09-مارس-2023
getty

تعرضت تصريحات قيس سعيّد لانتقادات دولية واسعة (Getty)

شكلت خطابات قيس سعيّد ضد المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء إلى تونس، التي ارتكزت على تصورات أمنية ونظريات مؤامرة، بداية حملة حكومية ضد الهجرة، تخللها أعمال عنف ممنهجة.

في الأسابيع الماضية بدأت الحكومة التونسية حملة اعتقالات للمهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء، بعد تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيّد، التي تعرضت لإدانات واسعة وانتقادات حقوقية وسياسية

ففي الأسابيع الماضية بدأت الحكومة التونسية حملة اعتقالات للمهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء، بعد تصريحات الرئيس التونسي قيس سعيّد، التي تعرضت لإدانات واسعة وانتقادات حقوقية وسياسية في تونس وأفريقيا ودوليًا، نتيجة التصورات العنصرية التي قدمتها، وعقب تلك التصريحات تعرضت مجموعات واسعة من المهاجرين لأعمال عنف وطرد وإيقاف عن العمل في تونس.

تصريحات سعيّد حاءت خلال قيادته اجتماعًا لمجلس الأمن القومي التونسي، الشهر الماضي،خُصص لبحث "اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة ظاهرة توافد أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين من أفريقيا جنوب الصحراء إلى تونس"، بحسب البيان الرسمي، وخلاله خرجت تصريحات سعيّد التي زعمت مشاركة المهاجرين الأفارقة "في مؤامرة لتغيير التركيبة السكانية لتونس"، وزعم أن المهاجرين يقفون وراء أعمال العنف والجريمة التي تقع في البلاد، داعيًا إلى تشديد القيود على تدفق المهاجرين، بحسب قوله.

getty

أدى خطاب الرئيس التونسي، الذي انقلب على البرلمان في تموز/ يوليو 2021، والذي نشر على الموقع الرسمي للرئاسة التونسية، إلى انتشار خطاب كراهية وعنصرية تجاه المهاجرين الأفارقة على مواقع التواصل الاجتماعي. وهو ما شجع أنصار أفكار سعيّد على الاعتداء على المهاجرين.

تصورات سعيّد الأمنية، انعكست في تشديد قوات الأمن التونسية حملاتها ضد المهاجرين، بينما هدد المتحدث باسم الحرس الوطني التونسي حسام الدين جبابلي، في مقابلة مع محطة تلفزيونية باعتقال كل من يوظف أو يوفر أماكن إقامة للمهاجرين.

جاءت الحملة في ظل فشل كافة إجراءات قيس سعيّد الاقتصادية، حيث برر انقلابه بـ"مكافحة الفساد" وتحسين الحالة الاقتصادية، لكن الانتقادات الواسعة أشارت إلى أن سعيّد سعى إلى جعل "المهاجرين كبش فداء للوضعية الاقتصادية الصعبة"، بالإضافة إلى محاولة صرف الانتباه عن حملة الاعتقالات السياسية الواسعة في صفوف المعارضة.

getty

وقالت مديرة منظمة هيومن رايتس ووتش في تونس سلسبيل شلالي، إنها تلقت تقارير عن تصاعد العنف والتمييز ضد المهاجرين الأفارقة، وشملت التقارير روايات عن مجموعات من التونسيين تجمعوا خارج المباني التي تأوي مهاجرين لترهيبهم، وفي بعض الحالات رشقوا المباني بالحجارة أو أشعلوا النيران فيها.

وتحولت الحملة التي قدمت باعتبارها حملةً ضد "الهجرة غير النظامية"، إلى هجوم واسعة على أفارقة متواجدين بتونس بشكلٍ قانوني، بالإضافة إلى تونسيين من أصحاب البشرة السمراء. وأشارت شلالي إلى أن المهاجرين الأفارقة يواجهون العنصرية منذ فترة طويلة في تونس لكن "خطاب الرئيس في الحقيقة أشعل النيران".

أزمة دبلوماسية

مع تصاعد الأزمة، إقامة بعض توجهت مجموعات من المهاجرين إلى سفارات بلادهم ومقر المنظمة الدولية للهجرة، واعتصموا أمامها من أجل تأمين الحماية لهم. كما بدأت دول مثل ساحل العاج ومالي وغينيا في إجلاء مواطنيها جوًا، ونشر الحساب الرسمي للرئاسة في غينيا على تويتر صورًا للرئيس المؤقت مامادي دومبويا وهو يحتضن نساءً وأطفالًا عادوا من تونس، وفي عملية إجلاء ثانية، هبطت طائرة على متنها 48 غينيًا، احتاج بعضهم إلى علاج طبي.

وقالت الرئاسة الغينية في بيان يوم السبت الماضي، إن "هؤلاء المواطنين الذين فروا من الاضطهاد والرفض في تونس تم الترحيب بهم بشرف وكرامة" ، وتعهدت بدعم  العائدين.

getty

فيما قالت ساحل العاج إنها ستجري إحصاءً للمواطنين الراغبين في مغادرة تونس وإخراجهم منها، وأفاد راديو "فرنسا الدولية"، أن حوالى 1300 إيفواري قاموا بتسجيل أنفسهم على قوائم طلب المغادرة، وقالت إن "أول رحلة عودة نقلت جوًا من تونس العاصمة صباح السبت 145 مواطنًا من كوت ديفوار". كما تدرس الحكومة النيجيرية عمليات إجلاء خاصة بها، بحسب تغريدة لهيئة رسمية مكلفة بالمهاجرين النيجيريين.

ووفقًا لمنظمة "محامون بلا حدود"، وهي منظمة حقوقية تعنى بحقوق الإنسان، فقد تم اعتقال على حوالي 860 مهاجرًا في الأسابيع الأخيرة، وكان بعضهم يقيم بشكلٍ قانوني وتم إطلاق سراحهم، بينما حُكم على 69 شخصًا على الأقل بالسجن لمدة شهر لـ"انتهاكهم قوانين الهجرة التونسية".

غضب دولي

أفادت وكالة بلومبيرغ الأمريكية، أن الاتحاد الأفريقي الذي استنكر تصريحات سعيّد، ألغى مؤتمرًا كان من المقرر عقده في تونس الشهر الجاري. ونقلت الوكالة عن متحدثة باسم الاتحاد الأفريقي، قولها في رسالة نصية، إن مؤتمر مكافحة التدفقات المالية غير المشروعة في أفريقيا، والمقرر عقده في منتصف آذار/مارس الجاري، تم تأجيله، ولم يتم اختيار أي بلد مضيف آخر من أجل عقد المؤتمر. 

كما قالت وكالة فرانس برس، إن البنك الدولي علق المحادثات بشأن المشاريع المستقبلية في تونس، مستشهدة بمذكرة داخلية لرئيس البنك ديفيد مالباس، قال فيها إن "خطاب سعيّد تسبب في مضايقات بدوافع عنصرية وحتى حوادث عنف"، وأضاف أن المؤسسة أرجأت اجتماعًا كان مبرمجًا مع تونس حتى تنتهي من تقييم الوضع. 

وتابع مالباس في المذكرة "نظرًا للوضع، قررت الإدارة إيقاف إطار الشراكة مع الدولة مؤقتًا وسحبه من مراجعة المجلس"، لكن الوكالة أشارت إلى أن المشاريع وبرامج التمويل الجارية ستستمر.

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس، إن "الولايات المتحدة قلقة للغاية بشأن تصريحات سعيّد واعتقالات المهاجرين"، وفي إفادة صحفية تحدث برايس، قائلًا: "هذه التصريحات لا تتماشى مع تاريخ تونس الطويل في الكرم واستضافة وحماية اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين"، وتابع "نحن منزعجون من التقارير عن أعمال عنف ضد المهاجرين".

getty

محاولة للتراجع

في مواجهة الانتقادات الدولية، حاولت الحكومة التونسية التخفيف من الانعكاسات السلبية لتصريحات قيس سعيّد، فقد ذكرت وكالة الأنباء التونسية الرسمية أن وزير الخارجية نبيل عمار وصف "مزاعم العنصرية بأنها غير عادلة وغير مقبولة"، خلال  مؤتمر صحفي عقده يوم الإثنين.

كما نشرت الحكومة بلاغًا جاء  فيه: "شرف لتونس أن تكون دولة أفريقية، وستبقى تونس دولة تكافح من أجل المظلومين وتسود لضحايا أي نوع من التمييز العنصري".

كما أعلنت الحكومة عن تدابير لمساعدة الأجانب الذين يعيشون في تونس، بما في ذلك  توفير الدعم الطبي والنفسي للمهاجرين، وتقديم تصاريح إقامة لمدة عام واحد للطلاب من الدول الأفريقية أخرى، وإعفاء المهاجرين من غرامات تجاوز مدة التأشيرات.

كما أنشأت السلطات خطًا ساخنًا للمعلومات لمساعدة الأجانب، ووعدت بالتنسيق مع السفارات لـ"تسهيل المغادرة الطوعية".

وضمن تصوراته السابقة عن نظرية المؤامرة، سعى سعيّد إلى تبرير خطابه، بالقول إنه قد حصل "تأويل خاطئ لخطابه في علاقة بالمهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء بتونس، وذلك بهدف الإساءة للبلاد"، على حدِّ قوله. وأضاف، لدى استقباله عمر سيسوكو امبالو رئيس غينيا بيساو والرئيس الحالي للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، أن هناك أطرافًا عمدت إلى ترويج دعايات مظللة على منصات التواصل الاجتماعي عبر تفسير خطابه على طريقتهم من أجل الإساءة إلى تونس"، بحسب قوله.

getty

مواجهة خطاب العنصرية

ومع ذلك، نظم نشطاء المجتمع المدني احتجاجات وتجمعوا في "جبهة مناهضة للفاشية" لتقديم المساعدة الطارئة للمهاجرين الذين يواجهون الاضطهاد أو التشرد.

كما نظم الاتحاد العام للشغل، وهو أكبر نقابة عمالية في البلاد، مظاهرةً حاشدةً وسط العاصمة التونسية تنديدًا باستهداف الحريات النقابية والعامة، واستنكارًا لتصريحات الرئيس التونسي بشأن المهاجرين، وأكد الاتحاد على  ترحيبه بهم، داعيًا إلى محاكمة الأشخاص الذين يقفون وراء الاعتداءات العنصرية والتمييز.

نظم الاتحاد العام للشغل، وهو أكبر نقابة عمالية في البلاد، مظاهرةً حاشدةً وسط العاصمة التونسية تنديدًا باستهداف الحريات النقابية والعامة، واستنكارًا لتصريحات الرئيس التونسي بشأن المهاجرين

من جانبها، قالت حركة النهضة: "نستنكر بشدة خطابات التحريض والكراهية والتمييز العنصري ضد المهاجرين الأفارقة في تونس بعد اتهام قيس سعيّد أطرافًا داخلية وخارجية لم يسمِّها بمحاولة تغيير التركيبة الديمغرافية للشعب التونسي عبر توطين الأفارقة"، بالإضافة إلى انتقادات واسعة من غالبية الطيف السياسي التونسي.