التسعيرة الموحدة للكهرباء في مصر.. استنزاف جديد لجيوب المصريين
22 ابريل 2026
فجأة، ودون تمهيد أو إنذار مسبق، وجد كثير من المصريين أنفسهم منذ مطلع نيسان/أبريل الجاري أمام كلفة أعلى لشحن الكهرباء مقارنة بالأشهر السابقة، في مشهد أثار ارتباكًا واسعًا وفتح باب التساؤلات حول أسباب هذه الزيادة المفاجئة، ولم يلبث الأمر طويلًا حتى تكشف أن ما جرى يعود إلى قرار صادر عن وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة بتطبيق ما يُعرف بـ"سعر الكهرباء الموحد".
الوزارة شرعت في تنفيذ هذا القرار على المشتركين بنظام العدادات الكودية، وهو النظام المُفعّل في مصر منذ عام 2011، بحيث جرى احتساب سعر الكيلووات/ساعة عند 2.74 جنيه (0.05 دولار)، مع إلغاء كامل لنظام الشرائح المتدرجة الذي كان معمولًا به سابقًا، وبهذا التحول، انتقل قطاع من المشتركين من آلية محاسبة تصاعدية متفاوتة إلى تسعيرة ثابتة تُحتسب على كامل الاستهلاك.
وبحسب التصريحات الصادرة عن الحكومة المصرية، فإن القرار يستهدف مستخدمي العدادات الكودية، ولا سيما في المناطق المخالفة أو غير المرخصة، وهي الفئات التي أُدخلت إلى المنظومة الكهربائية بصورة مؤقتة لحين تقنين أوضاعها، غير أن الأزمة هنا لا تكمن فقط في طبيعة الفئة المستهدفة، بل في أن هؤلاء كانوا يُحاسبون سابقًا وفق نظام الشرائح، قبل أن يجدوا أنفسهم فجأة أمام تسعيرة موحدة تعادل فعليًا كلفة أعلى شريحة استهلاك.
لهذا لم يكن مستغربًا أن يُقابل القرار بحالة من الغضب والرفض لدى شريحة واسعة من المواطنين، ممن رأوا فيه عبئًا جديدًا يُضاف إلى كاهل الأسرة المصرية التي تواجه أصلًا أوضاعًا معيشية بالغة القسوة، ففي ظل معدلات تضخم مرتفعة، وتراجع مستمر في قيمة الجنيه، وتآكل واضح في القدرة الشرائية، تبدو هذه الزيادة امتدادًا لسياسات تضغط أكثر على المجال الاجتماعي وتُفاقم من هشاشة الحياة اليومية للملايين يومًا بعد يوم.
الوزارة شرعت في تنفيذ هذا القرار على المشتركين بنظام العدادات الكودية، وهو النظام المُفعّل في مصر منذ عام 2011، بحيث جرى احتساب سعر الكيلووات/ساعة عند 2.74 جنيه (0.05 دولار)، مع إلغاء كامل لنظام الشرائح المتدرجة الذي كان معمولًا به سابقًا
تفاصيل القرار
في السابق، كان المصريون من مستخدمي العدادات الكودية مسبقة الدفع يخضعون لنظام الشرائح، بحيث يبدأ احتساب استهلاك الكهرباء بسعر أقل في الشريحة الأولى، ثم يرتفع تدريجيًا مع زيادة الاستهلاك حتى يصل إلى الشريحة السابعة، وهي الأعلى كلفة.
أما اليوم، فقد تبدل هذا الوضع بصورة مباشرة، إذ جرى توحيد سعر الكهرباء على قيمة الشريحة الأعلى، مع إلغاء نظام التدرج الذي كان يمنح المشتركين قدرًا من المرونة في التعامل مع استهلاكهم، ونتيجة لذلك، بات المواطن يُحاسب منذ أول كيلووات يستهلكه بالسعر الأعلى نفسه، من دون أي مساحة للتدرج أو التخفيف كما كان معمولًا به من قبل.
وتقول الوزارة إن هذه الخطوة تستهدف تبسيط آلية المحاسبة وجعلها أكثر وضوحًا، فضلًا عن تحقيق قدر من الانضباط في التعامل مع فئة من المشتركين تستخدم العدادات الكودية في مناطق مخالفة أو غير مرخصة.
كما تربط الجهات الرسمية هذا التوجه بمحاولة الحد من سرقات التيار الكهربائي وتقليص الفاقد، خاصة في ظرف اقتصادي وضاغط تواجه فيه الدولة تحديات متزايدة مرتبطة بأزمة الطاقة، وتذبذب إمدادات الغاز، وارتفاع كلفة الإنتاج والتشغيل، وبهذا المعنى، تقدم الحكومة القرار باعتباره جزءًا من إدارة أزمة أوسع، لا مجرد تعديل محدود في طريقة احتساب الاستهلاك.
شكاوى المصريين من الأسعار
مع الأيام الأولى لدخول القرار حيّز التنفيذ، بدأت شكاوى المصريين تتصاعد على نحو لافت بسبب الزيادة الكبيرة في كلفة شحن الكهرباء، وهي زيادة وصفها كثيرون بأنها جاءت مفاجئة ولا تتناسب مع معدلات استهلاكهم المعتادة.
ووفق شهادات خمسة مواطنين تحدثوا إلى موقع "المنصة" المصري، فإن القاسم المشترك بينهم كان الإحساس بأن كلفة الشحن تضاعفت تقريبًا بعد تطبيق القرار، رغم أن مستوى الاستهلاك لم يشهد تغيرًا جوهريًا.
في هذا السياق، يقول سامح عبدالعزيز، وهو موظف من شبرا في القاهرة الكبرى، إن كلفة الشحن قفزت من 180 جنيهًا إلى 380 جنيهًا خلال أسبوعين فقط من الاستهلاك، بما يعكس حجم العبء الذي فرضه النظام الجديد على ميزانية الأسرة.
الشكوى نفسها تقريبًا عبرت عنها سمر حسن، ربة منزل من منطقة فيصل في الجيزة، حين أوضحت أن مبلغ 200 جنيه كان يكفي احتياجاتها لنحو عشرين يومًا، بينما بات اليوم ينفد خلال فترة تتراوح بين ثمانية وعشرة أيام فقط.
وتتوافق هذه الشهادات مع ما وثقه الكاتب والمحلل تامر شيرين شوقي على صفحته في منصة "فيسبوك"، إذ أشار، مستندًا إلى فواتير رسمية، إلى أن كلفة الشحن ارتفعت من 353 جنيهًا خلال شهر آذار/مارس إلى 757 جنيهًا في نيسان/أبريل، بزيادة قدرها 114%، رغم أن الاستهلاك ظل شبه ثابت، حيث سجل 265 كيلووات في آذار/مارس مقابل 285 كيلووات في نيسان/أبريل، وهي أرقام تعكس بوضوح كيف انتقل أثر القرار من كونه إجراءً إداريًا إلى عبء يومي محسوس يضغط على حياة المواطنين وتفاصيلهم المعيشية المباشرة.
تحرك برلماني
أثار الغضب الشعبي من الزيادة المفاجئة في كلفة شحن الكهرباء تحركًا عاجلًا داخل البرلمان المصري، حيث طالب عدد من النواب بوقف العمل بنظام السعر الموحد للعدادات الكودية ومراجعته قانونيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، وذلك على خلفية شكاوى واسعة من المواطنين الذين فوجئوا بتطبيق التعريفة الثابتة بدلًا من نظام الشرائح المتدرج، بما حمّلهم أعباء مالية إضافية في توقيت اقتصادي شديد الحساسية.
وفي هذا السياق، تقدم النائب علي خليفة بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الكهرباء، معتبرًا أن إلغاء نظام الشرائح للعدادات الكودية يمثل مخالفة صريحة للقرارات المنظمة لأسعار الكهرباء، ويتعارض مع توجهات الدولة المعلنة بشأن مراعاة البعد الاجتماعي وحماية الفئات الأقل استهلاكًا، مشددًا على أن هذا الإجراء أهدر عمليًا أي حماية لمحدودي الدخل، وطالب بوقف العمل به فورًا، وإعادة احتساب الفواتير الصادرة على أساسه، وإحالته إلى اللجنة المختصة في مجلس النواب لبحث تداعياته بحضور الجهات المعنية.
وبالتوازي، تقدم النائب محمود سامي الإمام بسؤال برلماني إلى وزير الكهرباء، وصف فيه التحول بأنه تغيير مفاجئ يفتقر إلى الوضوح القانوني والاجتماعي، رغم أن الدولة كانت قد توسعت في تركيب العدادات الكودية أصلًا للحد من سرقات التيار وتقليل الفاقد مع استمرار المحاسبة بنظام الشرائح. وطالب الإمام بالكشف عن الأساس القانوني للقرار، وتوضيح مبرراته، وبيان ما إذا كانت الوزارة قد أجرت دراسة حقيقية لآثاره الاقتصادية والاجتماعية، داعيًا إلى وقف التنفيذ مؤقتًا، وإعادة محاسبة المواطنين وفق نظام الشرائح، مع تقديم بيان تفصيلي للبرلمان يشرح خلفيات القرار وخطة الوزارة المستقبلية.
أثار الغضب الشعبي من الزيادة المفاجئة في كلفة شحن الكهرباء تحركًا عاجلًا داخل البرلمان المصري، حيث طالب عدد من النواب بوقف العمل بنظام السعر الموحد للعدادات الكودية ومراجعته قانونيًا واجتماعيًا واقتصاديًا
مزيد من الأعباء على الأسرة المصرية
ينظر كثير من المصريين إلى مثل هذه القرارات بقدر كبير من القلق والترقب، لا لأنها تمس بندًا خدميًا عابرًا، بل لأنها تأتي في سياق ضاغط تراكمت فيه الأعباء على الأسر بصورة متواصلة، فهذه الزيادة ليست الأولى من نوعها، بل تسبقها موجات متلاحقة من ارتفاعات الأسعار التي طالت الكهرباء والوقود والخدمات والسلع الأساسية، بما جعل المجال المعيشي للمواطن العادي أكثر هشاشة وأقل قدرة على الاحتمال.
ثم جاءت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران لتضيف بدورها مزيدًا من الضغوط على المشهد المصري، مع ما رافقها من اضطراب اقتصادي وانعكاسات على سعر العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، وهو ما انعكس بدوره على مستويات الأسعار والتضخم.
وفي ظل هذا المناخ، باتت الزيادات المتتالية تلتهم دخول المواطنين بوتيرة أسرع، وتترك أثرًا مباشرًا على تفاصيل الحياة اليومية، من الاحتياجات الأساسية إلى القدرة على تدبير الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
ورغم ما تتحدث عنه الحكومة من إجراءات للحماية الاجتماعية، من بينها رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8 آلاف جنيه (153.8 دولارًا)، فإن كثيرين يرون أن هذه التدابير لا تزال أقل من أن تستوعب الصدمات المتلاحقة في الأسعار.
فالفجوة بين الدخول وكلفة المعيشة تتسع على نحو واضح، بما يدفع شرائح واسعة من الطبقة المتوسطة إلى حافة الهشاشة، ويزيد من الضغوط على الفئات محدودة الدخل، في مشهد يعكس اتساع القلق الاجتماعي وتزايد الإحساس بأن الأعباء تتجاوز قدرة الملايين على التكيف.