الترجمة بوصفها استعمارًا

الترجمة بوصفها استعمارًا

حديقة حيوانات بشرية في ألمانيا

عندما نعثر في النقاشات التي رافقت عمليات استعمار الشعوب على تساؤلات المستعمِر: هل نختار مترجمين من بلدنا، أم مترجمين من البلد المستعمَر؟ أو هل نرسل موهوبين في تعلم اللغات من بلدنا ليتعلموا لغة البلد المستعمَر، أم نختارهم من البلد المستعمَر ليتعلموا لغتنا؟ ثم نجد أيضًا تساؤلات عن الكيفية التي يفكر فيها المستعمِر بضرورة ضمان ولاءات المترجم إلى الدولة المستعمِرة، خاصة إذا كان هذا المترجم من أهالي  البلد المستعمَر. وذلك بهدف تمكين المستعمِر من السيطرة ليس عسكريًا فحسب، فهذه متحققة بفارق القوة وفائضها، بل إخضاع الشعب المستعمَر ثقافيًا. عندما نعثر على ذلك نتأكد أن الترجمة ليست مجرد مسألة لغوية وأنها مجرد نقل نص من لغة إلى أخرى، بل هي أكثر من ذلك، إنها عملية "فتح" استعماري. الكاتب الإيرلندي كيبرد وجد أن الفعل الإنجليزي (Translate -ترجم) ينحدر من ذات الجذر اللغوي لفعل (فتح، غزا). وكان أساس انطلاق دراسات الترجمة في أواسط ثمانينات القرن العشرين هو اكتشاف أن الترجمة كانت دائمًا وسيلة للفتح ولإخضاع المستعمَرين وتحويلهم إلى رعايا طيّعين للمستعمٍر.

الأعمال الأدبية من الجنوب لا تشكّل في أفضل الأحوال سوى 1 أو 2% من سوق الترجمة في الشمال

كان ذلك حاضرًا أيضًا عبر ترجمة ثقافة البلد المستعمَر إلى البلد المستعمِر، والمقصود بترجمة "الثقافة" هنا هو ترجمة الكتب. يخضع ذلك بطبيعة الحال لعلاقات القوة بين الغازي والمغزو، الأمر الذي استمر حتى بعد خروج  الاستعمار من البلدان التي استعمرها، فقد تمت المواظبة على تقديم تلك الشعوب عبر سياسة ترجمة محددة انتقائية للكتب التي ينبغي ترجمتها لإبقاء الشعوب المغزوّة سابقًا، والشعوب التي تنتمي إلى عالم خارج المركز الاستعماري بوصفها "آخر" غريب وناء! ولتكريس متواصل لعبارة ديغول: "الشرق المعقد".

اقرأ/ي أيضًا: 4 كتب أساسية عن الاستعمار الاستيطاني

وقد  نشأ على إثر ذلك تيار ثقافي واسع هو ما بعد الاستعمار، أو ما بعد الكولونيالية. عمليًا بقيت علاقات القوة المتباينة ما بعد الاستعمار هي المتحكمة في عملية الترجمة بين ما اصطلح عليه المركز والهامش (أو المركز والأطراف).

ثمة ملاحظات كثيرة ومهمة استخلصها ريشار جاكومون لدى قيامة بترجمة الكثير من الكتب المصرية إلى الفرنسية، وقد قام دوغلاس روبنسون بتنسيق تلك الاستخلاصات فوجد أنه تتم ترجمة الثقافة المسيطَر عليها من الثقافة المهيمنة أكثر بكثير مما تترجم هذه الأخيرة من الأولى. وقد استخدم جاكومون عبارة "لغات الشمال" و"لغات الجنوب" في إشارة تقريبية إلى الغرب وبقية العالم. فالأعمال من الجنوب لا تشكّل في أفضل الأحوال سوى 1 أو 2% من سوق الترجمة في الشمال. وهذا يعنى أنَّ الإنتاج الثقافي الجنوبي لا يعنى سوى دوائر صغيرة من القرّاء المختصّين وأنّه يُترجَم بوصفه كذلك. وأنه حين تترجم الثقافة المهيمنة أعمالًا أنتجتها الثقافة المسيطَر عليها، يتمّ تصوّر هذه الأعمال وتقديمها على أنّها صعبة، غامضة، مستغلقة، وباطنية، لا يمكن أن يفسّرها سوى فريق صغير من المثقفين، وقد أشار أنه وجد في ترجمةٍ فرنسية من 77 صفحة لإحدى روايات نجيب محفوظ 45 حاشية، حيث وعد المترجم أندريه ميكيل بأن يستخدم الحواشي "على نحو ثابت مطّرد كلما كان ذلك ضروريًا للإحاطة بالنصّ".

يلاحظ جاكومون أنّ ما هو "موضع تساؤل هو افتراض المترجم أن القارئ جاهل تمامًا وعاجز، إذ يواجه عالمًا جديدًا تمامًا"، وأنه لإدراك هذا العالم تجب قيادة القارئ خطوة خطوة بواسطة تلك "اليد المتّزنة المرجعية، يد المترجم المستشرق كلّي المعرفة، الذي تدرّب على فكّ مغاليق أسرار الشرق التي ما كانت لتُكتشف من دونه". هكذا تفرض الروحيّة الاستشراقية نمطًا خاصًا من القراءة ومن ثمّ صورة خاصة للثقافة الأجنبية. في حين تترجم الثقافة المسيطَر عليها أعمال الثقافة المهيمنة لتقدّمها للجمهور العام.

كذلك فإنه لا تترجم الثقافة المهيمنة من أعمال الكتّاب في الثقافة المسيطَر عليها سوى تلك التي تلائم تصورات الثقافة الأولى المهيمنة، بمعنى تلك التي تستجيب للصورة النمطية المتحكمة فيها. إضافة إلى ذلك ينزع كتّاب الثقافة المسيطَر عليها ممّن يحلمون بأن يقرؤهم جمهور واسع إلى الكتابة من أجل الترجمة إلى اللغة المهيمنة، وهذا يتطلب قدرًا من الانصياع للصور النمطية والامتثال لها. إن المكانة العالمية التي تحتلّها الإنجليزية أو الفرنسية تدفع الكاتب ما بعد الكولونيالي لأن يكتب على وجه التحديد من أجل الترجمة إلى واحدة من هاتين اللغتين، وهذا يفرض على هؤلاء الكتّاب معرفةً عميقة بالثقافة الأدبية الإنجليزية أو الفرنسية - خاصةً ما لديها من صورٍ منمّطة استشراقية أو مركزية أوروبية عن ثقافة هؤلاء الكتّاب- واستعدادًا لإدراج كتابتهم ضمن التوقّعات، والأعراف، والمعايير، والأجناس الإنجليزية أو الفرنسية.

 لا تترجم الثقافة المهيمنة من أعمال الكتّاب في الثقافة المسيطَر عليها سوى تلك التي تلائم تصورات الثقافة الأولى المهيمنة

على نقيض ذلك يتم تمثيل الثقافة المهيمنة  في الثقافة المسيطَر عليها من خلال ترجمات أكثر عددًا بكثير من نظيرتها المسيطَر عليها، ويتمّ تصوّرها على أنّها في جوهرها تهمّ جمهورًا واسعًا من القرّاء، ويتم اختيارها لأنها تأتى من ثقافة مهيمنة، وغالبًا ما تكون مكتوبة، أصلًا، في تجاهلٍ تام للثقافة المسيطَر عليها.

اقرأ/ي أيضًا: كاريكاتير من زمن الاستعمار

وبالفعل، من خلال قراءتنا لبعض الكتاب العرب، خاصة من المغرب العربي الذين اتخذوا من الكتابة باللغة الفرنسية خاصة طريقة لهم، نجد أن ما يفكر به الغرب تجاه الشرق، أو تجاه العرب من صور نمطية ثابتة هي ما يطرحه هؤلاء الكتّاب، وكأن الزمن "العربي" ثابت لا يتغير ولا يزول، وأنه لم يتغير عبر الزمن! وإذا استخدمنا تعابير إدوارد سعيد نجد أن تمثيل الثقافة العربية في الغرب يتم، أيضًا، عبر كتّاب عرب دخلوا ضمن مؤسسة الاستشراق ذاتها.

*

 

لكن مع هذا ثمة دور آخر للترجمة يمكن اعتبارها ترجمة مناهضة، تلك التي قام ويقوم بها كتّاب ما بعد الاستعمار، يمكن ترك البحث في ذلك لمرة قادمة.

*

 

تنبغي الإشارة إلى أن تعبير "ما بعد الاستعمار"  ليس تعبيرًا يخص مرحلة مضت في التاريخ، بل مرحلة مستمرة حتى الآن.

 

اقرأ/ي أيضًا:

رينيه ماران.. أولى الصرخات الأفريقية في وجه الاستعمار

الاستعمار الإنجليزي للهند.. 173 عامًا من استنزاف البلاد وجرف الموارد!