ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

التهجير الفلسطيني والهجرة غير النظامية.. أوراق مصر بين إسرائيل وأوروبا

19 سبتمبر 2025
مصر والاتحاد الأوروبي
تستخدم القاهرة ملف الهجرة كورقة ضغط ضد الأوروبيين (Getty)
عماد عنان عماد عنان

في اتصال هاتفي أجراه مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر الجاري، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رفضه القاطع لتهجير الفلسطينيين من أرضهم، مشددًا على أن أي محاولة في هذا الاتجاه تمثل تهديدًا مباشرًا لمنظومة السلام الإقليمي، وقد تؤدي إلى موجات نزوح وهجرة غير مسبوقة نحو أوروبا، وفق ما جاء على لسان المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية.

ورغم أنها ليست المرة الأولى التي تتحدث فيها القاهرة عن ملف المهاجرين واللاجئين لديها، لكنها سابقة لم تتكرر أن يربط السيسي علنًا، وفي بيان منشور على صفحة المتحدث باسم الرئاسة على فيسبوك، بين مخططات تهجير سكان غزة، التي تتسارع بوتيرة كبيرة، وبين خطر تدفق المهاجرين غير النظاميين إلى القارة الأوروبية.

كثيرون قرأوا هذا الربط غير المسبوق باعتباره تحولًا ملحوظًا في الخطاب السياسي المصري، يعكس حالة قلق متصاعدة لدى القاهرة، خصوصًا بعد الإعلان عن العملية العسكرية الإسرائيلية لاحتلال مدينة غزة، ما فتح الباب على مصراعيه أمام حزمة من علامات الاستفهام التي أطلت برأسها باحثة عن إجابة حول دلالات هذه الرسالة: هل تستخدم القاهرة ملف الهجرة كورقة ضغط لإجبار الأوروبيين على التحرك ضد حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة؟ وهل يستجيب الاتحاد الأوروبي لمثل هذه الضغوط؟

السيسي يرفض تهجير الفلسطينيين محذرًا من تهديد السلام الإقليمي وموجات نزوح غير مسبوقة نحو أوروبا

التهجير.. خط أحمر مصري

منذ اندلاع الحرب على غزة، تبنت القاهرة موقفًا حازمًا تجاه مسألة تهجير الفلسطينيين، سواء إلى خارج القطاع أو إلى الأراضي المصرية تحديدًا، فقد صدرت عشرات البيانات الرسمية والتصريحات الإعلامية التي شددت على أن هذا الأمر يمس الأمن القومي المصري مباشرة، وبالتالي يمثل خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.

وسعت الدبلوماسية المصرية خلال الأشهر الأخيرة إلى التصدي لهذا المخطط، خاصة بعد أن بدأت تتكشف تفاصيله مع ما طرحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من خطة لتحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، وردّت القاهرة حينها بطرح مبادرة لإعادة إعمار القطاع مع بقاء سكانه داخله، وهي مبادرة لم تلقَ ترحيبًا من تل أبيب ولم تحظَ بقبول كامل من واشنطن.

وانطلقت مصر من موقفها الرافض للتهجير من مقاربتين أساسيتين، الأولى سياسية بحتة، حيث ترى أن تفريغ القطاع من سكانه يعادل عمليًا تصفية القضية الفلسطينية وإغلاق ملفها نهائيًا، بما يشكل خسارة تاريخية لا يمكن تعويضها، على غرار ما حدث خلال نكبة 1948.

أما المقاربة الثانية فخرجت إلى الأضواء مع تطورات الحرب الأخيرة وتجاهل إسرائيل التزاماتها في اتفاقية السلام، إضافة إلى تجاوزاتها على الحدود واحتلالها محور فيلادلفيا، ما دفع القاهرة إلى إضافة بعد أمني جديد لموقفها، معتبرة أن التهجير يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري والعربي على حد سواء، ومن هنا جاء التحرك الدبلوماسي المكثف على أكثر من مسار.

كابوس أوروبا المُقلق

لطالما كانت الهجرة غير النظامية مصدر قلق مزمن لأوروبا، إذ تجاوزت آثارها الجانب الاقتصادي إلى الأمني والسياسي والاجتماعي. فرغم إنفاق الاتحاد الأوروبي نحو 580 مليون يورو بين 2021 و2023 لدعم دول شمال إفريقيا في مواجهة هذه الظاهرة، لم تتوقف "قوارب الموت"، وإن تراجعت وتيرتها بفعل تشديد الإجراءات الأمنية.

كان هذا الملف حاضرًا وبشكل لافت في العديد من المؤتمرات التي دشنتها أوروبا خصيصًا لمناقشة هذا التحدي الذي تصدر اهتمامات الأوروبيين، شعوبًا وحكومات، من أبرزها قمة مولدوفا التي عقدت في حزيران/يونيو 2022، والتي شهدت إطلاق خطة "أوقفوا القوارب".

كذلك مؤتمر روما للتنمية والهجرة في تموز/يوليو 2023، والذي شارك فيه قادة وممثلو 21 دولة، بينهم رئيسة المفوضية الأوروبية وعدد من زعماء القادة العرب والأفارقة المعنيين بهذا الملف الذي وسع الاتحاد الأوروبي دائرته رأسيًا وأفقيًا لحسمه في أقرب وقت.

وعلى الصعيد العملي، فضّلت أوروبا التعامل الثنائي مع دول المنطقة، فعقد الاتحاد اتفاقية مع مصر في تشرين الأول/أكتوبر 2022 بقيمة 80 مليون يورو لدعم قدرات خفر السواحل ومراقبة الحدود، بعد أن أصبحت مصر ثاني أكبر مصدر للمهاجرين غير النظاميين بعد تونس، كما أبرم اتفاقيات مماثلة مع ليبيا وتونس.

مصر والاستثمار في الملف

مع تزايد تدفقات المهاجرين عبر أراضيها، وتأزم الوضعية الاقتصادية، حاولت القاهرة استثمار هذا الملف الحساس لتحقيق هدفين رئيسيين: الأول تعزيز موقعها أمام الأوروبيين وتعميق العلاقات بين النظام المصري وحكومات القارة العجوز، حيث قدم السيسي نفسه بوصفه "حارس البوابة الجنوبية" للقارة، والقادر على وقف رحلات الموت من السواحل المصرية إلى أوروبا، والثاني جني أكبر قدر ممكن من المكاسب الاقتصادية، أسوة بما فعلته تركيا التي تحصل سنويًا على 5 مليارات يورو من المفوضية الأوروبية على وقع ملف المهاجرين.

وبالفعل تُرجم هذا الدور الذي قامت به مصر باتفاقيات تمويل وتجهيزات مراقبة وإنقاذ بحري، فضلًا عن برامج تعاون سابقة منذ 2018 لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وخلق فرص عمل للشباب للحد من دوافع الهجرة، ووفق بعثة الاتحاد الأوروبي في القاهرة بلغ إجمالي الدعم الأوروبي لمصر في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية منذ 2017 نحو 241 مليون يورو.

تشير التقديرات هنا إلى أنه رغم هذه الجهود، بقيت النتائج محدودة، إذ لا تزال الظاهرة قائمة رغم القوانين المصرية الجديدة وتشديد العقوبات على المهاجرين والمتعاونين معهم.

مع تزايد الهجرة وتأزم الاقتصاد، سعت القاهرة لتعزيز موقعها أمام الأوروبيين وتعميق علاقاتها مع حكوماتهم

ورقة ضغط محتملة

على مدى الأعوام الأخيرة، لمّحت مصر غير مرة إلى الأعباء التي تتحملها نتيجة استضافة ما يقرب من 8 ملايين لاجئ ومهاجر على أراضيها، بتكلفة سنوية تصل إلى نحو 6 مليارات دولار.

وفي تصريحات رسمية متكررة، بداية من رأس الهرم السياسي في البلاد وصولًا إلى البرلمان مرورًا برئيس الحكومة، ألمحت القاهرة إلى أنها تتحمل عبئًا يفوق الدعم الدولي المقدم، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لتوظيف الملف للحصول على دعم مالي أكبر.

لكن مع التصعيد الإسرائيلي الأخير والاتهامات المتبادلة بين القاهرة وتل أبيب بشأن معبر رفح، قد تتجه مصر بالفعل إلى استخدام هذا الملف كأداة ضغط على الأوروبيين لدفعهم إلى التدخل لوقف مخططات التهجير، فهي تراهن على أن أوروبا، التي تعيش كابوس الهجرة غير الشرعية، قد تجد نفسها مضطرة للاستجابة لضغوط القاهرة.

غير أن هذا الرهان يواجه تحديات عدة، أولها أن أوروبا قد لا تكون مستعدة للتضحية بعلاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في سبيل ملف الهجرة، وثانيها أن القارة تعاني أصلًا من انقسامات حادة في مواقفها تجاه القضية الفلسطينية، ما يجعل تبني سياسة موحدة أمرًا صعبًا.

خيارات القاهرة.. بين أوروبا وتل أبيب

إثارة مصر لورقة الهجرة كوسيلة ضغط على الأوروبيين أثارت تساؤلات داخلية أيضًا: لماذا لا توجَّه هذه الضغوط مباشرة إلى إسرائيل بدلًا من التعويل على أوروبا؟ فالقاهرة تمتلك أوراقًا سياسية واقتصادية وأمنية قادرة، لو استُخدمت بفاعلية، على تغيير موازين القوى وإجبار تل أبيب على مراجعة حساباتها.

إلا أن مصر تتجنب الدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، بسبب مقارباتها الخاصة، مفضلة البحث عن أدوات ضغط أقل كلفة عبر الحليف الأوروبي، لكن هذا التعويل يبدو محدود الجدوى نظرًا لحسابات أوروبا المعقدة مع واشنطن وتل أبيب، فضلًا عن غياب الإرادة السياسية داخل القارة العجوز.

كلمات مفتاحية
لبنان

المفاوضات تحت اختبار الجبهة اللبنانية.. هل تعطل بيروت مسار واشنطن وطهران؟

تأجيل مفاوضات واشنطن وطهران يثير تساؤلات حول تأثير استمرار القتال في لبنان على مسار الهدنة

بيروت

تفاوض تحت النار مع إسرائيل.. هل تلتحق بيروت باتفاق واشنطن طهران؟

تحوّلت بيروت إلى قبلة المشهد الإقليمي والدولي، بعد اليوم الدموي الذي أعاد إلى الأذهان هجوم "البيجر" في 17 أيلول/سبتمبر 2024، مخلّفًا في إحصاء أولي غير نهائي أكثر من مئتي شهيد وألف جريح

طهران

تقدير موقف|اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران: دوافعه واحتمالات نجاحه

أعلن الجانبان الأميركي والإيراني، في 8 نيسان/ أبريل 2026، التوصل إلى اتفاق هدنة، توسطت فيه باكستان، وتضمّن تعليق الأعمال القتالية مدة أسبوعين، والبدء في مفاوضات، في إسلام أباد

بيروت
سياق متصل

تفاوض تحت النار مع إسرائيل.. هل تلتحق بيروت باتفاق واشنطن طهران؟

تحوّلت بيروت إلى قبلة المشهد الإقليمي والدولي، بعد اليوم الدموي الذي أعاد إلى الأذهان هجوم "البيجر" في 17 أيلول/سبتمبر 2024، مخلّفًا في إحصاء أولي غير نهائي أكثر من مئتي شهيد وألف جريح

لبنان
راصد

"الأربعاء الأسود".. حين تُرك اللبنانيون وحدهم أمام آلة الموت

أعاد "الأربعاء الأسود" إلى أذهان اللبنانيين أيامًا سوداء عاشوها، من انفجار مرفأ بيروت إلى واقعة تفجير أجهزة البيجر

طهران
سياق متصل

تقدير موقف|اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران: دوافعه واحتمالات نجاحه

أعلن الجانبان الأميركي والإيراني، في 8 نيسان/ أبريل 2026، التوصل إلى اتفاق هدنة، توسطت فيه باكستان، وتضمّن تعليق الأعمال القتالية مدة أسبوعين، والبدء في مفاوضات، في إسلام أباد

القمح
أعمال

مخاوف من "هدنة هشة" تدفع أسعار القمح إلى الارتفاع

أدى إعلان الهدنة بين إيران والولايات المتحدة إلى انخفاض أسعار القمح عالميًا، لكن العدوان الإسرائيلي على لبنان زاد المخاوف، فارتفعت أسعار الوقود وتأثرت بذلك أسعار القمح