البيت.. ترويض وحشية الأمكنة

البيت.. ترويض وحشية الأمكنة

لؤي كيالي/ سوريا

في كتابه "أصل الأشياء"، يذهب عالم الإناسة الألماني يوليوس ليبس إلى أنه" لولا النار لما وجد بيت ولا قبيلة، ولا عرفت حياة بشرية". وهو إذا كان محقًا في ربطه بين النار والحياة فإنه لمن الجدير أن يُنظر إلى البيت على أنه رحم كل حياة ومبتدأها، فهو يستحق منا أن نرفعه إلى مستوى الحبل السري القادر على تأمين الحماية والسكينة لنا معًا. إنه نقطة العلام التي تدل على نجاحنا في استئناس وترويض النائي والبري والموحش من الأمكنة.

أدى نشوء البيت إلى تبلور مفهوم الموطن أو ما يسمى الحمى

البيت عند الإنسان البدائي بمثابة السياج الذي يحميه من عالم الأشباح المرئية، وغير المرئية التي تجوب الليل وفي نيتها إلحاق الأذى به. فمع البيت اكتشف قيمة الطمأنية والسكينة التي يشعر بها حين يكون داخله مقابل مشاعر الخوف والقلق الذي تنتابه حين يكون خارجه، فأولاه كل رعاية ممكنة إلى الدرجة التي جعل منه الملاذ الأول، الذي يعتصم به حين تداهمه قوى الطبيعة التي لا قدرة له على تحمل آثارها المدمرة كالرياح العاصفة والحيوانات المفترسة.

اتخذ البيت الأول عند البدائين، وخاصة جماعات الجمع والقنص، شكل "واقية الرياح" وهي عبارة عن مجوعة من العيدان المرنة تنصب في الأرض على شكل نصف دائرة، تشكل نهايتها العلوية رأس مروحة صينية. الأمر الذي سمح بحماية صاحبها من الريح والمطر، بعد أن غطيت جوانبها بالنباتات والطين. وقد استخدمت تلك الواقية من قبل جماعة الصيادين كما لو أنها خيمة مصنوعة من قماش لغرض الإقامة المؤقتة.

أما في المناطق التي تطلب فيها نمط الحياة الاقتصادي الإقامة الدائمة، كما عند الجماعات التي اعتمدت في عيشها على محاصيل الجني أو الزراعة، فاتخذ المسكن شكل كوخ دائري، هو تمثيلٌ لاجتماع واقيتي مطر معًا. أو اتخذ شكل البيت المستطيل ذي السقف والقوائم الأربع، الذي سمح فضاؤه بتوفير مساحات أكبر لساكنيه. وهو أيضًا سمح ببناء مسكان جماعية لأبناء عشيرة كاملة تفصل بين أسرها قواطع خشبية تؤمن لها الخصوصية. كما أتاح أماكن خاصة تمارس فيها الجماعة طقوسها الدينية، أو ساعد على بناء مخازن غلال ضخمة لحماية غذائها من التلف.

أدى نشوء البيت إلى تبلور مفهوم الموطن أو ما يسمى الحمى. فإذا كان البيت هو المكان الذي يوفر للفرد الحماية من الأخطار التي قد يواجهها في الخارج. فإنه لا يشكل إلا حيزًا صغيرًا من المكان الذي تنشط فيه الجماعة البشرية لتأمين قوتها اليومي، فربما يمتد موطن قبيلة صيد، أو رعي، إلى مئات الكيلومترات المربعة. ما دعى لأجل حمايتها من الغرباء إلى وضع عقوبات صارمة ضد أي شخص ينتهك حدود المكان الذي تنشط فيه، تصل في بعض الأحيان إلى معاقبته بالموت، أو طرد المنتهك إذا كان واحدًا من أفرادها. إن النفي عن البيت أو الموطن أشد عقوبة من الموت ذاته، ذلك أن المطرود سيتجرع آلام الموت عشرات المرات قبل أن يناله، ففي عرف ذلك الزمان، كان المنفي هو الشخص الذي يقذف خارجًا ليواجه عالمًا شبحيًا يودي به إلى الموت  جوعًا أو افتراسًا.

البيت فضاء لتلمس المسرات والانتشاء بها

إذا ما حدث لجماعة بشرية أن تحوّلت، بفعل الحروب أو المجاعات، إلى جماعة منفية عن موطنها، فإنّ ذاكرتها الجماعية تعمل على تحويل المكان الجغرافي التي كانت تعيش فيه إلى مقام الجنة المفقودة، حتى لو كان أقلّ إنتاجيةً من المكان الجديد. ذلك أنه ليس من السهل على البشر أن يتقبلوا فكرة العيش في مكان جديد، دون اعتبار لذاكرة المكان القديم التي تستولي على مشاعرهم. لذا لم يكن غريبًا أن يعمل الشعراء العرب، قبل الإسلام، على ترسيخ تقليد الوقوف على الأطلال الذي يشبه البكاء على ميّت، لكن المكان هنا هو الجثة. وربما كانت للشعراء حساسية يقظة أكثر من غيرهم، يستطيعون من خلالها الشعور بفداحة خسارة البيت أو الوطن.

في قصيدته "لماذا تركت الحصان وحيدًا"، يرصد محمود درويش بين موت البيوت وغياب ساكنيها، ما يشير إلى قبح الاحتلال الإسرائيلي الذي أفسد علاقة التناغم والانسجام بين البيت والحصان وصاحبه. إنها إدانة تراجيدية لمشهد الحصان المتروك على مقربة من عتبة البيت. كما أنها حالة تفجّع مريرة أمام ثنائية الغياب والحضور التي يأخذها درويش إلى مستوى آخر، حين يمنح الموت للبيت لا للإنسان. وتقول كلمات الأخوين رحباني في مسرحية جبال الصوان "بيضلوا يسألوك: إنت من وين؟ ما فيك تكون من ولا مطرح ؟"، هكذا سيكون الفرد مزيجًا من اسمه والمكان الذي ينتمي إليه.

يتساوى الفرد، بدائيًا كان أو معاصرًا، في حميمية العلاقة مع البيت أو الموطن. لذا تراه يمتلك حساسية مضاعفة إزاء أي اعتداء على أرضه لكونه يمثل اعتداءً على حياته نفسها. إنه موزعٌ بين قيم البطولة والفداء، ففي كل مرة يتحق له الانتصار على أعدائه الذين يحاولون انتزاعه من أرضه، وبالتالي إفنائه، يزيد ذلك من رغبته بالتشبث بأرضه حدّ الهوس. وإذا ما حدث وقُتل وهو يدافع عنها فإنه يرتقي إلى مصاف الشهداء، أولئك الذين لا يموتون خلسة كما يحدث للقتلى، بل على رؤوس الأشهاد. حسم خلافات ملكية الأرض في الماضي، كان يحدث على شكل مبارازات فردية تلهب مشاعر المتخاصمين، وعلى الرغم من اختفاء الموت الاحتفالي من حياتنا، فإن قتلى الحروب المعاصرة ما يزالون يحفلون بنفس مشاعر التبجيل والتقدير التي رسختهها نظرة الشعوب البدائية لقتلاها حين يسقطون دفاعًا عن الحِمى الخاص بهم.

البيت الذي اخترعه الإنسان لم يكن مجرد مكان لتأمين الحاجات المادية، بل تحول مع مرور الوقت ليشكل حيزًا جماليًا، فقد حرص الإنسان على أن يجعل منه فضاء لتلمس المسرات والانتشاء بها. ففي خيمة البدوي، نرى البسط الملونة والوسائد المطرزة والجلود المدبوغة ودلال القهوة المنقوشة، كما نرى في بيوت الهنود الحمر أسرة النوم المصنوعة من الخشب وقد غطيت بالحصير. بينما زودت البعض منها بفراغات تسمح بالحفاظ على تسريحات الشعر المعقدة أثناء النوم.

عثر في بعض بيوت سكان قبائل المحيط الهادي على تماثيل من العاج، وملاعق من الخشب، وأمشاط صغيرة من الصدف، غير معدة للاستخدام المنزلي بقدر ما كانت توضع لتزين الجدران الداخلية للبيت، الأمر الذي دل على وجود ذائقة جمالية عند مالكيها. أما كراسي الزعماء المحليين فزينت بالخرز والصدف وحفرت على مساندها أشكال حيوانية ونباتية ذات طبيعية دنيوية. كل تلك الأعمال الجمالية، بما فيها لوحة "تمرد الأشياء" التي رسمها أحد فناني هنود البيرو القدماء، تعكس خوف الإنسان القديم من تمرد الأشياء ضد صانعيها من البشر، وكانت بمثابة مشهدٍ بهيجي يجلب السرور.

كأنّ الأرواح، على الرغم من خفتها، لا تجد راحتها إلا في حيّز تؤول إليه

كان لاختراع البيت عظيم الأثر في حياة الإنسان، لذا كان من الطبيعي أن ينتقل أثر كلمة البيت إلى كل ما يمت للثقافة بصلة، فها نحن نراها في تعبير "بيت الشعر" الذي أضحى بيتًا للكلمات الموزونة التي يتولد من تآلفها، على نسق ما، نوع من الموسيقى. هكذا صار لاجتماع الكلمات والموسيقى والمعنى "بيتًا"، وهو ما يحقّق ما ذهب إليه الشاعر الألماني هولدرلين حين قال بـ"سكنى العالم شعريًا".

انتقلت كلمة البيت إلى عالم الأرواح، فتعرفنا على ما يسمى "بيت الأرواح" الذي يشير إلى المكان التي تذهب إليه الأرواح بعد انفصالها عن أجسادها. كأنّ الأرواح، على الرغم من خفتها، لا تجد راحتها إلا في حيّز تؤول إليه.

ليست مقولة "بيت المرء جنته" إلا تعبيرًا مجازيًا تصل حسيته إلى تخوم الحقيقة، فإذا كان ثمة جنة ما على الأرض، فهي على العكس مما يتوهمه البعض في كونها نائية وبعيدة وخارج حدود العالم، إنها قريبة قربَ اليد من الفم. البيت هو الجنة ذاتها إذا ما استطاع الإنسان تحويله إلى مكان للمسرات، فتحت سقفه يتعرف المرء على جسد الآخر ليروي عطشه البدائي للمتعة، وتحت ظلاله يتصل بالمطلق والسماوي عبر الرقص والموسيقى، وعبره  يُحضر الغابة إلى متناول يديه عبر تأثيث الحديقة، ويحوز على خلود الأبدية عبر إنجاب العديد من الأولاد الذين سيدلون عليه بعد أن يمضي.