقول "ألتقط صورًا بالأساس لا تعجبني. صورًا مبتذلة من الحياة. وفينوس الحفصيّة هي أحد تلك الصور التي لا أستسيغها في شوارعنا بالرغم من أنها كانت مرتاحة وهي تقف عارية وسط شوارع الحفصيّة".


‎⁨فينوس الحفصيّة، تقنيات مزدوجة (200X200)

تستعيد تقنية الفسيفساء بأسلوب معاصر عبر استعمال مادة صلبة هي الحديد مقطوع إلى مربعات صغيرة. "أعتقد أنّ الموازنة التي تشكّلت بين الصورة الضبابيّة التي أنجزتها بمواد صلبة لتجسيد شبح منحوتة فينوس وبين الصورة التي التقطتها من الأسواق، هي التي تلخّص حالة الجسد الأنثوي اليوم. صوري هي انعكاس واقعي لهشاشة اليومي فينا ولكلّ التغيّرات المحزنة التي تمرّ بها أجسادنا". لم تعد للتاريخ قيمة، لأنّ اليوميّ والمبتذل هو الذي يجرّنا نحو العدم والعبثيّة. بين فينوس الرومانية وفينوس الحفصيّة هناك هوّة ثقافيّة واجتماعية كبيرة، إذ تحمل الصورة تضادًا حادًا للمعنى، بين الأنثى والسلعة، بين المرغوب والمنبوذ وبين المخفيّ والمتعريّ فينا. ربما لهذا السبب بالذات تعرض منى غالبًا صورها بالأبيض والأسود، فالألوان تشتّت انتباه المشاهد، وتعميه أحيانًا كثيرة عن رؤية البشاعة. تلك البشاعة التي تجعلنا أمام مرآة مجتمع مصنوع من الشمع، تماما مثل فينوسها. يأخذنا المجتمع الاستهلاكيّ نحو التهشّم اراديّا تحت طاحونة المتطلبات اليوميّة. نحن ننظر لجسد من الشمع في حين أنّنا نتناسى خللنا في تقبله.

منى الجمل: صوري هي انعكاس واقعي لهشاشة اليومي فينا ولكلّ التغيّرات المحزنة التي تمرّ بها أجسادنا

لا ننسى أيضًا أنّ لنا تاريخًا كاملًا إزاء ما يسمّى بــ"أنثى"، حيث يتبدى جسد المرأة عبئًا على ذات المرأة نفسها لأنّها تحديدا أنثى. يُنوّع الذكر تشييئ الجسد الأنثويّ باعتباره العائد إليه "ضلعه المثمَّن والملغوم". تواجه منى كلّ ذلك التاريخ بتقديم شبح "جنسانيّ" مقلق، حيث يُقصى الجسد عما هو مميَّز به ليتحوّل إلى نسخة بغيضة للسائد المكرّر. ننظر إلى تمثال الأنثى الشمعيّ، أو إلى فينوس الشمع الواقفة باستمرار هناك، على حافة الشوارع والأسواق، لنتأكّد أنّها "مستعمرة الرجل: الذكر". يخفي عمل منى في تضاعيفه ما هو مروّع في مجتمعاتنا: نفسيًا وتربويًا واجتماعيًا واقتصاديًا وحسيًا.

اقرأ/ي أيضًا:​ فوبيا الصورة بين اللاهوت والفلسفة

تهيمن الخيبة والفراغ والخواء الروحي تمامًا على الصور التي تقدمها منى، تماما كوضع العالم الخارجيّ، إنه أشبه بالعبث الوجودي الذي يدفع إلى تقبّل التصدّع في كلّ مجالات الحياة بما في ذلك الصور الأكثر قبح من الواقع. وهكذا مثلا، حتى حين تتبدّل مقاييس الجمال والحب وطرق الجنس والنصر، لا تبالي الفنّانة بما هو معيب أو صعب بل بكيفيّة الإفصاح عنه بالطريقة المثلى. بالنسبة لمنى، دائما ما يكون طريقها محمومًا بصور سلبيّة. تلتقط تلك المشاهد لدحض فرضيّة القبول المسالم بذلك. وحتى هنا، لا يتعين علينا أن ننظر إلى هذا على أنه درس أو عبرة، ذلك أنّ "الحياة قصيرة. التعاسة أكيدة، الفناء حتميّ" على حدّ تعبير راي برادبيري. لذلك تستغلّ منى الجمل حياتها لتكون لسان حال عصرها، إنّها مولعة بالحياة وبالفنّ بكلّ ما فيهما من جمال ومن قبح.

 

اقرأ/ي أيضًا:​

الرسم والكتابة في تجربة أفونسو كروش

اعتراف إلى "مصور الظلال"