التقارب السعودي التركي مع أديس أبابا.. كيف تقرأه القاهرة؟
20 فبراير 2026
شهدت الساحة الإثيوبية خلال الأيام العشرة الماضية نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا حمل أبعادًا تتجاوز الإطار الثنائي، ليتقاطع بصورة مباشرة مع التحركات المصرية في منطقة القرن الأفريقي، التي تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحة تنافس إقليمي مفتوح على اعتبارات لوجستية وأمنية معقدة.
ففي ظل تصاعد أهمية البحر الأحمر وممراته الحيوية التي تتحكم في أكثر من خمس حركة التجارة العالمية، باتت أديس أبابا محورًا لتحركات سياسية تعكس إعادة تموضع للقوى الإقليمية وسعيًا لإعادة رسم موازين النفوذ في هذه البقعة الاستراتيجية.
وجاءت البداية مع زيارة وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود إلى إثيوبيا، حيث التقى برئيس الوزراء آبي أحمد في 11 فبراير/شباط، أعقبها بأيام قليلة وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 17 من الشهر ذاته. وأسفرت الزيارتان عن توقيع حزمة اتفاقيات تعاون في مجالات متعددة، بما يعكس تقاربًا متناميًا بين أديس أبابا وكلٍّ من الرياض وأنقرة.
غير أن التصريحات الصادرة عن آبي أحمد، ولا سيما ما يتعلق بمناقشة آليات دعم مساعي بلاده للحصول على منفذ بحري " بالوسائل السلمية"، حملت دلالات سياسية لافتة، خصوصًا مع تأكيده أن إثيوبيا "لن تبقى رهينة للجغرافيا"، في إشارة تعكس إصرارًا على إعادة صياغة موقع بلاده الجيوسياسي.
هذا الحراك الثلاثي عزز من المخاوف المصرية حيال انعكاساته المحتملة على مصالح القاهرة في القرن الأفريقي، سواء فيما يتعلق بملف سد النهضة وأمنها المائي، أو بأمن الممرات البحرية في البحر الأحمر.
فالتقارب الإثيوبي مع قوى إقليمية فاعلة، خاصة إذا ما كانت حليفة، يُقرأ في القاهرة باعتباره تطورًا قد يؤثر في معادلات التوازن القائمة، ويمنح أديس أبابا أوراق قوة إضافية في ملفات خلافية حساسة، ما يضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاستراتيجي تتطلب حسابات دقيقة من جميع الأطراف المعنية.
في ظل تصاعد أهمية البحر الأحمر وممراته الحيوية التي تتحكم في أكثر من خمس حركة التجارة العالمية، باتت أديس أبابا محورًا لتحركات سياسية تعكس إعادة تموضع للقوى الإقليمية وسعيًا لإعادة رسم موازين النفوذ في هذه البقعة الاستراتيجية
مقاربة القاهرة
تتبنّى القاهرة بصورة واضحة ومعلنة مقاربة صارمة تجاه أي تحركات إثيوبية تمسّ معادلة البحر الأحمر، وقد كرّرت الدبلوماسية المصرية التأكيد على أن ترتيبات "حوكمة البحر الأحمر" ينبغي أن تظل حصرًا على الدول المشاطئة، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاء جمعه برئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف في أديس أبابا قبل أيام من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وقد قُرئت هذه الرسالة، على نطاق واسع، باعتبارها تثبيتًا لخط أحمر مصري يرفض منح إثيوبيا موطئ قدم على البحر الأحمر، حتى دون توجيه اتهام مباشر أو تسمية دولة بعينها.
ويأتي هذا الموقف ضمن سياسة مصرية متسقة ترفض أي مسار يتيح لإثيوبيا الاقتراب من ساحل البحر الأحمر، انطلاقًا من اعتبارات تتصل بالأمن القومي وبحساسية التوازنات الإقليمية في واحد من أكثر الممرات البحرية استراتيجية.
كما تنظر القاهرة إلى مساعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري بمنظور مغاير جذريًا للرواية الإثيوبية؛ فبينما تقدّم إثيوبيا ذلك بوصفه مطلبًا اقتصاديًا وتنمويًا، ترى مصر أنه يحمل أبعادًا جيوسياسية تتجاوز الاقتصاد، ويرتبط بإعادة تشكيل خرائط النفوذ في البحر الأحمر واحتمالات توظيفه كورقة ضغط، سواء في سياق أزمة سد النهضة أو ضمن معادلات الأمن الإقليمي الأوسع.
وبناءً على ذلك، تميل القاهرة إلى تبنّي نهج "ردع مبكر" يقوم على رفض صريح ومعلن لأي خطوات من هذا النوع، وهو ما انعكس في التصريحات المصرية الأخيرة، خاصة مع تراجع منسوب الثقة بين الطرفين بعد سنوات من التعثر في مفاوضات سد النهضة، التي وصفها الجانب المصري بأنها وصلت إلى طريق مسدود.
وعلى مستوى أعمق، يعكس هذا التوتر تنافسًا أوسع على المكانة والقيادة داخل إفريقيا، بين مصر التي تستند إلى إرث تاريخي وثقل سياسي ممتد، وإثيوبيا التي تعتبر موقعها الجغرافي وثقلها الديموغرافي وموقعها داخل المؤسسات الإقليمية أدوات داعمة لطموح قاري تسعى إلى تكريسه.
إثيوبيا في المقاربة التركية السعودية
تنظر أنقرة والرياض إلى إثيوبيا بوصفها ركيزة مركزية في مقاربتهما تجاه القارة الإفريقية، بالنظر إلى موقعها الجيوسياسي في قلب القرن الإفريقي؛ وهي منطقة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن البحري، وخطوط الملاحة الدولية، وحسابات التوازن الإقليمي شديد الحساسية.
ومن هذا المنظور، تمثل أديس أبابا لصانع القرار في البلدين نقطة ارتكاز لوجستية وسياسية تفتح المجال للنفاذ إلى فضاء إفريقي أوسع، بات يحظى بوزن متصاعد داخل أجندات السياسة الخارجية التركية والسعودية خلال السنوات الأخيرة.
وانعكاسًا لهذه الرؤية، شهدت العلاقات التركية–السعودية–الإثيوبية في الآونة الأخيرة وتيرة نمو ملحوظة على مستويات متعددة، بما يعكس توجّه أنقرة والرياض نحو تعميق انخراطهما في إفريقيا ضمن سياسة "الانفتاح على القارة".
وعلى الرغم من أن الدافع الاقتصادي واللوجستي ظل عنصرًا مهيمنًا في مقاربات التقارب، فإنه لم يعد العامل الوحيد؛ إذ باتت الأبعاد السياسية والدبلوماسية أكثر حضورًا، في إطار سعي الطرفين لترسيخ موقعهما كفاعلين مؤثرين في معادلات القرن الإفريقي.
وفي السياق الأوسع، تنظر السعودية وتركيا إلى القرن الأفريقي باعتباره نقطة ارتكاز ضمن عقيدتهما الاستراتيجية لحماية الممرات المائية الحيوية، بما يخدم مصالحهما الاقتصادية ويعزز اعتبارات الأمن القومي.
وتكتسب المنطقة أهمية خاصة لكونها امتدادًا مباشرًا لهواجس متصلة بأمن البحر الأحمر والمحيط الهندي، وبحركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، ما يجعل توثيق الحضور فيها جزءًا من هندسة نفوذ أوسع تتجاوز حدود التعاون الاقتصادي التقليدي.
دبلوماسية حذرة
في ظل اتساع فجوة الرؤى بين مصر وإثيوبيا على خلفية ملفي سدّ النهضة والبحر الأحمر، تجد أنقرة والرياض نفسيهما أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية في مرحلة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل لتوازنات البر والبحر.
فإثيوبيا تتعامل مع السعي إلى منفذ بحري باعتباره مطلبًا استراتيجيًا ولوجستيًا غير قابل للتراجع، وتطرح مقاربة لمياه النيل تعزز من تصوراتها لحقوق أكبر بما ينعكس على حصة مصر، في المقابل تتمسك القاهرة بموقف ردعي واضح يرفض تغيير الوضع القائم، مؤكدة حقها الكامل في الموارد المائية وفق الأطر والاتفاقيات المنظمة.
ويضع هذا المشهد الإقليمي المعقد تركيا والسعودية عند مفترق طرق دقيق، حيث تتقاطع مصالح الحلفاء وتتصادم طموحات الأطراف في لحظة سياسية وأمنية واقتصادية حرجة.
ومن ثم تميل أنقرة والرياض إلى تبنّي دبلوماسية حذرة تقوم على إدارة التناقضات بدل تفجيرها، عبر إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، وتغليب مسارات التفاوض التي يمكن أن تُقرب وجهات النظر دون الاصطدام المباشر بأي من الأطراف، وبما يسمح بتحويل النفوذ والعلاقات إلى أدوات تهدئة لا إلى عناصر استقطاب.
وتمنح هذه المقاربة البلدين موقعًا يتيح الحفاظ على علاقات متوازنة مع اللاعبين المعنيين، بما يوفّر هامش حركة داخل بيئة تتسم بتعارض المصالح وتعدد مراكز التأثير.
وفي الوقت نفسه، يظل التحدي الحقيقي أمام أنقرة والرياض هو صياغة مسار دبلوماسي متوازن يحمي مصالحهما ويصون صورتهما كوسيط قادر وفاعل في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، دون التفريط في ثقة أي طرف، وهو تحدٍّ يزداد تعقيدًا مع حضور فاعلين آخرين في المشهد الإقليمي قد يدفعون باتجاه مقاربات مغايرة أو منافسة.
في ظل اتساع فجوة الرؤى بين مصر وإثيوبيا على خلفية ملفي سدّ النهضة والبحر الأحمر، تجد أنقرة والرياض نفسيهما أمام اختبار سياسي بالغ الحساسية في مرحلة تشهد فيها المنطقة إعادة تشكيل لتوازنات البر والبحر
كيف تقرأ القاهرة هذا التقارب؟
تقرأ القاهرة التقارب السعودي–التركي مع إثيوبيا عبر مجموعة محاور متداخلة، يتصدرها ملف سدّ النهضة ومياه النيل.
وفي التقدير المصري، يبقى السؤال الحاسم في أي انفتاح على أديس أبابا: هل يفضي هذا التقارب إلى تعزيز أوراق إثيوبيا التفاوضية أو توفير مظلة سياسية اقتصادية تخفّف الضغوط الدولية والإقليمية باتجاه اتفاق ملزم لقواعد الملء والتشغيل؟
ووفق هذا المنطق، تتعامل مصر مع التقارب بوصفه واقعًا ينبغي التعامل معه وإدارته، لا باعتباره اصطفافًا عدائيًا مباشرًا، لكنها في المقابل تظل شديدة الحساسية لأي دعم قد ينعكس في صورة تشدد إثيوبي داخل مسار التفاوض المائي.
ويتصل المحور الثاني بالاعتبارات الاستراتيجية الأوسع، إذ تنظر القاهرة إلى ديناميات البحر الأحمر والقرن اليقي باعتبارها جزءًا من معادلة الأمن القومي، في ظل تصاعد التنافس على الموانئ وخطوط الملاحة ومجالات النفوذ.
ومن ثم تُدرِج مصر تنامي المصالح السعودية والتركية في هذه الجغرافيا ضمن عملية إعادة تشكيل توازنات إقليمية جارية، مع حرصها على ألا تكون خارجها؛ فهي تراهن على عمق روابطها مع الخليج، وعلى مسار تحسين العلاقات مع أنقرة، إلى جانب توسيع شبكة الشراكات في محيط البحر الأحمر لتقليل احتمالات نشوء ترتيبات قد تُضعف موقعها أو هامش حركتها.
وعليه، تميل القراءة المصرية إلى الجمع بين البراغماتية والحذر، فالقاهرة تدرك أن دوافع التقارب قد تكون في معظمها اقتصادية وأمنية، أكثر من كونها موجهة ضدها، لكنها تعمل في الوقت نفسه على منع تحوله إلى رافعة ضغط في ملف النيل.
لذلك تقترب السياسة المصرية من مقاربة “احتواء المخاطر” عبر تنشيط القنوات الدبلوماسية، وتنويع التحالفات الإقليمية، وربط تقييم أي تقارب مع إثيوبيا بما يتركه من أثر مباشر أو غير مباشر على مسار التفاوض حول السد وترتيباته.