التربية الجنسية في المغرب..  بين الضرورة الواقعية والموانع الثقافية

التربية الجنسية في المغرب.. بين الضرورة الواقعية والموانع الثقافية

لا تزال التربية الجنسية غائبة عن معظم المدارس في العالم العربي (فتحي بلعيد/أ.ف.ب)

قبل أيام قليلة، تسببت قبلة بين تلميذ وتلميذة، داخل حجرة إحدى المدارس الثانوية بالمغرب، في طرد الفتاة البالغة من العمر 16 سنة من الدراسة، الحادثة التي فتحت نقاشًا وسط الرأي العام المغربي حول ضرورة تدريس التربية الجنسية في المناهج التعليمية، في ظل "الفوضى الجنسية" التي يعيشها المجتمع المغربي، في نظر البعض.

يدعو مختصون تربويون مغاربة إلى تدريس التربية الجنسية في المدارس بدل أن يضطر الشباب إلى استيقاء معلومات، قد تكون خاطئة، خارجها

التربية الجنسية كضرورة واقعية

لا تزال موضوعات الجنس في حكم التابوهات بالنسبة للمجتمع المغربي، لكن في سياق التحولات القيمية وموجة التحرر التي تشهدها المجتمعات العربية عامة منذ 2011، والمغرب بشكل خاص، بدأ يكتسي الحديث عن هذه التابوهات زخمًا متزايدًا على مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية، وهو ما حذا بعدد من المختصين إلى مطالبة السلطات بتدريس التربية الجنسية في المدارس، بدل أن يضطر الشباب إلى استيقاء معلومات جنسية قد لا تكون سليمة انطلاقًا مما يتعرضون له على شبكة الإنترنت.

اقرأ/ي أيضًا: من التحرش بالنساء إلى اغتصاب الحيوانات.. كيف استفحل الكبت الجنسي بشباب المغرب؟

ورغم أن "الجنس" يبقى موضوعًا مسكوتًا عنه على مستوى الحياة الاجتماعية المغربية، إلا أن الكل يعيش حياته الجنسية بطريقته الخاصة، مما يدخل المجتمع في متاهة من النفاق الاجتماعي تحول دون التطرق إلى مسائل الجنس كما يمارس في الواقع، الشيء الذي يفرز في نهاية المطاف ظواهر منحرفة تمارس في الخفاء وأخرى في العلن، مثل حوادث التحرش والاغتصاب وزنا المحارم والجنس المبكر والحمل غير المرغوب، وغيرها من المخاطر الناجمة عن الفقر في التربية الجنسية.

وفي الوقت الذي أصبح فيه المرء يعيش فترة مديدة بين النضج الجنسي والزواج، يقترب كثير من الشباب المغربي من سن الرشد وهم يواجهون رسائل متضاربة ومشوِّشة عن الجنس والعلاقات الجنسية، وكثيرًا ما يتعقد هذا الوضع نتيجة مشاعر الحرج والركون إلى الصمت أو نتيجة التعرض لمصادر غير مناسبة على شبكة الإنترنت تشوه إدراكنا للجنس، في وقت نحن فيه أشد احتياجًا إلى خوض هذا النقاش.

وفي هذا الإطار، تدعو الجمعية المغربية المعروفة بـ"ماتقيش ولدي" إلى إدراج التربية الجنسية في المقررات الدراسية على غرار البلدان الغربية، بهدف تكريس التربية الصحيحة لضمان تنشئة سليمة لليافعين وتجنب الممارسات الجنسية التي يترتب عنها مخاطر، داعية إلى فتح نقاش مجتمعي هادئ حول الموضوع.

اقرأ/ي أيضًا: 6 حقائق عن الجنس قد لا تعرفها!

إشكالات تدريس التربية الجنسية في المغرب

يتغير مفهوم ومحتوى التربية الجنسية من مجتمع إلى آخر ويعتبر ذلك من الصعوبات التي تعيق تدريس هذه المادة

تُعرّف منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلم والثقافة (اليونسكو) التربية الجنسية بأنها "نهج للتعليم عن الجنس والعلاقات الجنسية، يناسب الفئات العمرية والخصائص الثقافية المعنية، ويجري فيه تقديم معلومات علمية دقيقة وواقعية وخالية من الأحكام، بحيث يتسنى للفرد، طفلًا كان أو شابًا، التزود بالمعارف والمهارات والخيارات اللازمة ليعيش حياة جنسية نفسية مستقرة، ويتخذ قرارات مسؤولة".

لكن الأمر ليس بهذه البساطة، إذ تتفاوت القواعد التي تنظم السلوك الجنسي تفاوتًا كبيرًا فيما بين الثقافات وداخلها، ويُنظر إلى بعض أوجه السلوك على أنها مقبولة ومستحبة، في حين يعتبر بعضها الآخر غير مقبول في مجتمعات أخرى تحت مسوغات ثقافية أو دينية. ويعود هذا الأمر إلى اختلاف نظرة المجتمعات إلى الجنس حسب المراجع التي تنهل منها فهمها للموضوع، وبالتالي يتغير مفهوم التربية الجنسية من مجتمع لآخر.

على سبيل المثال، رفض المغرب مؤخرًا توصيات الأمم المتحدة بعدم تجريم المثلية والعلاقات الجنسية الرضائية، خلال أشغال الدورة الـ36 الأخيرة لمجلس حقوق الإنسان في مدينة جنيف السويسرية، لكونها "تتعارض مع الثوابت الجامعة للأمة المغربية" كما عللت الحكومة، لكن مثل هذه الممارسة تبدو مقبولة في الحقيقة بالنسبة لجزء واسع من المغاربة "المنفتحين جنسيًا".

ولحل هذه الإشكالية، أنجزت اليونسكو دليلاً تقنيًا تحت إشراف فريق من المتخصصين بمجال الجنس والجنسانية، لمساعدة حكومات العالم على بناء مناهج تعليمية للتربية الجنسية، بحيث تتضمن المعارف الجنسية المستمدة من البحوث العلمية، وفي الوقت تناسب السياقات الثقافية لكل مجتمع، لكن المنظمة الأممية تنبه إلى ضرورة تغيير بعض المعايير الاجتماعية التي تتعارض مع حقوق الإنسان.

وعلى هذا النحو، ينصح الطبيب والمحلل النفساني المغربي، جواد مبروكي، قبل الانخراط في مشروع تدريس التربية الجنسية، بضرورة أن يغير أولياء الأمور والأساتذة وكذلك أئمة الدين أفكارهم الخاطئة عن التربية الجنسية وبتحديث فكرهم واعتقاداتهم، خاصة فيما يتعلق بالتصالح مع الجسد وتغيير النظرة السلبية نحو الجنس والمساواة الجنسية بين الذكر والأنثى، ليستطيعوا القيام بهذه المهمة.

 

 

اقرأ/ي أيضًا:

جدل الإجهاض يعود من جديد إلى المغرب

المثلية الجنسية في السينما المغربية.. تابوهات تُطرح على استحياء