التراث الصوفي وتجديد الخطاب الديني

التراث الصوفي وتجديد الخطاب الديني

مخطوط يمثل عمرو بن العاص مستعرضاً "مقياس النيل"

بعد تمزق بلاد العرب طائفيًا وهدر ثوراتها وثرواتها، هناك على ما يبدو حاجة ملحة الآن لتجديد المعتقد الذي، شئنا أو أبينا، له التأثير الأكبر على العقل العربي، ولا يمكن الانتقال إلى رحاب الإنسانية الواسعة من حياة مدنية تعددية تضمن حقوق كل المواطنين بالتساوي، دون إلقاء الضوء عليه.

مشكلة نظريات المثقفين المستوردة من حداثة الغرب أنها قد لا تجد تجاوبًا شعبيًا 

مشكلة نظريات المثقفين المستوردة من حداثة الغرب تكمن في أنها قد لا تجد تجاوبًا شعبيًا واسعًا نظرًا إلى تفاوت التجربة التاريخية، كمشروع زكي نجيب محمود الإمبريقي مثلًا. مشكله تجديد الخظاب الديني من داخل الإسلام تقع في أن معظم الفكر الإسلامي، على مر القرون، قد حصر نفسه ما بين التنزيل، كمعظم مذاهب أهل السنة والجماعة، والتأويل كما لدي التشيع والتصوف والفرق الباطنية. وكلاهما يدور حول النص القرآني سواء بالشرح الحرفي الظاهري له أو الشرح الرمزي الباطني. حتي تأثير الفلسفة اليونانية الكبير، بالأخص أعمال أرسطو وأفلوطين، وسقراط، وتأثير الغنوصية الفارسية والهندية والمصرية على الإسلام قد استخدم لشرح دلالات القرآن ذاته، كما نجد عند ابن عربي، أو إخوان الصفاء، أو صدر الدين الشيرازي وغيرهما من قمم الفكر الإسلامي المجدد التوفيقي.

يطالب كل حاكم مسلم يأتي، إن كان السيسي أو سلفه مبارك، بتجديد الخظاب الديني من داخله. تجاوبًا لتلك الدعوة الرسمية صرّح الأزهر مؤخرًا أن "التصوف الصحيح" كفيل بأن يثني العامة عن التطرف المذهبي. بغض النظر عن كلمة "صحيح" المقلقة، خصوصًا أنها صدرت من الأزهر، لكن هذا التصريح يحمل صدى تاريخيًا ذا أهمية. فالفلاسفة والصوفية هم الذين كان موكلًا إليهم تراثيًا مهمة التصدي لفاشية المذاهب والفقهاء في الحضارة الإسلامية. 

ولكن لا يمكن للدين الأصلي أن يتطور من داخله إلا في حالة توفر حرية بحث وتأويل رموز النص المقدس حسب ما توصلنا إليه من تجربة ومعرفة. فهل لدينا تلك الحرية؟ القرآن كمعظم الأعمال الأدبية، غير الإمبريقية، الحياة هي التي تكشف معنى رموز نصه وليس النص هو الذي يكشف معنى الحياة. فإذا قارنا تجربة الوعي الديني العربي المعاصر بباقي البلدان التي تطورت فيها مذاهب إصلاحية تفرعت عن الأديان الأصلية، كالصين والهند، سنرى أن تطور الوعي الديني الإسلامي محدود جدًا عند الشيعة الإثني عشرية، وشبه معدوم عند السنة.
 
قام، على سبيل المثال، بطريرك الزن السادس هوينينج (638- 713 ميلاديًا)، في الصين، بتقطيع نصوص البوذا المبكرة (6 ق. م) في نشوة وجدانية تجاوزت السابق بعد أن هضمته، ولم ير مريدوه، أو معتنقو الديانة البوذية عمومًا، أي ضير في ذلك، رغم أن الزن هي مدرسة صوفية متفرعه من البوذية الأصولية. كذلك لم تعد النصوص المقدسة الأصلية القديمة للهندوسية مثل "الريج فيدا" و"السيد فيدا" هي الأكثر ترتيلًا وقراءة وقدسية لدي الهندوس الآن، بل النصوص اللاحقة عنها "الأوبانشيدات"، و"الأتما بودها"، و"الفيدانتا" (الفيدانتا بمعني "نهاية الفيدا" والفيدا هي الكتب  المقدسة الهندوسية البدائية) وكلمات النساك والأولياء المعاصرين.

لا يمكن للدين الأصلي أن يتطور من داخله إلا في حالة توفر حرية بحث وتأويل 

النص المقدس عندهم لا يقتصر على نبي واحد، أو فترة زمنية محددة، بل هو امتداد قد يبلغ آلاف السنين من النصوص المقدسة التي تطور وتعدل من نفسها باستمرار، مع اختلاف كتابها الذين عادةً ما يكونون مجهولين. لذلك لا زالت فلسفة الديانة الهندوسية حية وحرة ومتجددة دومًا في الهند، أو على النقيض الآخر قد انقرضت المذاهب الدينية رسميًا بعد أن استهلكت نفسها كما في الصين. 

هل يمكن لنا أن نتخيل مجددًا دينيًا أو شيخًا صوفيًا يقوم بتمزيق القرآن بعد هضمه وتجاوزه من داخل نسق التجديد الديني الإسلامي نفسه في المستقبل هنا؟! طيب هل يمكن لنا أن نتخيل انقراض الدين وتحوله إلى أسطورة كباقي الأساطير العتيقة؟ الغريب أنه منذ أكثر من ألف سنة، كان هناك الكثير من الحركات الإصلاحية الثورية التى نشأت من التراث الإسلامي كمثيلتها في الشرق الأقصى، سواء الزن البوذية أو الفيدانتا الهندوسية، أكثر بكثير من الآن. ليس ذلك فقط، بل لو سمعنا الآن، بعد انتشار الفكر السلفي النفطي، عن بعض ما كان يقوله هؤلاء المجددون لكفرناهم.

مذهب الموحدين الدروز، على سبيل المثال، تجاوز في لاهوته ثنائية التنزيل والتأويل التي دارت فيها معظم المذاهب الإسلامية، حتى المتطورة منها كالإسماعيلية والقرمطية، منذ أكثر من 1000 سنة. أعدم، كما هو معروف، الخليفة المأمون المعتزلي من كان يزعم أن القرآن كلام الله، كالفقيه الحنبلي. عندما سؤل الحلاج، وأحيانًا تنسب هذه الرواية إلى عفيف الدين التلمساني (690 هجريًا)، من أحد المصلين "الأرثوذكس" المتعجبين لماذا لم يشاهده  طيلة عمره يصلي أو يقرأ قرآنًا كغالبية المسلمين؟ كان رد الحلاج أن "القرآن كله شرك ليس فيه توحيد، وإنما التوحيد في كلامنا". بمعنى أن النص القرآني قسم الوجود الواحد إلى نقيضين متعاركين، وهي مرتبة، حسب رأيهم، أدنى من توحيد العرفان الصوفي المتمثل في نظرية "وحدة الوجود" التي نقلها سبينوزا إلى فلسفة أوروبا الحديثة فيما بعد بعدة قرون. 

أعلن الحسن (على ذكره السلام)، أحد أئمة "آلموت" الإسماعليين، في القرن الحادي عشر، أن القيامة قد قامت وقام برفع تكاليف الشريعة عن أتباعه من صوم وصلاة وحج بعد تعمق مذهبهم  بـ"علم الحقيقة". وبما أنه جاء الحديث على التناقض الشهير لـ"علم الحقيقة مع علم الشريعة" في التراث الباطني الإسلامي، كان ابن عربي يفضّل الأولياء على الرسل ويقول إنهم بفلك معرفي "محيط بمقام الرسالة" في كتابه "الفتوحات المكية"، ويلجؤون إلى قصة الخضر في القرآن ليدللوا على رأيهم المتحرر من شرائع الرسل البدائية.  

نقد أبو يزيد البسطامي أيضًا نظرية النبوة من أساسها: "تالله إن لوائي أعظم من لواء محمد، لوائي من نور تحته الجن والجان والأنس كلهم من النبيين". هي إشارة مبكرة إلى السخرية المعاصرة من فكرة أن هناك فردًا واحدًا أو نصًا واحدًا  فقط هو المصطفى السماويّ، وعلى البقية اتّباعه كما يتبع الغنمَ الراعي، أو كما يتبع الأولاد الأب "رب الأسرة". لمح السهروردي أيضًا، بما أدى إلى قتله من قبل صلاح الدين الإيوبي لاحقًا، إلى أن" النبوة ممكنة"، بمعني بطلان الزعم بختم النبوة على يد الرسول المحمد، بل إنها ممتدة عبر التاريخ لمن "عنده استعداد".

وصفت رابعة العدوية فريضة الحج الي الكعبة بعبادة الأصنام في شعرها "ما هذا الصنم المعبود الذي لم يلج الله فيه ولا خلا منه" إشارة الي كعبة مكة. يروى أنه أثناء ذهاب أبي يزيد البسطامي إلى الحج وجد فقيرًا مدقعًا فنصحه المحتاج أن يعطيه ماله ويدور حولة سبع مرات بدلًا من الكعبة لأنه يريد إطعام أولاده، ففعل البسطامي ذلك وعاد أدراجه ممتنًا.