ultracheck
  1. ثقافة
  2. مناقشات

التراث تحت النار: مواقع أثرية إيرانية في مرمى الحرب

20 مارس 2026
 قصر "كلستان"
تعرض قصر "كلستان" لأضرار جراء الهجمات (AFP)
الترا صوت الترا صوت

لم تقتصر الهجمات الأميركية والإسرائيلية على الأهداف العسكرية والأمنية فقط، بل امتدت لتشمل مجالًا أكثر حساسية، وهو التراث الثقافي والتاريخي. وتشير تقارير متزايدة إلى تضرر مواقع أثرية في مدن رئيسية مثل طهران وأصفهان، ما يثير القلق بشأن مصير إرث حضاري يمتد لقرون ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأضرار مجرد نتائج عرضية للحرب أم تعكس ضعف آليات حماية الممتلكات الثقافية أثناء الحروب.

مواقع تاريخية في دائرة الخطر

تشير تقارير صحفية إلى أن الضربات العسكرية لم تقتصر على المنشآت العسكرية فحسب، بل خلفت أضرارًا متفاوتة في عدد من المواقع الأثرية الرئيسية. ويشير هذه الحوادث إلى أن التراث الثقافي في مناطق النزاع أصبح معرضًا بشكل مباشر لتداعيات الحرب، سواء بسبب قرب المواقع من أهداف عسكرية، أو جراء موجات الانفجار الناتجة عن القصف. ومع أن بعض المواقع لم تكن أهدافًا مباشرة، فإن تأثير العمليات العسكرية يمتد إليها، ما يجعلها عرضة للدمار الجزئي أو الكامل، ويهدد استمرارية إرث حضاري يمتد لقرون.

من القصور العريقة إلى النسيج الحضري التقليدي

في العاصمة الإيرانية طهران، تكشف صور ومشاهد عن تضرر أجزاء من قصر "كلستان"، أحد أهم مواقع التراث العالمي المدرجة ضمن قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، والتي يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر. ووفق تقارير صحفية وتحليلات صور الأقمار الصناعية، فإن موجات انفجار ناجمة عن ضربات قريبة أدت إلى تحطم بعض الزخارف الحجرية والنوافذ الزجاجية الملونة في أجزاء من مجلس المرمر وقاعة الدهليز الكبرى. وقد أشار مراسلون محليون إلى أن الأضرار تتراوح بين كسور في العناصر الزخرفية وتشقق في الجدران والواجهات، ما يعكس التأثير غير المباشر للقصف العسكري على بنى تراثية تحمل قيمة تاريخية وفنية كبيرة.

تشير تقديرات إعلامية ومصادر مستقلة إلى أن أكثر من 56 موقعًا ثقافيًا وأثريًا في إيران تعرضت لأضرار متفاوتة خلال عمليات القصف الأخيرة

ولا يقتصر التأثير في طهران على القصور وحدها؛ فقد سجلت السلطات الإيرانية وأصحاب المتاجر في البازار الكبير في طهران أضرارًا في أجزاء من السوق القديم، الذي يمتد لأكثر من أربعة كيلومترات في قلب العاصمة ويعد من أقدم الأسواق التاريخية في البلاد. ونقل مراسلون أن تحطم الزجاج والنوافذ القديمة والاهتزازات القوية جرفت بعض البضائع والمعروضات التاريخية، ما أثار استياء تجار المنطقة الذين يعتبرون السوق جزءًا من الهوية الاقتصادية والثقافية لطهران.

إلى الجنوب الغربي من العاصمة، في مدينة أصفهان التاريخية، سُجلت أضرار متفاوتة في عدد من معالم الحقبة الصفوية، التي تعكس ذروة الإبداع المعماري الإيراني. وقد أفادت تقارير متخصصة بأن قصر "جهل ستون" وقصر "علي قابو" تعرضتا لكسور في بعض الزخارف الخارجية والواجهات الجنوبية، نتيجة الانفجارات في المناطق المحيطة. ويُعتبر هذان الموقعين أحد أبرز رموز العمارة الفارسية القديمة، ويجسدان فترات تاريخية حافلة بالتبادل الثقافي والفني.

كما لم يسلم المسجد الجامع في أصفهان من آثار الحرب؛ فقد لاحظت فرق ترميم محلية تشققًا في الأقواس الحجرية وبعض البلاطات المزخرفة جراء الاهتزازات المتكررة، ما أثار مخاوف من تهالك أجزائه الدقيقة التي تعود إلى قرون طويلة. ويُعد المسجد من أقدم المساجد في إيران، ويعد جزءًا محوريًا في تطور العمارة الإسلامية في المنطقة منذ القرن العاشر الميلادي.

الأمر نفسه امتد إلى أجزاء من المناطق السكنية والتجارية التاريخية في أصفهان، حيث أبلغ سكان محليون عن اهتزازات عنيفة في منازل قديمة ذات طراز معماري تقليدي، مما أدى إلى تشقق الجدران الداخلية والخارجية لبعض المنازل المبنية من الطوب المکشوف والطين. ووفق تقارير محلية، فقد أدى هذا إلى تهجير بعض الأسر إلى مناطق أكثر أمانًا خوفًا من انهيار جزئي للمباني

أرقام تكشف اتساع نطاق التأثير

تشير تقديرات إعلامية ومصادر مستقلة إلى أن أكثر من 56 موقعًا ثقافيًا وأثريًا في إيران تعرضت لأضرار متفاوتة خلال عمليات القصف الأخيرة. وتشمل هذه المواقع مبانٍ تاريخية، قصورًا ذات قيمة فنية عالية، أسواقًا تجارية عريقة، ومتاحفًا تضم مجموعات تراثية مهمة.

من بين هذه المواقع، تأثرت أربعة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو بدرجات متفاوتة، حيث سجلت أضرار تراوحت بين التحطم الجزئي للزخارف والتصدعات في الهياكل المعمارية:

قصر "كلستان" في طهران، ويعد أحد أبرز القصور التاريخية في إيران، ويتميز بزخارفه الحجرية والنوافذ الزجاجية الملونة. تعرض القصر لأضرار نتيجة موجات انفجار قريبة من الضربات العسكرية، ما أدى إلى تحطم أجزاء من مجلس المرمر وقاعة الدهليز الكبرى، وتشقق بعض الجدران الخارجية.

قصر چهل ستون في أصفهان، وهو أحد مواقع التراث الصفوي في المدينة، تعرض القصر لأضرار في الزخارف الداخلية والمرايا والجدران المزخرفة نتيجة الانفجارات في محيط الموقع، دون أن يتم استهدافه مباشرة. مسجد الإمام (مسجد شاه) في أصفهان، تعرض المسجد التاريخي، الذي يمثل أحد أقدم الأمثلة للعمارة الإسلامية في إيران، لتشققات في الأقواس الحجرية والبلاط المزخرف نتيجة الاهتزازات الناجمة عن القصف المحيط.

قلعة "فلك الأفلاك" في خرم‌آباد، وهي قلعة تاريخية تعود للعصور الساسانية، شهدت أضرارًا جزئية في المباني المحيطة والمتاحف التابعة لها، بما في ذلك تصدع الجدران والمرافق التراثية الصغيرة، نتيجة الضربات القريبة، مع الحفاظ على الهيكل الرئيسي للقلعة.

كما كشفت تحليلات صور الأقمار الصناعية التي أجرتها فرق بحثية مستقلة أن نحو 841 موقعًا ومنشأة متنوعة تأثرت بشكل مباشر أو غير مباشر خلال فترة زمنية قصيرة من التصعيد العسكري. هذه المواقع لم تقتصر على المواقع الأثرية الكبيرة فحسب، بل امتدت إلى مبانٍ تاريخية صغيرة، أسواق قديمة، مناطق سكنية تراثية، وحتى مبانٍ متصلة بالبنى العمرانية الثقافية في مدن مثل طهران وأصفهان. وتشير التحليلات إلى أن ما تم رصده من أضرار يتجاوز مجرد آثار جانبية لحركة المرور والاهتزازات، إلى تلف في البنى المادية للمواقع نتيجة الانفجارات والانهيارات الجزئية للأجزاء المعمارية.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية مضاعفة بالنظر إلى أن إيران تضم 26 موقعًا مدرجًا على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ما يجعل أي أضرار تلحق بهذه المواقع ذات أبعاد دولية. فهذه المواقع لا تمثل فقط ذاكرة تاريخية قومية، بل جزء من التراث الإنساني العام، وهو ما يضع الضغوط الدولية والقانون الدولي أمام اختبارات صعبة حول كيفية حماية هذه الممتلكات في زمن الحرب.

وبحسب مراقبين وخبراء في التراث الثقافي، فإن هذا الكم من المواقع المتأثرة يشير إلى مدى قرب المواقع التاريخية من أهداف استراتيجية أو شبكة مدنية حيوية، حيث تتداخل قيمتها الثقافية مع الكثافة السكانية والبنية التحتية الحديثة، مما يزيد من احتمالات تعرضها لأذى غير مباشر، حتى عندما لا تكون أهدافًا مباشرة.

تحذيرات دولية ومخاوف قانونية

أعربت منظمة "اليونسكو" عن قلقها العميق إزاء تدهور حالة المواقع الثقافية في إيران والمنطقة وسط تصاعد العنف، مشددة على أن الممتلكات الثقافية محمية بموجب القانون الدولي، ولا سيما اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة واتفاقية التراث العالمي لعام 1972. في بيان صدر في أوائل مارس 2026، ذكرت المنظمة أن قصر "كلستان" في طهران، المدرج على قائمة التراث العالمي، تعرض لأضرار نتيجة الحطام وموجات الصدمة الناجمة عن ضربة جوية في محيط الموقع، وحثت جميع الأطراف المعنية على احترام حماية المواقع الأثرية وتجنّب استهدافها أو تعرضها للضرر. كما أكدت اليونسكو أنها أرسلت إحداثيات المواقع المدرجة ضمن التراث العالمي والمواقع ذات الأهمية الوطنية إلى الجهات المعنية لتفادي وقوع أضرار إضافية، وحثّت على اتخاذ تدابير فورية لضمان سلامة التراث الثقافي في ظل التصعيد العسكري المتواصل في الشرق الأوسط.

التراث في زمن الحرب: ضحية صامتة

تُظهر تجارب العراق وسوريا خلال العقدين الماضيين أن الحروب تشكل تهديدًا شديدًا للتراث الثقافي، حيث أصبحت المواقع الأثرية تتعرض باستمرار لتأثيرات الصراعات، سواء نتيجة القصف المباشر أو الانفجارات المحيطة التي تدمّر المباني المجاورة وتؤدي إلى تصدعات هيكلية في المواقع التاريخية.

في العراق، لحقت أضرار واسعة بالمدن القديمة مثل بغداد وكربلاء، إضافة إلى مواقع أثرية وثقافية عديدة، شملت مكتباتها ومتاحفها ومقتنياتها التراثية. أما في سوريا، فقد شهدت مدينة تدمر التاريخية وحلب القديمة أضرارًا واسعة في معالمها التراثية نتيجة القصف والنهب المنظم، ما أدى إلى فقدان جزء كبير من التراث المادي غير القابل للاسترداد.

هذه التجارب تؤكد أن نطاق الحروب يتجاوز الجانب العسكري، ليصل إلى تهديد الهوية الثقافية والحضارية للشعوب، وتحذر من أن منطقة غنية بالتراث مثل إيران قد تواجه مصيرًا مشابهًا إذا لم تُتخذ إجراءات فعّالة لحماية مواقعها التاريخية والثقافية.

كلمات مفتاحية
ألتراس الجنوب

"الألتراس": من ظاهرة محلية إلى هوس ثقافي عالمي

لم تعد جماعات "الألتراس" مجرد ظاهرة محلية نشأت في الملاعب الإيطالية أواخر ستينيات القرن الماضي. فقد خرجت خلال العقود التالية من حدودها الجغرافية الأولى لتنتشر في مدرجات العالم

شين هاريس

"كلود" يتبرأ من استخداماته: الحرب الأميركية خارج أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

وقف الصحفي الأميركي شين هاريس أمام جمهور انتظره في أمستردام، في الثامن من نيسان/أبريل 2026، وروى محادثةً جرت بينه وبين "كلود"، نموذج الذكاء الاصطناعي

اليورانيوم

اليورانيوم: من الطبيعة إلى صراع النفوذ الدولي

يبدو كل نقاش حول اليورانيوم وكأنه محصور في نطاق تقني ضيق لا يفهمه سوى المختصين، إلا أن هذا التصور سرعان ما يتهاوى أمام حقيقة أن هذه المادة أصبحت، أحد أعمدة القوة في النظام الدولي

فيلم الدراما
أفلام

فيلم "الدراما": عن قضم تفاحة المعرفة المسمومة

يبدأ فيلم "الدراما" (The Drama)، كأي فيلم رومانسي، بمشهدٍ تسميه هوليوود (Meet cute)

جوزيه مورينيو
رياضة

بين الحنين والشك.. هل تُثمر عودة مورينيو المحتملة إلى ريال مدريد؟

تبدو فكرة عودة مورينيو إلى ريال مدريد جذابة من ناحية الإعلام والجماهير، لكن نجاحها على أرض الواقع يظل موضع شك كبير

ال نينو
علوم

موجات حر وفيضانات وجفاف.. صيف قاسٍ يلوح مع "إل نينيو الفائق"

ما يثير القلق حاليًا ليس مجرد تشكل "إل نينيو"، بل احتمال تحولها إلى ما يعرف بـ"إل نينيو الفائق"، وهو توصيف يُطلق على أقوى النسخ المسجلة من الظاهرة

البابا ليو 14
قول

الترامبية في مواجهة العالمية الكاثوليكية: كيف تُوظَّف السلطة الدينية سياسيًا؟

تصاعد الجدل بين بابا الفاتيكان والرئيس الأميركي دونالد ترامب، في سياق يعكس مستوى متزايدًا من الاستقطاب السياسي والتعبئة القومية في العالم