التكنولوجيا تتحدث باسم اللاجئين: هل يُغيّب الذكاء الاصطناعي صوت الضحايا؟
13 يوليو 2025
أثارت تجربة أطلقها مركز بحوث السياسات التابع لجامعة الأمم المتحدة (UNU-CPR) جدلًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية والإنسانية، بعد أن استخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتجسيد شخصيات لاجئين افتراضيين في إطار دراسة بحثية تهدف إلى استكشاف دور الذكاء الاصطناعي في الوقاية من النزاعات.
المشروع، الذي أُدرج ضمن مادة دراسية تحمل عنوان "الذكاء الاصطناعي للوقاية من النزاعات"، شكّل محور نقاشات أخلاقية ومهنية حادة بين الباحثين والجهات الفاعلة في العمل الإنساني.
محاكاة غير تقليدية لشخصيات افتراضية
قام فريق البحث، بقيادة البروفيسور إدواردو ألبريخت بالتعاون مع الباحثة إلينور فورنييه-تومبس، بإنشاء شخصيتين رئيسيتين باستخدام الذكاء الاصطناعي:
- أمينة: لاجئة سودانية تعيش في مخيمات تشادية، بعد فرارها من مدينة الجنينة المتأثرة بالعنف.
- عبد الله: قائد افتراضي ضمن قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب انتهاكات حقوقية واسعة في إقليم دارفور.
المشروع الذي أُدرج ضمن مادة دراسية تحمل عنوان "الذكاء الاصطناعي للوقاية من النزاعات"، شكّل محور نقاشات أخلاقية ومهنية حادة بين الباحثين والجهات الفاعلة في العمل الإنساني
تم استخدام منصة HeyGen لتوليد مقاطع فيديو تظهر الشخصيتين وهما تتحدثان بلغات ولهجات واقعية، بالاعتماد على نموذج GPT-4o mini من شركة OpenAI، وتقنية الاسترجاع المعزز بالمعلومات (RAG) التي تربط الشخصيات بقاعدة بيانات تحتوي على تقارير إنسانية من مصادر متعددة.
أهداف التجربة ومبرراتها
بحسب القائمين على المشروع، فإن الهدف الرئيس هو استخدام الذكاء الاصطناعي لسرد قصص محاكاة إنسانية يمكن أن تساعد في تدريب العاملين في المجال الإنساني، أو عرضها على الجهات المانحة لتوضيح آثار النزاعات المسلحة. كما تهدف الدراسة إلى استكشاف مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة السياقات الحساسة دون اللجوء إلى مقابلات حقيقية قد تعرّض الناجين للخطر.
في تجربة تقييم، أجابت "أمينة" على 20 سؤالًا استنادًا إلى استبيانات ميدانية، وحققت نسبة دقة بلغت 80%، ما اعتبره بعض الباحثين مؤشرًا على فعالية النماذج الرقمية في تقديم سرديات متماسكة.
انتقادات واسعة وتحفظات أخلاقية
ورغم الطابع التجريبي للمشروع، لم تمر الفكرة دون اعتراضات حادة. خلال ورشة عمل نظّمها فريق البحث، عبّر ممثلو منظمات إنسانية عن مخاوفهم من تحويل المعاناة الإنسانية إلى محتوى رقمي مُفرغ من المشاعر والسياق الحقيقي.
من أبرز الانتقادات:
- تشويه سرديات اللاجئين وتحويلها إلى نماذج نمطية تفتقد للعمق الإنساني.
- إمكانية إساءة استخدام الشخصيات في حملات دعائية أو سياسية.
- غياب الشفافية في مصادر البيانات المستخدمة لإنشاء الشخصيات الافتراضية.
- تغليب المنطق التقني على السياق الحقوقي، بما يضعف من قيمة الشهادات الحقيقية في العمل الإنساني.
أحد المراقبين علّق: "حين نحول الألم إلى نموذج رقمي محايد، نخاطر بتقويض التجربة الحقيقية التي تحملها الشهادات البشرية."
تساؤلات مفتوحة أمام المجتمع الدولي
تُطرح هذه التجربة أمام المجتمع الدولي كإشكالية أخلاقية حول مستقبل العمل الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي. فبينما يوفّر الذكاء الاصطناعي إمكانات كبيرة في تجميع وتحليل البيانات، إلا أن استخدامه لسرد القصص الإنسانية يثير تساؤلات عميقة:
- كيف نضمن عدم اختزال القضايا الحقوقية في محاكاة تقنية؟
- هل يمكن أن تحجب هذه الأدوات الصوت الحقيقي للمجتمعات المتضررة؟
- من يملك الحق في تصميم هوية وسردية لاجئ افتراضي؟
وبين الطموح العلمي والاعتراضات الأخلاقية، تقف تجربة "أمينة" و"عبد الله" كنقطة تحول في كيفية استخدام التكنولوجيا لأغراض إنسانية. وما بين دعم الابتكار والتحذير من تداعياته، يبقى التحدي الأكبر هو إيجاد توازن عادل يراعي كرامة الإنسان ويحافظ على صوت الضحايا الحقيقي في كل أزمة.