التمويل بالإكراه.. بِدع الأسد في إنعاش خزينته

التمويل بالإكراه.. بِدع الأسد في إنعاش خزينته

مواطن سوري (فيسبوك)

كشف القرار الإداري الذي صدر عن رئاسة مجلس وزراء النظام السوري، والقاضي بحصر بيع السيارات والعقارات بالمصارف، عن عمق الأزمة التي تعاني منها وزارة مالية النظام في تأمين الموارد المالية اللازمة لتمويل نفقات الحكومة، الأمر الذي جعلها لا تتوانى عن السطو على أموال السوريين، والتعامل معها كرهينة.

مع تفاقم أزمة وزارة المالية السورية باتت تتعامل مع أموال السوريين كرهينة

صار على السوريين بموجب هذا القرار إيداع ثمن مبيعاتهم من السيارات والعقارات في أحد المصارف، بكل ما يحمله ذلك من قدرة النظام أو مؤسساته المالية على استخدام تلك الأموال في تمويل نفقات الحكومة، دون اضطرارها لدفع فوائد تلك الأموال ما دامت مودعة بصفة الحساب الجاري، الذي لا يستطيع صاحبه التصرف به، إلا بمقدار الخمس ملايين ليرة سورية المسموح سحبها من أي حساب جاري مماثل مهما بلغ مقداره.

اقرأ/ي أيضًا: الاقتصاد السّوري.. الانهيار المُخيف

في موقف لافت يُذكر بسلوك المستبدين الذين يلجؤون إلى السطو على أموال شركائهم في أوقات الأزمات الكبرى التي تعاني فيها خزائنهم من شح فاقع في السيولة، لا يكفّ بشار الأسد عن الخروج علينا بين الفينة والأخرى بقرارات الحجز الاحتياطي على أشخاص كانوا إلى وقت قريب بعيدين كل البعد عن شبهة التربح غير المشروع، كأباطرة مال مثل مخلوف وطريف الأخرس، فهل ثمة علاقة بين قرارات الحجز بتهمة التهرب الجمركي، والتهديد بمصادرة أموال أصحابها في حال أبدوا رغبة في التملص من الدفع.

في استعراض احتفالي لقوة اقتصاد الأسد على جلب الاستثمارات الداخلية ومن ثم القدرة على استثمارها، أعلن الوزير مأمون حمدان عن انطلاق أعمال المزاد العلني الأول لبيع سندات الخزينة العامة (شاهدات الاستثمار) لمدة لا تزيد عن السنتين وبفائدة مقدارها 6.7 %، لنكتشف أن خزينة الأسد قد حصلت على قروض من المصارف الخاصة قدرت قيمتها بـ 149 مليار ليرة سورية، فيما تتم العدة لإصدار مزاد علني آخر بنفس المبلغ، في فترة زمنية لا تتجاوز الستة أشهر. فما الذي جعل النظام يلجأ لاستقراض كل هذا المال وهو في وضع اقتصادي لا يؤهله لسداده، ناهيك عن سداد الفوائد المستحقة عليه؟ فهل يخطط النظام للاستيلاء عليها، أم يرغب حقًا بتنشيط القطاع المصرفي الذي يعاني من موت سريري؟ أم أن الأمر برمته لا يخرج عن تآمر المصارف الخاصة لجلب استثمارات الناس العاديين ليتم من خلالها تمويل تلك الشهادات التي لم تعد تساوي قيمة الحبر الذي طبعت به؟

يتساءل المرء عن السبب الذي يدفع النظام للجوء لمثل هذه الأساليب الاحتيالية، للحصول على أموال الناس المودعة في المصارف الخاصة، بدلًا من لجوئه لتمويل حاجاته عن طريق العجز، أي طبع المزيد من العملة، ليكتشف أن اللجوء للتمويل عن طريق العجز محفوف بمخاطر التسبب بمزيد من ارتفاع الأسعار تبعًا لقانون العرض والطلب، الذي يفيد بأنه كلما ارتفعت كمية النقود في السوق وقلّت في المقابل المواد المعروضة للبيع، كلما أدى ذلك إلى ارتفاع أسعارها. الأمر الذي قد يلحق أشد الضرر بقاعدته الشعبية التي، لم يزل يحرص على استرضائها في سبيل المضي لتثبيت سلطته عليها وعلى السوريين من جديد.

يميل النظام الاستبدادي لتمويل موازنته العامة عن طريق احتكاره لبيع الثروات الباطنية، وتوظيفها بما يخدم ترسيخ سلطته غير الشرعية

إن كان لسعر صرف العملة المحلية مقابل الأجنبية أن يعكس علاقة الاقتصاد المحلي بمثيله الخارجي، سواء لناحية قوته واستقراره، أو لناحية ضعفه وترهله، فإن تركيبة الميزانية العامة، خاصة الوزن النوعي لدور الضرائب المباشرة في تمويلها، يعكس إلى حد بعيد طبيعة النظام السياسي. ففي حين يميل النظام الديمقراطي لتمويل نفقاته العامة عن طريق الضرائب المباشرة على الدخل بكل أنواعه، كون دور الحكومة لا يتعدى جمع وتوظيف تلك الإيرادات ليتم إنفاقها على المجتمع من جديد، يميل النظام الاستبدادي لتمويل نفقات موازنته العامة عن طريق احتكاره لبيع الثروات الباطنية، والعمل على توظيفها بما يخدم ترسيخ سلطته غير الشرعية، سواء عبر تشجيعه على نهب المال العام، أو عبر تشجيعه على ابتزاز المواطنين عن طريق الرشوة.

اقرأ/ي أيضًا: الاقتصاد في حلب.. مهن الحرب أم مهن القسوة؟

في ظل ضعف قدرة نظام الأسد على تمويل ميزانيته العامة عن طريق الثروات الطبيعية، خاصة النفط الذي خرج من يديه من مدة طويلة مرة بفعل سيطرة داعش، ومرة بخضوعة لسلطة القوات الأمريكية المقيمة في شرق الفرات، وفي ظل ضعف قدرته على تمويلها عن طريق الضرائب المباشرة المتولدة عن الناتج المحلي، الذي تم تدميره بفعل سياسة الأرض المحروقة والتعفيش وسياسة التطهير العرقي، فإن الطريق الوحيد أمامه لتمويلها لن يكون سوى مزيد من الضغط على الموارد المحلية، سواء عبر لجوئه لفرض الرسوم والضرائب غير المباشرة، أو عبر لجوئه للأساليب الاحتيالية من شاكلة حصر بيع بعض السلع المعمرة عن طريق المصارف، أو العمل مستقبلًا على استبدال العملة المحلية والسطو على جزء منها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

"تشبيح" المصرف المركزي السوري

أملاك النظام السوري.. موسكو كمسرح لفساد عائلتي الأسد ومخلوف