الترحال السياسي في موريتانيا..

الترحال السياسي في موريتانيا.. "القبيلة العميقة" والسياسة الهشة

تسيطر ظاهرة الترحال السياسي على الأحزاب الموريتانية (تويتر)

"كيلبيت سياسي" مفردةٌ جديدةٌ تدخل القاموس السياسي الموريتاني، لتصف ظاهرة الترحال السياسي، وانقلاباتِ سوقِ المواقفِ السياسية مواسمَ الانتخابات.

قد تكون السخرية اللاذعة التي واجه بها المدون الترحال السياسي في محلّها، لكنها لا تكفي لتفسير هذه الظاهرة المميزة للحياة السياسية الموريتانية منذ الانفتاح الديمقراطي سنة 1991

طيلة شهر أيار /مايو والمدونون الموريتانيون يتناولون في تدويناتهم على فيس بوك وتويتر كلمة "كيلبيب سياسي" للسخرية من تقلّب المواقف السياسية لدى الفاعلين السياسيين، والتنكّر للولاء السياسي، طمعًا في غنيمة سياسية عاجلة أو خوفًا من تبعات موقف سياسي معيّن.

قد تكون السخرية اللاذعة التي واجه بها المدون الترحال السياسي في محلّها، لكنها لا تكفي لتفسير هذه الظاهرة المميزة للحياة السياسية الموريتانية منذ الانفتاح الديمقراطي سنة 1991. مع العلم أنّ ظاهرة الترحال السياسي الحالية، التي تفاعل معها المدونون الموريتانيون بالنقد هي ظاهرة، حتى الآن، عابرة لجميع الأحزاب والأيديولوجيات، بمعنى أنها لم تأخذ اتجاهًا واحدًا من الموالاة إلى المعارضة أو من المعارضة إلى الموالاة، وإنما كانت من الطرفين.

اقرأ/ي أيضًا: فوضى أحزاب موريتانيا.. تعددية غير ديمقراطية

حزب التكتل وشبح التفكك

أنشئ حزب تكتل القوى الديمقراطية في الحادي عشر من تموز/يوليو من العام 2001، وهو نسخة جديدة عن حزب اتحاد القوى الديمقراطية الذي قامت السلطات الموريتانية بحلّه في الثامن والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر سنة 2000 بعد أن أرهقتها معارضته. شكّل الحزب في التسعينات قبلة للقوى والتيارات السياسية المعارضة بتلويناتها الأيديولوجية المختلفة "إسلاميين، قوميين زنوج، ناصريين، نخب حركة الحر من الحراطين" ومنه خرجت معظم الأحزاب السياسية المعروفة حاليًا في موريتانيا، وبالرغم من انشقاق معظم التيارات التي لاذت به في التسعينات، إلا أنه حافظ على زخم سياسي كبير، جعله الحزب المعارض الأبرز، وجعل من قائده أحمد ولد دادّاه زعيمًا للمعارضة الموريتانية طيلة العشرية الأولى من الألفية الجديدة.

 لكنّ بعض المتابعين يعتبرون أن انسحاب الكتل السياسية الأيديولوجية من الحزب تسببت في إحداث فراغ فكري أسقط الحزب في أحضان القبيلة والجهة، فأصبح حزبًا جهويًا ومرتبطًا حسب البعض بقبيلة بعينها، وتعززت هذه القناعة أكثر بانسحاب النخب المنحدرة من الشرق الموريتاني من الحزب مؤخّرًا.

كان انسحاب القيادي محمد محمود ولد امّات حدثًا هزّ حزب التكتل والتكتليين، نتيجة لتاريخ الرجل النضالي ولموقعه في الحزب، حيث يعتبر الرجل الثاني داخله.

اكتفى ولد لمات في بيان استقالته بالقول إن وضعية الحزب تتطلب مراجعة عميقة وإن الساحة السياسية بمعطياتها الجديدة تتطلب قراءة تنفذ إلى العمق وتتجاوز القشور"، ولعلّه هنا يُشير إلى موقف الحزب من الانتخابات الرئاسية، حيث لم يقم بترشيح شخصية من داخله، ولم يسع إلى الدخول في حوار مع المرشحين الأكثر حظًّا في الانتخابات، وتبيّن ذلك جليًا من خلال دعم ولد لمّات لمرشّح النظام محمّد ولد الغزواني مع مجموعة من المنسحبين من حزب التكتل.

انسحاب ولد امّات سبقته عدّة انسحابات، كان أهمها انسحاب محمد محمود ولد ودادي نائب رئيس الحزب وعبد الرحمن ولد امّين ويعقوب ولد امّين، وعدد من القيادات الأخرى التي ينتمي جُلُّها إلى الشرق الموريتاني.

الإسلاميون وخطر الاستنزاف

حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية "تواصل" لم يكن أحسن حالًا من حزب التكتّل، فقد شهد هو الآخر انسحاب شخصيات وازنة، التحقت بالنظام وبمرشّحه، لعلّ أهمها انسحاب السيناتور عمر الفتح الذي أسّس "تيار راشدون" وأعلن دعمه لولد الغزواني. هذا الانسحاب سبقته مجموعة من الانسحابات أهمها انسحاب السفير والنائب البرلماني السابق عن حزب تواصل المختار ولد محمد موسى، وقبله انسحاب رجل الأعمال البارز والنائب السابق سيدي محمد ولد السيدي أحد أبرز الداعمين الماليين سابقًا لحزب تواصل، بعد مضايقات مالية تعرّض لها من طرف النظام.

الانسحابات التي شهدها حزب تواصل، تأتي في سياق من التضييق يتعرّض له تيّار الإسلام السياسي في موريتانيا، من خلال إغلاق أبرز الجمعيات والمؤسسات الخيرية والتعليمية التابعة له أو المحسوبة على زعاماته. فهل يسعى الإسلاميون إلى الحفاظ على بعض مكتسباتهم من خلال اصطفاف بعضهم وراء دعم ولد الغزواني بالرغم من قرار حزبهم دعم المرشّح المنافس لمرشّح النظام الوزير والسفير السابق سيدي محمد بوبكر؟

اقرأ/ي أيضًا: موريتانيا بين جنرالين

المغاضبين من الاتحاد والمتسربين من النظام

المحور الداعم للرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز شهد هو الآخر انتقال عدد من أسمائه البارزة إلى المرشّح في جبهة المعارضة سيدي محمد ولد بوبكّر. وطالت تلك الانسحابات أعضاء بارزين في حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم، الذي تُرجّح أوساط من داخل النظام الاستغناء عنه، وتشكيل هيكل سياسي جديد بديل عنه لإدارة التوازنات والمصالح السياسية الخاصة بالمرحلة القادمة، وهو الأمر الذي شكّل مصدر تخوف وقلق لدى البعض، خاصة مع رفض مرشح النظام الترشح من خلال حزب النظام القائم.  فمن الملاحظ عدم تحمّس نخبة الشمال الموريتاني لمرشح النظام الفريق محمد ولد غزواني الذي ينحدر من الشرق، وذلك ما يُفسّر في نظر البعض إعلان القيادي البعثي البارز محمد ولد ابريد الليل وجماعته دعم مرشّح المعارضة، في خطوة مفاجئة بالنظر إلى الدور الكبير الذي لعبه ولد ابريد الليل في الدفاع عن نظام ولد عبد العزيز. فهل تُفجّر الانتماءات الجهوية والقبلية محور النّظام بعد أن دفع بولد الغزواني إلى الترشّح؟

تعد ظاهرة الترحال السياسي التي تشهدها موريتانيا حاليًا هي مؤشّر قوي على هشاشة الانتماء السياسي والوفاء لقيم الولاء السياسي الحديثة، فما تزال الولاءات القبلية والجهوية تلعب دورًا حاسمًا 

هشاشة الانتماء السياسي

ظاهرة كيلبيت أو "الشقلبة" السياسية أو الترحال السياسي التي تشهدها موريتانيا حاليا هي مؤشّر قوي على هشاشة الانتماء السياسي والوفاء لقيم الولاء السياسي الحديثة، فما تزال الولاءات القبلية والجهوية تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الخريطة السياسية، وذلك بالرغم من سنّ قانون يحظر الترحال السياسي أمام نوّاب البرلمان، ويمنع الترشّح من خارج الأطر الحزبية بالنسبة للانتخابات المحلية والتشريعية، لكن هذه التشريعات، التي تهدف إلى تعزيز الحزبية السياسية وتعميق الولاء السياسي، لم تؤت أُكلها بعد، فما تزال الزبونية والمحسوبية تُحدّد إلى حد كبير الفعل السياسي في موريتانيا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

انتخابات 2018.. رهان موريتانيا على مصيرها

 موريتانيا..وعي حقوقي شبابي متصاعد