التعيين بين الدولة والقرابة: كيف تكشف الوظيفة شكل السلطة في سوريا
7 فبراير 2026
بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، وانتقال العمل الإداري إلى حكومة مؤقتة، تُقرأ التعيينات بوصفها ملفًا إداريًا، إلى جانب كونها أول مساحة تظهر فيها طبيعة السلطة بعد الحرب. فقبل الدستور والانتخابات وإعادة الإعمار، تتشكّل الدولة فعليًا في قرارات تبدو صغيرة، مثل: من يوقّع باسمها، من يمثّلها في الخارج، ومن يملك حق اتخاذ القرار داخل الجهاز، أو من يعيّن الإدارات الصغيرة.
لذلك، فإن موجات التعيين التي طاولت مواقع وزارية ودبلوماسية حساسة في المدة الأخيرة، ولا سيما حين شملت أقارب أو أصهار شخصيات نافذة، ليست مجرّد جدل أخلاقي حول المحسوبية، بل تمثل مؤشرًا مبكرًا على نموذج الحكم الذي يتبلور في دمشق، بحيث تتشكّل لدى السوريين نظرة حول ما إذا كان سيُبنى جهاز عام مستقل، أم ستُعاد تركيب السلطة عبر شبكة ثقة شخصية.
جدل الكفاءة والاستحقاق
يظهر في الدول الخارجة من النزاع، عمومًا، توترٌ دائم بين منطق الاستحقاق، حيث يصبح المنصب وظيفة عامة مؤقتة تشغلها الكفاءة المهنية وتبقى مستقلة عن الأشخاص؛ وبين منطق الطمأنة السياسية، حيث تتحول الوظيفة إلى ضمانة داخل دائرة الحكم.
أما في سوريا، وبعد سنوات من التفكك المؤسسي والانقسام الأمني والعسكري، وتغوّل حزب البعث العربي الاشتراكي في مفاصل إدارات الدولة، فتبدو الحاجة إلى الثقة وبنائها أكثر تفهّمًا وضرورة؛ إذ تخشى السلطة الجديدة أجهزةً لم تُختبر ولاءاتها بعد، ولا تثق إلا بجهازها القديم الموجود في إدلب. لكن حين تصبح الثقة معيار الاختيار الأساسي، يتحول الجهاز الإداري من مؤسسة دولة إلى نظام أمان سياسي، ويميل الميزان هنا على حساب الكفاءة لمصلحة الأمان.
المفارقة أن الجدل العام يدور غالبًا حول كفاءة الأفراد؛ من قبيل: هل يحملون شهادات؟ هل يتحدثون لغات؟ هل يمتلكون خبرات خارجية؟ هل سبق لهم أن دخلوا معترك الحياة المهنية؟ هل يتمتعون بكاريزما إدارية؟ غير أن المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك؛ إذ إن الدولة الحديثة التي تسعى الحكومة السورية المؤقتة إلى تقمّص نهجها لا تُبنى بكفاءة الأشخاص، بل بقابلية الإجراءات للتكرار. أي أن الشرعية تأتي من مسار واضح يتمثل في الإعلان عن شاغر، والتنافس على التقديم، والتقييم العادل، ثم المفاضلة والاختيار.
وحتى لو عُيّن الشخص ذاته في النهاية، فإن المرور عبر آلية مفتوحة يخلق سلطة للقواعد لا للأفراد. أما في غياب هذه الآلية، فيصبح القرار صحيحًا ونافذًا فقط لأنه صدر ويجب الالتزام به دون اعتراض، لا لأنه مرّ عبر نظام يمكن التحقق منه. وهنا تنتقل سوريا من إعادة بناء المؤسسات إلى إعادة بناء مركز القرار.
في سوريا، وبعد سنوات من التفكك المؤسسي والانقسام الأمني والعسكري، وتغوّل حزب البعث العربي الاشتراكي في مفاصل إدارات الدولة، فتبدو الحاجة إلى الثقة وبنائها أكثر تفهّمًا وضرورة
بين المعرفة والخبرة
تتضح خطورة ذلك في الفرق بين المعرفة والخبرة المؤسسية؛ إذ إن الشهادة الأكاديمية تمنح شرعية رمزية للدولة الجديدة، لكنها لا تعوّض ذاكرة الجهاز التي تآكلت خلال الحرب. فالدبلوماسية، والوزارات السيادية، وإدارة التفاوض الدولي تقوم جميعها على تراكم طويل من الممارسة، لا على القدرة النظرية، ولا على الإملاءات، ولا على الجلسات، ولا على شبكات العلاقات العامة، ولا على إمبراطوريات النفوذ والمال والسمعة. وبالتالي، فإن إدخال كوادر جديدة مباشرة إلى القمة لا يُجدّد الإدارة بقدر ما يقطع استمراريتها، لأن المؤسسة تفقد خبرتها في لحظة هي أحوج ما تكون فيها إلى الاستمرارية. وهكذا يظهر جهاز يبدو حديثًا في الشكل، لكنه بلا ذاكرة إجرائية، أي دولة من دون تقاليد عمل.
هنا يبرز التناقض بين الشرعية الثورية والشرعية المؤسسية؛ ففي المراحل الانتقالية تعتمد السلطات الجديدة على الثقة لتعويض هشاشة الجهاز، وهو نمط عرفته معظم الدول الخارجة من الحروب. غير أن الفرق بين مرحلة انتقالية ونظام حكم دائم، وبين إدارة ظرفية وقوانين حكم رشيد، يتحدد بقدرة السلطة على تقييد نفسها لاحقًا. وبالمحصلة، إذا استمرت التعيينات السياسية بعد بدء الاستقرار، فإن الثورة لا تتحول إلى دولة، بل تبقى آلية حكم، وعندها يصبح الولاء مصدرًا للشرعية لا القانون.
ويظهر الأثر سريعًا في السياسة الخارجية السورية؛ فالدبلوماسية ليست مجرد امتداد للخطاب السياسي، بل جهاز تفاوض طويل النفس، يعتمد على ذاكرة تفاوضية وشبكات اتصال تراكمية مع الدول والمنظمات. وعندما تُدار هذه المساحات بمنطق الثقة، تتحول إلى ردّ فعل على الأحداث أكثر من كونها سياسة قائمة بذاتها. عمومًا، لا يقرأ الخارج الخطابات التقليدية والرنانة في القاعات الدولية، بل يقيس قابلية التنبؤ بالسلوك، وهذه القابلية لا يوفرها الممثل السياسي، بل المؤسسة المستقرة. لذلك، فإن اختيار ممثلين بلا مسار مهني واضح يرسل إشارة عن طبيعة الدولة أكثر مما يرسل عن كفاءة الأفراد: دولة مركز قرار، لا جهاز سياسة.
ومع تراكم هذه الممارسات، يبدأ نمط مألوف في التاريخ السوري بالظهور مجددًا: الدولة بوصفها تحالف ولاءات. تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة لدمج النخبة داخل السلطة، لا إلى أداة لخدمة المجال العام. ويكون الاستقرار الناتج عن ذلك سريعًا، لكنه هشّ، إذ يعتمد على تماسك الشبكة لا على قوة القواعد. وحين تتغير موازين القوة داخل هذه الشبكة، تتفكك الإدارة معها، لأن المؤسسات لم تُبنَ أصلًا لتعيش خارج الأشخاص.
بدأ نمط مألوف في التاريخ السوري بالظهور مجددًا: الدولة بوصفها تحالف ولاءات. تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة لدمج النخبة داخل السلطة
التزكية والتبرير
في علم الإدارة، لا تُفهم عبارات مثل "أنا أعرفه وأزكّيه، وشهادتي مجروحة به" بوصفها مجاملة اجتماعية فقط، بل تذهب أبعد من ذلك لتصبح آلية اختيار كاملة، تقوم على الاستعاضة عن التحقق المؤسسي بالضمان الشخصي؛ أي نقل عملية التوظيف من تقييم قائم على قواعد إلى علاقة ثقة بين أفراد. هنا ينتقل القرار من ثقة مبنية على القانون (rule-based trust) إلى ثقة مبنية على القربى (relationship-based trust). فالمسؤول لا يختبر الكفاءة عبر معايير قابلة للمراجعة، بل يضع سمعته مكان النظام، وبذلك لا تحصل المنظومة الإدارية على معلومة مهنية واضحة، إذ يصبح الضامن جزءًا من القرار نفسه.
هذا النمط يبدو فعالًا على المدى القصير، لأنه سريع، ويوفّر طمأنينة سياسية، ويقلّل احتمال الخيانة؛ لذلك يظهر في الدول الخارجة من النزاعات، أو في الشركات العائلية، أو في الأجهزة الأمنية. لكنه يغيّر وظيفة المنصب؛ فشاغله يصبح مدينًا لراعيه لا للمؤسسة، ويتحوّل القرار الإداري إلى شبكة التزامات متبادلة. حتى عبارة "شهادتي مجروحة به" لا تعبّر عن نزاهة مؤسسية، بل عن بديل لآليات النزاهة، لأن الحوكمة الحديثة تقوم على الرقابة، والفصل بين الصلاحيات، وقابلية التدقيق، لا على سمعة الفرد. ولهذا تفرّق أدبيات الحوكمة والحكم الرشيد بين الاختيار الموثوق والاختيار القابل للمراجعة.
قد تنتج التزكية شخصًا جيدًا، لكنها لا تنتج نظامًا جيدًا، لأنها غير قابلة لإعادة الإنتاج. وعندما تتوسع التعيينات المعتمدة على التزكية، تتحول الإدارة إلى جهاز يعمل بالضامنين لا بالقواعد، فتُحل المشكلات عبر الاتصالات، وشبكات التفاهمات، والجلسات التقليدية، لا عبر المؤسسات؛ أي تصبح التزكية، إداريًا لا أخلاقيًا، بديلاً عن المؤسسة. وكلما نجحت هذه الآلية على المدى القصير، أخّرت ولادة جهاز قادر على العمل من دونها.
يبقى المهم أن المعيار الحاسم يتعلّق بطبيعة هذه التعيينات: هل هي تدبير مؤقت أم نمط دائم؟ فالحكومات الانتقالية، عمومًا، تحتاج قدرًا من الثقة السياسية في بدايتها، لكن لحظة قيام الدولة تبدأ عندما تغدو هذه الثقة غير لازمة، ويحل محلها الإجراء العام. وعندما لا تتحول التعيينات إلى آليات قابلة للتطبيق على الغرباء قبل المقرّبين، فإن ما يتشكّل في سوريا لا يكون جهازًا عامًا، بل صيغة حكم جديدة تُدير الدولة القديمة بأسماء مختلفة.