التكنولوجيا عندما تتحوّل إلى أداة ابتزاز

التكنولوجيا عندما تتحوّل إلى أداة ابتزاز

سيمونا فيليشيز/ البيرو

هناك ذريعة تلتجئ إليها الحكومات وتنطلي على شعوبها بسهولة، وهي أنّه من حق أجهزة الدولة التجسس على الحسابات الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي، أو النبش في البريد الإلكتروني بدعوى مكافحة الإرهاب والجريمة المُنظمة.

أصبحت الدولة تنتهك خصوصيات الأفراد لأجل ابتزازهم، خاصة في حربها ضد القوى المناوئة لها

غير أنّ هذه الذريعة ليست أكثر من الشجرة التي أخفت الغابة، لأنّ الدولة أصبحت تنتهك خصوصيات الأفراد لأجل ابتزازهم كذلك، خاصة في حربها ضد القوى المناوئة لها من المعارضين السياسيين، أو من المثقفين النقديين والمتمردين.

اقرأ/ي أيضًا: غوغل.. الأخ الأكبر الجديد

هل من المعقول أن يتم وضع المثقف النقدي في نفس مقام الإرهابي الذي يخطط لتفجير نفسه وسط ساحة عمومية؟ إننا ننتمي إلى دول تنتهك حق المواطنين في حياة خاصة، ولأنّ مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت إلى حد ما جزءًا من خصوصيات الأفراد، وإلا ما الحاجة إلى كلمات سرية لأجل فتح حساب ما؟ وما الحاجة إلى أنظمة حماية هذه الحسابات، ما لم تكن هي في الأصل شكل جديد من الخصوصيات الفردية؟

في رواية "نحن" للروائي الروسي يفيغني زامياتين تخيّلت الرواية دولة دكتاتورية تحالفت فيها التكنولوجيا مع القمع، فخيّرت مواطنيها بين السعادة أو الحرية، وفي واقع الأمر ليس ذلك الخيار إلا شكل من الإلزام للسير وفق الخط الذي رسمته الدولة الواحدة، وما ميّز هذه المدينة السعيدة (؟) أنّها فرضت على مواطنيها السعداء (؟) نمطًا من العيش الذي يتّسم بالشفافية، فشيدت منازلَ وعماراتٍ زجاجية شفافة، فلم يعد في هذه المدينة ما يُمكن إخفاءه عن عين المُحسن (الزعيم الأكبر/ الدكتاتور – الإله). ما أقرب هذه الصورة إلى الواقع الذي نعيشه اليوم، حيث أصبحت عين الدولة تراقب حتى الدردشات الشخصية بين الناس، بل أصبحت تنبش داخل الحسابات الشخصية عن شيء خطير قد يهددها. وأكيد أنّ النخب المثقفة هي طرائدها السهلة، التي تمارس عليها قمعها المتعدّد، ولو على شكل ابتزاز.

من حق الأفراد امتلاك مساحات تخصهم فقط دون غيرهم، والاعتداء عليها بغية الابتزاز السياسي أو الضغط، هو ضرب من القتل الرمزي

إنّ تدخل الدولة في خصوصيات الأفراد هو انتهاك لحقوق الإنسان، ذلك أنّ من حق الأفراد امتلاك مساحات تخصهم فقط دون غيرهم، والاعتداء عليها بغية الابتزاز السياسي أو الضغط، هو ضرب من القتل الرمزي.

هنا نفهم بأنّ الدولة هي جهاز رقابي يمارس عنفه الرمزي على الأفراد، ويتجسد هذا العنف، أيضًا، من خلال توزيع مساحات الكلام والصمت؛ فالتحكم في وسائط التواصل الاجتماعي، بما تمنحه للأفراد من حرية (؟) للتعبير، تفرض عليهم ما يجب قوله وما لا يجب قوله. وفوق هذا، فإنّ ابتزاز الأفراد باستعمال معلومات شخصية أو بتلفيقها يدفعهم بالقوة إلى الركون إلى صمت مدوٍ.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كاثي أونيل: الرياضيات "ستربتيز" مجاني

السوشال ميديا بعد الرأسمالية.. كيف يمكن إنشاء فيسبوك اشتراكي؟