التسامُح على الطريقة اليمنية

التسامُح على الطريقة اليمنية

إنهُ تنازُل المجرمين لبعضهم البعض عن دماءِ أتباعهم (Getty)

تبدأ اللعبة كالتالي، إنهم شيوعيون، ملحدون، كُفار، أو، إنهم أعداء آل البيت، تكفيريون، عملاء أميركيون، وأحيانًا، إنهم اثناعشريون، مجوس، فُرس، وعادةً، إنهم علمانيون، ديمقراطيون، يرفضون ما أنزل الله.

يجتمع القتلة من كل نوعٍ وصنف، في مكانٍ واحد، وتبدأُ الأحضان الحارَّة

تنشبُ الحرب القاسية، جوع، حصار، قتال، تدمير، تصفيات، بطولات، قادةٌ بارعون، قتلةٌ باهرون، فوضى، ما أجمل الفوضى، اقتصادُ حرب، استغلال، أمراضٌ وبشاعاتٌ مجتمعية تستشري.. ثم، بعد أن يُدمَّر البلد، ويهلك الحرثُ والنسل، والبشر والشَّجر والحجر، يأتي الفصل الأخير من اللعبة، نحنُ خشينا من الحرب الأهلية، علينا تناسي الأحقاد، كلنا يمنيون، وعلينا مُحاربة المناطقية والمذهبية وأعداء الوطن، لا بُد من قبول التسوية، وأن تعود المياه إلى مجاريها.

بعدها، يجتمع القتلة من كل نوعٍ وصنف، أو قادةُ السلام الجديد، في مكانٍ واحد، وتبدأُ الأحضان الحارَّة، والتسويات القذرة، وتوزيع حصص الاختلاس والنفوذ والسيطرة والفساد، والاستحواذ على كل شيء، بمرور الوقت، يعودُ صراع الأطماع، تمهيداً لحربٍ مقدَّسة جديدة، وهكذا.. دواليك.

في 24 آب/أغسطس، نفذ نشطاءٌ حقوقيون وصحفيون من مدينة تعز اليمنية، وقفة احتجاجية ضد الأمم المتحدة، ورفعوا لافتات بالعربية والإنجليزية، رفضًا لدور الأمم المتحدة التي ترعى، بتكتمٍ شديد، مفاوضاتٍ مشبوهة، بين قادة مليشيا صالح والحوثي من جهة، وممثلين عن الحُكومة الأميركية من جهة، في العاصمة العُمانية مَسقط، بهدف إيجادِ اتفاقٍ تمهيدي لتسويةٍ سياسيةٍ قادمة. لماذا يرفض هؤلاء، تدخُّل الأمم المتحدة "الإنقاذي" لإيجاد تسوية سياسيّة تُنهي الحرب، وتُعيد السلام؟

بنظرِ هؤلاء، فإن التسوية تعني، إعادة قادة مليشيا الحوثي والمخلوع صالح، إلى صدارة المشهد السياسي، وإفلاتهم من أيِّ عقاب، قد يستغرب البعض هذا "اللا تسامُح"، لكن ماذا عن التسامُح الذي حدث سابقًا في تسوية 2011 والتي رعتها الأمم المتحدة أيضًا؟!

لن يفهم أحد، قُبح التسوية السياسية، إلا حينما يُشاهد الجلسات الافتتاحية لمؤتمر الحوار الوطني في آب/أغسطس 2011، قادةُ صالح، وقادةُ الإخوان، وقادة الحوثي، يتبادَلُون الأحضان الحارّة، والقُبل الساخِنة، والمُجاملات المُفرطة، بعد شهورٍ قليلةٍ فقط، من توقفِ الحروب بينهم، بل وأحيانًا، في ظل استمرار الحروب الصغيرة التي لم تكُن قد انتهت بعد.

لا تفسير للمَشهد، إلا إذا فهِمت مثلاً أن "الشيخ" صغير عزيز الموالي لصالِح، والذي فقد أخاهُ على يدٍ مقاتلي "الشيخ" صادق الأحمر، في المواجهات التي بين صالح وآل الأحمر في نسيان/أبريل 2011، قد أصبحَ صديقًا حميمًا لقاتلِ أخيه، وبدءا تبادل القُبل تمهيدًا لتشكيل جبهةٍ واحدة، لمواجهة الحوثيين بتمويلٍ سعودي، بطريقةٍ أخرى، الرزق "أو الارتزاق لا فرق" يؤسسُ لتسامُحٍ جديد، وحربٍ جديدة، يتقاسَمُ فيها الخصوم/ الأصدقاء، كعكة المال والسلاح القادِمة من الجار الكريم.

يُمكنُ القول أن شرارة الأحقاد بين الأطراف المعنية "المُهيمنة" في اليمن، تدُورُ حين تضيقُ خياراتِ أصحاب النفوذ، فالسُّلطة، بثنائيَّتها الحُكم والثروة، تدورُ داخل مثلث يكادُ أن يكونَ مُحتكرًا في نطاق الجُغرافيا الزيديَّة، الزيديون المؤتمريون "صالح وأقاربه وقادتهُ وقفازاته"، الزيديون الإخوانيون "شيوخ القبائل الكِبار، رجال الدين، قادة "الإخوان الزيديين"، الزيديون الإماميون "الحوثيون، والهاشميَّة السياسية، وقفازاتهم من رؤساء القبائل"، هؤلاءِ تحديدًا، هُم أثافي السُّلطة الثلاث في اليمن، يُعاد تموضعهم وفقًا للظروف، فيتبادلون الأدوار.

اتخذت القوى السياسية في اليمن أُطرًا تُمكِّنها من إدارة مصالحها وفقاً للعصبوية الطائفية

لقد اتخذت هذه القوى أُطرًا زائِفة، تُمكِّنها من إدارة مصالحها وفقاً للعصبوية الطائفية، ولن يتخيَّل أحد، مرونة هذه العُصبويَّة، وإلى أيّ درجة هيَ مُثمرة، سيكونُ هناك حزبٌ للإخوان في اليمن، هو "التجمع اليمني للإصلاح"، رُغم أنَّهُ سيكونُ سُنيّ وأقرب للوهابيَّة في تشدُّدِه، إلا أن قادته سيكونون من الطائفة الزيديَّة. هذا الحِزب مُعارض، يحصُل على نسبة السُّدس في البرلمان، لكن لا تستغرب أبدًا حينما يكون رئيس "حِزب السُّدس" الشيخ عبد الله الأحمر، هو نفسه رئيساً للبرلمان الذي يسيطر عليهِ حزبُ صالِح.

ستجدُ أن قادة هذا الحِزب، بامتدادهم العصبويّ/ الطائفي، أو غير الطائفيّ "المُطيع والمبتذل"، موجُودًا داخِل السُّلطة، رُغم "المُعارضة الشكليَّة" للنظام، إذا دارت الحرب، سيختلفُ الكِبار على حصتهم، وسيقومُ كلُّ طرف بعضِّ الكلاب المُطيعة، وسيموتُ خلقٌ كثيرون، سيبقى النافِذون في مواقعهم دون استهداف، بل سيظلونَ يتبادلون الخدمات خلال فترة الصراع، حالما تنجُز تسويَةٌ جديدة للوضع، سيعُود الإخاء، والأحضانُ الفائرة.

سَتفهمُ أكثر حين تجد صالح يخوضُ حربًا ضدَ الحوثيين الذين قتلوا رجال الجيش، ومنعوا أي سُلطة لدولتهِ الهشَّة في مناطقهم، وفرضوا الإتاوات، إن صالح لن يُحارب إخوانه الحوثيين حُبًا في الدولة، أو سيادتها، بل بحثًا عن المال السعوديّ، وسعيًا لتصفية أقطاب الحُكم المُنافسة، سيُرسل 6 حملات لمواجهة الحوثيين، وأحيانًا سيقودُ المعركة بهدف إفشال واستنزاف قوات الجيش الموالية لرفيقه اللدود علي محسن. في وقتٍ لاحق، سيُعطي الطيران السعودي إحداثياتٍ عن قادة الحوثي، ليتضح أنها خطة لتصفية قائدُ حملة صالح على الحوثيين، سيكتشف السعوديين أنهم كادوا يقتلون رجلهم الثاني في اليمن، بخُدعةٍ من رجلهم الأوَّل: صالح.

لكن الحوثيين الذين أرسل لهم صالح 6 حملات عسكريَّة سيُعيدون استثمارها لتقويةِ سُلطاتهم. سيصلُ الأمر إلى أن يتحالف صالح والحوثيون، بعد 6 سنواتٍ من الحروب، ليبدؤوا مشروعهم الجديد، إقصاء مُحسن والإخوان الزيديين، وبدء معركة عصبويّة الزيديين الأقحاح! بل وسيُصبح التحالف أقرب لاندماج، حينما ترى صالح يسلم معسكرات الدولة للحوثيين، في مشهدٍ يندى لهُ جبينُ التاريخ، والحَضارة. وستجدُ المُفارقة، حينما يُصدرُ لهُم التوجيهات والنصائح، وتراهُم يظهرونَ لهُ الطاعةَ والانصياع.

لقد قُتل من الجُنُود اليمنيين 20 ألف جنديّ في الحملات العسكرية على صعدة، تضاءل التعويض الذي يُصرف للجنود غير الزيديين إلى 50 ألف ريال/250 دولار لأسرة كلّ شهيد، وفي تصريحٍ لأحد أعضاء المكتب السياسي للحوثيين، فقد وصل عدد الجنود الذين أزهقت أرواحهم إلى 60 ألفًا خلال السنوات الست. في النهاية، سيظهر صالح على الشاشة متباهيًا ليقول، نحنُ لم نختلف مذهبيًا كما يفعل السعوديون الحاقدون، الحوثي وصالح من مذهب واحد أصلًا!، وإنما خلافنا كان إداري، ونحنُ الآن متحالفون من عند الله، ولن نختلف أبدًا.. مهما حصل!

هذا هو التسامُح على الطريقة اليمنيَّة، إنهُ تنازُل المجرمين لبعضهم البعض عن دماءِ أتباعهم، وهذا في حقيقته ليس إلا خيانةً بذيئة، وإفسادًا لطبيعة وغاية الأحقاد العظيمة، التي لا ترضى بأن تخونَ.. بأحقادٍ مشوَّهة، رخيصة، وبلا شرف!