التطرف في رمضان.. من ينهي التكفير؟

التطرف في رمضان.. من ينهي التكفير؟

أمسية رمضانية في بيروت (أ.ف.ب)

اعتدنا في شهر رمضان أن يجمع الشّهر بين مختلف الدّيانات، فالمسلم، صاحب المناسبة، يعايد أخاه المسيحي أو اليهودي، والمسيحي يجهد في مسايرة المسلم، فيصوم معه أو يدعوه على الإفطار، كشعورٍ منه بأهمّية هذا الشّهر الفضيل.

يستغل بعض المشايخ الشهر الفضيل، لاستثمار عدد الحضور الكبير في المسجد، لسوق استراتيجيات وتمرير رسائل متعددة، من الجهاد إلى حروب الأنظمة وتمجيد الحاكم

في جولةٍ في شوارع بيروت، بهدف استطلاع الأجواء الرّمضانية، يسهل على المراقب أن يرى حجم التّطرّف الحاصل، الخطاب في المساجد تحوّل من خطاب تسامحٍ إلى خطابٍ يحمل في طيّاته دعوات الكراهية، رائحة الموت تفوح من المنابر، يستغلّ بعض المشايخ الشّهر الفضيل، لاستثمار عدد الحضور الكبير في المسجد، لسوق استراتيجيات وتمرير رسائل متعدّدة، من الجهاد إلى حروب الأنظمة وتمجيد الحاكم.

اقرأ/ي أيضًا: الجزائريون والتدين.. عودة الاعتدال؟

"عزيزي الصّائم، حافظ على قدسية الشّهر ولا تخدشها بمجاهرتك بالمعصية"، اليافطة دون توقيع، رُفِعت في بيروت، لم تتبنّها أي جهةٍ دينية أو رسمية، عُلّقت وتحمل رسالةً واضحة، تنهي المفطر عن تناول الطّعام في العلن، بحجّة المعصية، غير آبهةٍ بتنوّع المجتمع اللبناني، المسيحي اليوم غير ملزمٍ بالصّيامٍ، لا يعنيه صوم رمضان ولم يرفع يافطاتٍ تُجبر النّاس على الصّوم في أيام صومه، المفطر لأسبابٍ مرضية مجبر أن يأكل، وهذه ليست معصية، المسافر مسموح له الأكل، وأيضًا ليست معصية، حمل عصا التّرهيب والتّطرف الدّيني سيزيد المتطرّف تطرّفًا، وصاحب العقيدة المتحرّرة تحرّرًا من التّعاليم الدّينية، أي أن المجتمع سيشهد انقسامًا عموديًا، بين من يحاول تنصيب نفسه ممثلاً حصريًا للشرعية الإلهية، يشرّع ويكفّر، يسامح ويحرّض، يحلّل ويحرّم، وبين من ترك تعاليم الدّين وفرائضه، والانقسام العمودي يعني ضمنيًا التّمهيد لاقتتال آتٍ لا محالة تتوفر فيه القيادة التحريضية التقليدية، والمؤمنون بعقيدة القيادة من أبناء الطبقات في أدنى سلم الانقسام العمودي ووسطه.

"المجاهرة بالفطر في نهار رمضان لا يدخل ضمن الحرية الشخصية للإنسان، بل هي نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام، لأن المجاهرة بالفطر في نهار رمضان مجاهرة بالمعصية، وهي حرام فضلًا عن أنها خروج على الذوق العام في بلاد المسلمين، وانتهاك صريح لحرمة المجتمع وحقه في احترام مقدساته"، هذا ما كتبته صفحة "دار الإفتاء المصرية" على موقع "فيسبوك"، ضاربةً بعرض الحائط العيش المشترك المسيحي-الإسلامي في مصر، مع أن هذا التّعميم ينسحب على لبنان وغيره من البلدان.

اقرأ/ي أيضًا: "أسلمة" التطرف

حدّدت الدّار معايير الحرية الشّخصية، فالفطر ليس حرّيةً شخصية، لكن التّكفير يندرج في إطار الحرّية، عدم الصّوم معصية، بينما عدم الصّوم عن التّحريض والتّكفير من على المنابر برأيهم هو عين الدّين والهداية، أما مصطلح "بلاد المسلمين"، ففضفاض بحدّ ذاته، لبنان ليس بلدًا إسلاميًا، سوريا أيضًا، والدّساتير تضمن حرّية المعتقد والتّعبير، أي أن من حقّ المفطر، أو غير المسلم، مقاضاة المروجين للخطاب التّحريضي ورافعي اليافطات.

شهر رمضان للجميع، في قيمه يحمل الحب والتّسامح والتّلاقي، يتساوى فيه الغني مع الفقير، ويجتمع على موائده الجميع، بثّ التّفرقة في هذا الشّهر يجرّده من أهدافه، ويرفع عنه قيمه وصفاته، ليصم الصّائم، وليفطر المفطر، فالقرار شخصي، والصّوم ليس بالإجبار، صيام شهر رمضان هو صيامٌ عن الخلل الأخلاقي لا الطّعام والشّراب فقط.

اقرأ/ي أيضًا:

مقدونيا.. الإسلام المعتدل في زمن "الخلافة"!

فيلم "بين المؤمنين".. صناعة التطرف في باكستان