"الترند" كبديل عن النقد الثقافي
27 مايو 2026
تقليديًا، تشكّلت القيمة الجمالية والرمزية للعمل الفني - سواء تعلق الأمر بالأدب أو باقي الفنون الأخرى - داخل منظومة نقدية مؤسسة عبر وسائط مؤسساتية متعارف عليها كالصحافة الثقافية والبرامج التلفزيونية وداخل الجامعات والهيئات الرسمية، وكانت وظيفة النقد ترتكز أساسًا على عمل تقويمي ومعرفي يفضي إلى معنى ويرسّخ القيمة على أساس معيار نوعي تراكمي. إلا أن سطوة وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت نمطًا جديدًا في آليات صناعة المعنى لدى المتلقي لتصوغ مفهومًا مستحدثًا للنقد، وذلك بإحداث قطيعة مع النقد التقليدي.
من النقد إلى الخوارزميات
في النموذج الكلاسيكي، كان النقد يتمّ عبر إخضاع المنتج الأدبي لقراءة تحليلية معمّقة، تمسّ البناء الفني، وترابط الأفكار، وتماسك الرؤية، مع مساءلة النص الأدبي - رواية كان أو قصة أو شعرًا - عمّا يريد قوله، ومدى احترامه للمعايير الجمالية والفكرية التي تعكس جودة العمل، وكذلك درجة توافقه مع توقّعات الجمهور المختص. وينطبق الأمر ذاته على باقي الفنون، كالرسم والموسيقى والمسرح والتلفزيون، حيث تتكاثف مجموعة من العوامل النقدية والمعرفية لتُنتج قيمة رمزية قادرة على الصمود زمنيًا. وهي عملية منطقية أفضت إلى أعمال خالدة وصلت إلى المتلقي عبر قنوات نقدية متخصّصة، وضعت العمل موضع التشريح والتحليل والتأويل.
أما على مستوى الفضاء الرقمي، لم تعد القيمة تُنتج عبر التحليل العميق والنقد، بل استُبدل التداول السريع وكثافة الانتشار بهذا المنطق. هنا يبرز "الترند" كتقنية مركزية تتحكم في آلية إنتاج القيمة، قائمًا أساسًا على عدد المشاهدات والمتابعات لا على التحليل العميق أو المساءلة أو التفكير النقدي، مما يُقوّض الفعل الثقافي ويختزله في أحكام آنية يتحكم فيها الذوق العام.
وكما أن النقد ممارسة طويلة النفس تقوم على التراكم المعرفي والخبرة والاطلاع المنهجي، فإن الفضاء الرقمي يعتمد آلية أخرى لصناعة المعنى. إذ اختُزلت القيمة في بعدها التداولي، فأصبح ما يُشاهَد أكثر يُعدّ أهم، وما ينتشر أسرع يُفهم على أنه أكثر تأثيرًا. وهكذا انتقلت القيمة من كونها عملية معقّدة إلى عملية سطحية تُدار بمنطق الخوارزميات لا بمنطق التحليل والتقويم.
على مستوى الفضاء الرقمي، لم تعد القيمة تُنتج عبر التحليل العميق والنقد، بل استُبدل التداول السريع وكثافة الانتشار بهذا المنطق. هنا يبرز "الترند" كتقنية مركزية تتحكم في آلية إنتاج القيمة
"الترند" كآلية ضبط ثقافي
تبدو حركة "الترند" أكثر بساطة من العملية النقدية التي تهدف إلى إنتاج القيمة عبر خطاب معرفي مؤسّس. ففي حين يظهر هذا المنطق كعملية تعتمد على تفاعل الجمهور، فإنه في الواقع يمثّل آلية ضبط ثقافي غير معلنة.
إذ يفرض إيقاعًا زمنيًا سريعًا يهمّش الأعمال ذات الجودة العالية التي تحتاج إلى زمن أطول للتلقي والتفكيك. وهذه الآلية لا تمنح القيمة للعمل الفني بقدر ما تمنحها لقدرته على الانتشار، من حيث كثافة التفاعل، لا على أساس عمقه الجمالي أو المعرفي. وبهذا الشكل تكافئ البساطة والتكرار والسطحية أحيانًا، وتنتج مثقفًا آنيًا يعتمد على هذه المنصات في تشكيل وعيه وإطلاق أحكامه.
تراجع دور الناقد لصالح "المؤثر"
أحدثت آليات صناعة المعنى تحوّلًا جذريًا، تراجع فيه دور الناقد الثقافي بوصفه فاعلًا معرفيًا يشتغل داخل حقل ثقافي معترف به، قائم على تراكم معرفي وأدوات نقدية متعارف عليها، ويُخضع النص - أدبيًا كان أو فنيًا - لمعايير مؤسسة بغية إنتاج خطاب غير ذاتي قابل للنقاش والنقد. في المقابل، صعد "المؤثر" بوصفه وسيطًا جديدًا بين العمل والجمهور، يستمد شرعيته لا من التخصص أو الخبرة أو التراكم المعرفي، بل من كثافة الجمهور الذي يتابعه ومن قدرته على التأثير السريع في الرأي العام الرقمي.
ويكمن الاختلاف الجوهري بين الناقد الثقافي و"المؤثر" في طبيعة القيمة المنتجة وفي آليات الفعل التقييمي. فالناقد، بعد عملية تحليلية مضنية تتطلب اطلاعًا واسعًا ومعرفة منهجية وأدوات غير ذاتية ذات طابع علمي، ينتهي إلى حكم مؤسس مبني على التحليل والمقارنة والسياق، وقادر على إنتاج قيمة تصمد زمنيًا. أما "المؤثر"، فلا يمتلك - في الغالب - هذه الأدوات، بل يعتمد على استجابات فورية تحكمها العاطفة والمزاج أكثر مما يحكمها العقل النقدي: إعجاب، نفور، غضب، أو توصية سريعة.
إن هذه الاستجابات لا تُفكك العمل ولا تحلله ولا تقرأه ضمن بيئة نقدية سليمة، بل تقدم قراءة ذاتية آنية تتحكم فيها مواكبة اللحظة وسرعة تجميع المؤيدين أو حتى المعارضين، وتُقدَّم بوصفها تجربة فردية قابلة للتعميم. ومع تكرار هذه الاستجابات وتراكمها، يتشكل ما يمكن تسميته بـ"الإجماع الزائف"، وهي حالة من الرضا الجماعي يُفترض فيها امتلاك الحقيقة، حيث يُخضع العمل لمزاج الجمهور دون نقاش جاد حول معايير الجودة الجمالية أو الفكرية التي ينبغي أن تحكمه. وهكذا يتحول النقد من ممارسة معرفية إلى انطباع سريع تحكمه سرعة التداول والانتشار.
إن هذه القطيعة البنيوية تجعل من المؤثر فاعلًا لا يعمل منفردًا، بل داخل منظومة خوارزمية تُضخّم صوته وتمنحه حضورًا وتأثيرًا متزايدين، في مقابل تهميش صوت الناقد أو حصره داخل دوائر ضيقة. وبذلك يكتسب المؤثر سلطة رمزية جديدة تُزيح سلطة الناقد تدريجيًا، ليُقصى النقد الثقافي ويحلّ محله خطاب انطباعي يختزل العمل الفني أو الأدبي في إحساس لحظي، ويُفرغه من أبعاده الجمالية والمعرفية والسياقية.
ختامًا، لا يمكن اعتبار "الترند" ظاهرة رقمية عابرة، بل خطورة تكمن في تحوله إلى سلطة تقييمية يُعاد من خلالها توجيه الذائقة العامة وفق منطق آني سريع التلاشي، قائم على الاستهلاك لا على الفهم، وعلى التداول لا على التأويل. وفي المحصلة، يطرح هذا الوضع مأزقًا ثقافيًا لا يقتصر على تراجع دور الناقد، بل يمتد إلى فقدان الثقافة أحد أهم أدواتها في إنتاج المعنى وترسيخ القيمة في الوعي الجمعي.