التصعيد الأميركي ضد فنزويلا.. تداخل الأجندة والفاعلين
28 ديسمبر 2025
سلطت صحيفة نيويورك تايمز الضوء، في تقرير مطوّل، الضوء على الكيفية التي تصدّرت بها فنزويلا أجندة السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية هذا العام، إلى حدّ احتمال نشوب حرب في البحر الكاريبي بين واشنطن وكاراكاس.
وكشف تقرير نيويورك تايمز جانبًا من المداولات السرية داخل البيت الأبيض حول الملف الفنزويلي، وأوضح التقرير طبيعة الفاعلين الرئيسيين في الملف والذين، كانوا خلف التصعيد ضدّ نظام الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وبقدر ما كان ثمة محرّضون على التصعيد كان هنالك طرف آخر يحسب حسابات الخسارة التي يمكن أن تُمنى به المصالح الأميركية في فنزويلا، ويتعلق الأمر أساسًا بشركة شيفرون التي تمسّكت، لعقودٍ طويلة، بميزةٍ فريدةٍ في صناعة النفط العالمية عبر الحصول على إذنٍ من حكومتيْ الولايات المتحدة وفنزويلا لإنتاج وتصدير النفط في مشاريع مشتركة، حيث حذّر مدير الشركة الأميركية من أن يؤدي انسحابها من سوق النفط الفنزويلي إلى ترْك الساحة كاملة للشركات الصينية علمًا بأن الصين تعدّ المستورد الأكبر للنفط الفنزويلي، وتستحوذ على حصة ضخمة تتراوح بين 80% إلى 90% من صادرات فنزويلا النفطية عبر أخطبوط من الشركات المستقلة والسفن المصنّفة أميركيًا ضمن أسطول الظل الفنزويلي.
ولذلك ليس مستغربًا أن تصبح شركة شيفرون ورقة ضغطٍ، هذا العام، في جولاتٍ سريةٍ من المفاوضات بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الفنزويلي مادورو والمشرّعين الأميركيين، مع الإشارة إلى أن هذه المفاوضات، التي اعترف ترامب بوجودها، ارتبطت بخطوةٍ محوريةٍ من جانب إدارة البيت الأبيض نحو العمل العسكري بعد الضربات التي طالت السفن والزوارق في الكاريبي والمحيط الهادئ، والانتقال إلى احتجاز السفن الفنزويلية في المياه الإقليمية ومصادرة حمولتها من النفط.
تكشف التفاصيل الجديدة التي نشرتها نيويورك تايمز عن المداولات التي دارت في أروقة البيت الأبيض، وكيف دفع مساعدون لترامب، ذوو أجندات متداخلة، الولايات المتحدة نحو مواجهة عسكرية مع فنزويلا
يشار إلى أنّ تقرير نيويورك تايمز استند حسب معدّيه على مقابلات مع مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، وافق معظمهم على التحدث شريطة عدم الكشف عن هويتهم، وذلك مراعاةً لحساسية مسائل الأمن القومي.
الأجندة المتداخلة للفاعلين
تكشف التفاصيل الجديدة التي نشرتها نيويورك تايمز عن المداولات التي دارت في أروقة البيت الأبيض، وكيف دفع مساعدون لترامب، ذوو أجندات متداخلة، الولايات المتحدة نحو مواجهة عسكرية مع فنزويلا. ويبرز في طليعة هؤلاء الفاعلين وزير الخارجية الأميركي من أصل كوبي، ماركو روبيو، بالإضافة لمجموعة من المشرعين الذين يشتركون أيضًا في الأصول الكوبية والمعروفين بعدائهم لليسار وللأنظمة المحسوبة عليه في أميركا اللاتينية.
وكانت البداية، حسب تقرير نيويورك تايمز، في إحدى ليالي الربيع في المكتب البيضاوي، عندما سأل ترامب وزير الخارجية ماركو روبيو، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه فنزويلا وكوبا، عن كيفية تشديد الخناق على فنزويلا، ولم يكن سؤال ترامب من فراغ بل جاء بعد يوم واحد من حث المشرعين الأميركيين من أصل كوبي للرئيس ترامب على تشديد الخناق على كاراكاس عبر وقف عمليات شركة شيفرون النفطية في فنزويلا، وكان ترامب مرغمًا نوعًا ما على مجاراتهم لأنه كان بحاجة إلى أصواتهم في الكونغرس لتمرير مشروع قانونه الرئيسي للسياسة الداخلية.
ولم يكن ترامب، حسب نيويورك تايمز، مرتاحًا في ذلك الوقت لخسارة آخر موطئ قدم أميركي في سوق النفط الفنزويلية عبر إنهاء عقود شيفرون التي ضغطت بدورها لمنع إخراجها من فنزويلا.
وانتهى الاجتماع الذي انعقد في البيت الأبيض بحضور مجموعة من دائرة ترامب المقربة بمن فيهم مستشاره الخاص للأمن الداخلي ستيفن ميلر إلى "ضرورة إضعاف مادورو، واستخدام القوة العسكرية ضدّ عصابات المخدرات، وتأمين وصول الشركات الأميركية إلى احتياطيات النفط الهائلة في فنزويلا".
بعد شهرين من ذلك الاجتماع وقّع ترامب توجيهًا سريًا يأمر البنتاغون بتنفيذ عمليات عسكرية ضد عصابات المخدرات في أميركا اللاتينية، ودعا تحديدًا إلى شنّ ضربات بحرية. ورغم أن المبرر كان المخدرات بشكل عام، إلا أن العملية ستركّز قوة نارية بحرية هائلة قبالة سواحل فنزويلا. وقد أسفر ذلك عن حملة ضغط متزايدة الطابع العسكري تهدف إلى إزاحة مادورو من السلطة. يشار إلى أن الضربات الأميركية ضد السفن في الكاريبي أدت إلى مقتل أكثر من 100 شخص، وقد وصفتها منظمات حقوقية بأنها "عمليات إعدام خارج نطاق القانون". وتطورت الضربات لاحقًا إلى حصار بحري وسط تلويح من ترامب باقتراب الضربات داخل الأراضي الفنزويلي وتأكيده المستمر بأن أيام مادورو في الحكم باتت معدودة.
وتعتقد نيويورك تايمز أنّ تداخل العمليات الأميركية في الكاريبي مرده تداخل أهداف روبيو وميلر حيث انطلق كل منهما من التركيز على أهداف قديمة هي بالنسبة لروبيو، نجل المهاجريْن الكوبيين والذي يشغل أيضًا منصب مستشار الأمن القومي لترامب، إسقاط أو شلّ حكومتيْ فنزويلا وحليفتها كوبا؛ وبالنسبة لميلر، أحد مهندسي سياسات ترامب المناهضة للهجرة، تعزيز هدفه المتمثل في عمليات الترحيل الجماعي وضرب الجماعات "الإجرامية" في أميركا اللاتينية.
وبالعودة إلى قضية النفط التي تمثّل محورًا رئيسيًا في الاستراتيجية الأميركية، يشار إلى أنّ السلطات الفنزويلية ردّت على التحركات الأميركية بشأن سحب تراخيص شيفرون في شباط/فبراير 2025 بوقف استقبال رحلات ترحيل الفنزويليين، التي سبق لنظام مادورو أن وافق عليها في 31 كانون الثاني/يناير من نفس العام.
لكنّ الخطوة الأميركية لم تُثر فقط حفيظة الفنزويليين التي اعتبروها مؤشرًا على تصعيد أكبر قادمًا، بل استدعت أيضًا ممارسة مايك ويرث، الرئيس التنفيذي لشركة شيفرون، ضغوطًا على الإدارة لتمديد الترخيص، وقد تحدث مايك ويرث مع ترامب عدة مرات خلال الأشهر التالية.
ولمّا علم المشرعون الأميركيون من أصل كوبي بإمكانية تمديد الترخيص، هددوا بالامتناع عن التصويت على مشروع قانون ترامب الرئيسي للسياسة الداخلية المسمّى "قانون واحد كبير وجميل".
وبالفعل لم يُجدد ترامب ترخيص شركة شيفرون عند انتهائه في 27 أيار/مايو، وبعد خمسة أسابيع، أقرّ الكونغرس مشروع قانون ترامب الخاص بالسياسة الداخلية.
لكن في أواخر شهر تموز/يوليو، تراجع ترامب عن موقفه بشأن ترخيص شيفرون، وأمر وزارة الخزانة بإصدار ترخيص جديد بشروط مُعدّلة. وتزامن ذلك مع إطلاق سراح مادورو لعشرة سجناء أميركيين مقابل أكثر من 250 فنزويليًا أرسلتهم إدارة ترامب إلى سجن سيكوت في السلفادور. وكان ذلك مؤشرًا على اقتناع ترامب بحجة مايك ويرث بأن شركة شيفرون تشكل حصنًا منيعًا ضد الصين في فنزويلا.
ومع ذلك تعتقد نيويورك تايمز أن ترامب رسم في الخفاء مسارًا للمواجهة مع فنزويلا بتوقيعه 25 تموز/يوليو أمرًا سريًا يأمر البنتاغون باتخاذ إجراءات ضد جماعات تهريب المخدرات، ما أدى إلى استهداف الفنزويليين وهو ما تطور لاحقًا إلى حصار بحري وسط تهديد بضرب الداخل الفنزويلي وبالتالي إعلان شن حرب مباشرة ضد نظام مادورو.