ultracheck
  1. قول

الترامبية في مواجهة العالمية الكاثوليكية: كيف تُوظَّف السلطة الدينية سياسيًا؟

11 مايو 2026
البابا ليو 14
أصبح الخلاف بين ترامب والفاتيكان جزءًا من الاستقطاب السياسي (رويترز)
مهاب محمد حسنين مهاب محمد حسنين

في الآونة الأخيرة، تصاعد الجدل بين بابا الفاتيكان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سياق يعكس مستوى متزايدًا من الاستقطاب السياسي والتعبئة القومية في العالم. وقد بلغ هذا التوتر حدّ أن قدّم ترامب نفسه كإله مخلّص في الخطاب العام، في مشهد يعكس تحولات لافتة في العلاقة بين السياسة والدين داخل المشهد الأميركي المعاصر، حيث تتداخل الرموز الدينية مع الخطاب السياسي في سياق تعبوي متصاعد.

ولا يعكس السجال المتكرر حول الحرب والهجرة والسلام مجرد اختلاف في المواقف السياسية، بل يكشف عن مواجهة أعمق بين رؤيتين متباينتين لطبيعة النظام الدولي: رؤية قومية شعبوية تعتبر السيادة والمصلحة الوطنية والأمن القومي أولويات مطلقة، مقابل رؤية كاثوليكية، يمثلها الفاتيكان، تسعى إلى الحفاظ على خطاب أخلاقي عابر للحدود يقوم على إدانة العنف والدعوة إلى السلام وترسيخ مبادئ العدالة الإنسانية. ومن هنا يطرح السؤال: إلى أي حد أسهم هذا الخلاف في إعادة إبراز حضور القيم الأخلاقية داخل السياسة المعاصرة؟

صدام بين القومية والشمولية الأخلاقية

منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أعاد ترسيخ خطابه القومي القائم على شعار "أميركا أولًا" باعتباره قاعدة مركزية في صياغة السياسة الداخلية والخارجية. ويقوم هذا التصور على فكرة أن الدولة القومية يجب أن تستعيد مركزيتها في مواجهة العولمة، وأن تُقدَّم المصالح الوطنية على أي التزامات أخلاقية أو إنسانية عابرة للحدود.

وبناءً على ذلك، تبنّى ترامب خطابًا سياسيًا يقوم على تشديد السياسات تجاه الهجرة، ورفض توسيع الالتزامات الدولية، إلى جانب الاعتماد على القوة العسكرية والاقتصادية كأدوات أساسية لحماية الأمن القومي الأميركي.

في المقابل، حافظ الفاتيكان على خطابه التقليدي الداعي إلى السلام والتعاون الدولي واحترام الكرامة الإنسانية، وهو ما جعله يبدو في كثير من الأحيان في موقع مقابل للخطاب الترامبي.

وقد تجسد هذا التناقض بوضوح في سجال أخير مع البابا ليو، حين انتقد الحرب الأميركية على إيران ودعا إلى تغليب الحلول السلمية، بينما اعتبر ترامب أن هذه المواقف لا تأخذ في الاعتبار "واقع العالم القاسي"، متبنيًا خطابًا يقدّم نفسه بوصفه حاملًا لرؤية خلاصية للعالم الحديث.

وردّ الفاتيكان، من جهته، بالتأكيد على أن للبابا "واجبًا أخلاقيًا" في التعبير عن موقفه الداعم للسلام، وأن الكنيسة لا يمكن أن تلتزم الصمت أمام الحروب والعنف. وهنا تتضح طبيعة الصدام الحقيقية، إذ لم يعد الخلاف محصورًا في السياسات، بل امتد إلى طبيعة القيم التي ينبغي أن تحكم العلاقات الدولية.

لم يعد الخلاف بين ترامب والفاتيكان يُقرأ داخل الولايات المتحدة بوصفه خلافًا دينيًا أو أخلاقيًا فقط، بل أصبح جزءًا من الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعيشه البلاد منذ صعود اليمين الشعبوي

فالخطاب الترامبي ينطلق من أولوية السيادة والردع واستخدام القوة عند الضرورة، بينما يسعى الفاتيكان إلى ترسيخ رؤية تعتبر أن الأمن لا يمكن فصله عن العدالة الإنسانية والاستقرار العالمي. ومن ثم، يبدو الصدام أقرب إلى مواجهة بين قومية سياسية تعيد تعريف العالم وفق منطق المصالح، وخطاب ديني عالمي يتمسك بفكرة المسؤولية الأخلاقية المشتركة، رغم تراجع تأثيره في عالم شديد الاستقطاب.

الشعبوية اليمينية وتحويل الدين إلى ساحة استقطاب

لم يعد الخلاف بين ترامب والفاتيكان يُقرأ داخل الولايات المتحدة بوصفه خلافًا دينيًا أو أخلاقيًا فقط، بل أصبح جزءًا من الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعيشه البلاد منذ صعود اليمين الشعبوي.

وخلال السنوات الأخيرة، تشكّل داخل التيار اليميني الأميركي خطاب يقوم على رفض "النخب العالمية" والمؤسسات العابرة للحدود، سواء كانت سياسية أو إعلامية أو دينية. وضمن هذا السياق، لم يعد الفاتيكان يُنظر إليه كمرجعية روحية فحسب، بل بوصفه جزءًا من منظومة عالمية ليبرالية تتعارض مع النزعة القومية المحافظة التي يتبناها ترامب وأنصاره.

وقد انعكس ذلك بوضوح في الخطاب الشعبوي الذي يربط بين المؤسسات الدولية والخطابات الإنسانية من جهة، وبين تهديد الهوية القومية الأميركية من جهة أخرى. كما ساهم صعود اليمين المتطرف داخل الحزب الجمهوري في إعادة تعريف عدد من القضايا الإنسانية باعتبارها أدوات صراع سياسي، بحيث باتت قضايا الهجرة وحقوق الإنسان والتعاون الدولي تُقدَّم كتهديدات مباشرة للسيادة الوطنية.

وبالتالي، عندما يدافع الفاتيكان عن المهاجرين أو ينتقد الحروب أو يدعو إلى التعاون الدولي، لا تُقرأ مواقفه بوصفها مواقف أخلاقية محايدة، بل تُفسَّر أحيانًا باعتبارها انحيازًا سياسيًا ضد المشروع القومي المحافظ.

وقد تجلى هذا التوجه في سياسات تبناها ترامب خلال رئاسته، مثل تشديد قوانين الهجرة، وبناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وفرض قيود على دخول مواطني بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة. وهي سياسات لم تكن مجرد إجراءات إدارية، بل تعبيرًا عن رؤية تعتبر أن الدولة القومية يجب أن تستعيد مركزيتها في مواجهة العولمة والمؤسسات الدولية.

في المقابل، تبنى الفاتيكان خطابًا مغايرًا يدعو إلى حماية المهاجرين واحتواء النزاعات عبر الوسائل الدبلوماسية، وهو ما جعل مواقفه تبدو، داخل السياق الشعبوي الأميركي، أقرب إلى خطاب سياسي مضاد للمشروع الترامبي، حتى وإن كان منطلقه دينيًا وأخلاقيًا في الأساس.

هل فقد الخطاب الأخلاقي حياده؟

يفرض هذا التوتر المتكرر بين البيت الأبيض والفاتيكان سؤالًا أكثر عمقًا يتعلق بطبيعة الخطاب الأخلاقي في عالم يتزايد فيه الاستقطاب: هل ما تزال المؤسسات الدينية قادرة على تقديم خطاب محايد فوق الصراعات السياسية، أم أن تدخلها في قضايا الحرب والهجرة والعقوبات الدولية جعلها جزءًا من معادلات النفوذ الدولي؟

فالفاتيكان، رغم كونه أحد أقدم الفاعلين الرمزيين في السياسة الدولية، لا يمتلك أدوات القوة المادية، لكنه يحتفظ بسلطة معنوية وأخلاقية واسعة التأثير. غير أن هذه السلطة أصبحت محل جدل داخل البيئات القومية والشعبوية، التي باتت تنظر إلى الخطاب الإنساني العابر للحدود باعتباره تدخلًا سياسيًا مغلفًا بلغة أخلاقية.

ولهذا، لم يعد نداء البابا للسلام يُستقبل دائمًا بوصفه موقفًا أخلاقيًا خالصًا، بل يُفسَّر أحيانًا باعتباره اصطفافًا ضمنيًا ضد سياسات الردع والقوة. وهكذا تتعقد المفارقة: كلما حاولت المؤسسات الدينية الدفاع عن قيم السلام، ازدادت احتمالات إدخالها في دائرة الاستقطاب السياسي.

فالحروب الحديثة لا تُدار بالسلاح فقط، بل عبر الخطاب وصناعة الشرعية الأخلاقية. وبهذا المعنى، يصبح السلام نفسه موضوعًا للصراع السياسي، وتتحول الدعوة إليه، في نظر بعض التيارات القومية، إلى خطاب غير واقعي أو مهدد للأمن القومي.

وفي هذا السياق، يبرز تصريح القس الإنجيلي الأميركي روبرت جيفريس، الذي يعكس هذا التداخل بين الدين والسياسة، قائلًا: "يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمتلك فهمًا أفضل لتعاليم الكتاب المقدس فيما يتعلق بدور الحكومة من البابا ليو الرابع عشر".

الفاتيكان والأحداث التاريخية الكبرى

رغم حدة الجدل الحالي، فإن التدخل الأخلاقي والسياسي للفاتيكان في الشؤون الدولية ليس ظاهرة جديدة، بل امتداد لدور تاريخي طويل للكنيسة الكاثوليكية في لحظات مفصلية من التاريخ العالمي. فمن الحرب الباردة إلى غزو العراق، سعى الفاتيكان إلى تقديم نفسه كسلطة أخلاقية قادرة على التأثير في المزاج الدولي.

وقد ظهر ذلك بوضوح في موقف الكنيسة من الشيوعية السوفيتية، ثم لاحقًا في معارضتها للحرب الأميركية على العراق عام 2003، حيث حاولت إعادة تشكيل النقاش الأخلاقي حول الحرب والسلام.

في هذا السياق، لعب البابا يوحنا بولس الثاني دورًا محوريًا في مواجهة الشيوعية، إذ حمل انتخابه عام 1978، كأول بابا من بولندا الخاضعة للنفوذ السوفيتي، دلالات رمزية كبيرة في أوروبا الشرقية.

وقد اعتُبر ظهوره تحديًا معنويًا للهيمنة السوفيتية، دون أن يلجأ إلى أدوات سياسية مباشرة، بل عبر خطاب أخلاقي يركز على الحرية والكرامة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وخلال زيارته إلى بولندا عام 1979، أسهم في تعبئة جماهيرية واسعة أعادت ربط الهوية الكاثوليكية بمفهوم الحرية، وهو ما اعتبره مؤرخون أحد العوامل التي مهدت لصعود حركة "تضامن" التي أضعفت لاحقًا النظام السوفيتي في أوروبا الشرقية.

وفي المقابل، اتخذ الفاتيكان موقفًا واضحًا ضد الحرب على العراق عام 2003، محذرًا من عواقبها الإنسانية والسياسية، ورافضًا منطق "الحرب الوقائية"، ومؤكدًا ضرورة الحلول الدبلوماسية.

ورغم أن هذا الموقف لم يمنع اندلاع الحرب، فإنه أعاد طرح سؤال أخلاقي جوهري حول حدود استخدام القوة، ودور المؤسسات الدينية في مواجهة منطق الحرب.

وتكشف هذه الأمثلة أن الفاتيكان لم يكن مجرد مراقب للأحداث الدولية، بل فاعلًا رمزيًا يسعى إلى التأثير في تعريف الخير والشر داخل السياسة العالمية.

رغم حدة الجدل الحالي، فإن التدخل الأخلاقي والسياسي للفاتيكان في الشؤون الدولية ليس ظاهرة جديدة، بل امتداد لدور تاريخي طويل للكنيسة الكاثوليكية في لحظات مفصلية من التاريخ العالمي

محدودية الخطاب الأخلاقي في السياسة المعاصرة

في عالم تحكمه موازين القوة والتحالفات العسكرية والتعبئة القومية، يبدو الخطاب الفاتيكاني اليوم أقرب إلى صوت أخلاقي منفصل عن إيقاع السياسة الدولية.

فبينما تتجه القوى الكبرى نحو مزيد من الاستقطاب وتبرير استخدام القوة تحت شعارات الأمن القومي، يواصل الفاتيكان الدفاع عن خطاب يدين العنف ويطالب بالسلام حتى في أكثر السياقات تعقيدًا.

إلا أن هذا الخطاب، رغم قيمته الرمزية، يبدو في كثير من الأحيان خارج معادلات القوة الفعلية، ولا يمتلك أدوات تأثير مباشرة على مسار الصراعات. وقد تجلى ذلك في مواقف البابا الأخيرة من الحرب على إيران، حيث أدان العنف من مختلف الأطراف، مؤكّدًا رفضه المطلق للحرب بوصفه موقفًا أخلاقيًا ثابتًا.

غير أن هذا التوازن في الإدانة يعكس أيضًا مأزق الفاتيكان في النظام الدولي المعاصر، إذ يسعى للحفاظ على سلطته الأخلاقية دون امتلاك أدوات ضغط حقيقية.

وهكذا، يتحول الفاتيكان تدريجيًا من فاعل مؤثر في تشكيل التوازنات الدولية إلى شاهد أخلاقي عليها، فيما يتحرك العالم وفق منطق القوة والمصالح. وفي ظل هذا التحول، يبدو الخطاب الأخلاقي أقل قدرة على التأثير، وأكثر عرضة للتهميش داخل نظام دولي شديد الاستقطاب.

كلمات مفتاحية
كأس العالم 2026

لماذا قد يكون مونديال 2026 الأسوأ في تاريخ كرة القدم؟

القضية الفلسطينية

أكثر من مجرّد لعبة: فلسطين وحضورها في كأس العالم

في كأس العالم قطر 2022، أصبح العلم الفلسطيني أحد أكثر رموز البطولة حضورًا وظهورًا. فقد رُفع في المدرجات، وانتشر في الشوارع، وارتسم على أكتاف المشجعات والمشجعين القادمين من مختلف أنحاء العالم

بن غفير

شكرًا بن غفير!

يظهر إيتمار بن غفير في مشهد تمثيليّ وهو يحاول الخلود إلى النوم، لكن صوت الأذان يمنعه من ذلك. فيقف فجأة ملوّحًا بمنع "الضوضاء الصادرة من المساجد"

كأس العالم 2026
رياضة

عن المسافات الهائلة بين المدن المستضيفة لكأس العالم.. من أكثر المتضررين؟

ستشهد كأس العالم 2026 تفاوتًا كبيرًا في حجم التنقلات بين الفرق، فستضطر بعض المنتخبات إلى قطع آلاف الأميال خلال دور المجموعات، بينما ستتمتع أخرى بجدول مريح يسمح لها بالبقاء في منطقة جغرافية واحدة

كأس العالم 2026
رياضة

كيف يكشف مونديال 2026 أزمات العالم المعاصر؟

يخضع مواطنو 39 دولة لقيود سفر أميركية متفاوتة تحول دون وصولهم إلى الولايات المتحدة، تنقسم بين حظر شامل وحظر جزئي

لبنان
مجتمع

من إرث العائلة إلى تأثير النجوم.. المنتخبات التي يشجعها اللبنانيون في كأس العالم

يختار مشجعو كرة القدم منتخباتهم المفضّلة وفقًا لثلاثة معايير أساسية؛ النتائج والنجاحات، و توارث الأطفال المنتخب المفضل عن آبائهم أو أقاربهم، وأحيانًا التمرّد على العائلة

كأس العالم 2026
الترا لايت

هل تتحول كأس العالم 2026 إلى عبء مناخي عالمي؟

قد ينتج كأس العالم 2026 نحو 7.8 ملايين طن متري من ثاني أكسيد الكربون، وهو رقم يزيد بأكثر من الضعف مقارنة بانبعاثات كأس العالم 2022 في قطر