البيت بوصفه اختبارًا للهوية

البيت بوصفه اختبارًا للهوية

فيكتور إهيخامينور/ نيجيريا

لم تمض أيام قليلة على الحجر المنزليّ حتى تعالت الأصوات رافضة لهذا المصير، أو على الأقلّ رحنا نسمع الناس يندبون الحظّ العاثر من ضجر مبارحة البيت.

يأخذ التحصّن بالبيوت لاتقاء المرض شكل الدفاع عن الحياة، فيما يريد المتحصّن الاحتماء بمتع قائمة أساسًا على استباحة الحياة

هذا الإجبار جعل المحجورين يشعرون بالتعاطف مع بعضهم البعض بادئ الأمر، فراحوا يبادرون إلى تبادل أشياء (كتب وأفلام وموسيقى..) من شأنها المساعدة على البقاء في البيت، لكنّ الحالة، في كلّيتها، فتحت أمام عيوننا أسئلة كثيرة حول شكل الهوية الفردية كما تتجلّى في أشخاص نعرفهم، وأضاءت على أفكارهم المعطوبة حول المكان الذي يعيشون فيه.

اقرأ/ي أيضًا: وحدهم الغرباء من يكسرون رتابة الأمكنة

العجيب أنه في وقت مثاليّ يأخذ التحصّن بالبيوت لاتقاء المرض شكل الدفاع عن الحياة، فيما يريد المتحصّن الاحتماء بمتع قائمة أساسًا على استباحة الحياة.

إلى جوار ذلك، فُتح مجال المساءلة لمعنى المتع التي خسرناها بعد انغلاق الأبواب علينا، إذ بدا التذمّر وغيره من المشاعر بعيدًا عن المنطق، كون تلك المتع التي يعرفها زماننا في أغلبها ترفيهًا استهلاكيًّا أكثر من كونها أنشطة حقيقية.

صار الجميع يشعر بالحاجة إلى الجميع، لكن الحاجة هنا غريبة نوعًا ما، الجميع يحتاج الجميع ليُخفي ضياعه الخاص في احتشادهم. الحشد غطاء لتمزّقات الذات، وتأجيل نفعيّ لمواجهة قلق الوجود، بما يسمح للإنسان أن يعود إلى منزله لكي يلتقي بنفسه لقاء سريعًا، يخبرها فيه قناعته البسيطة والمريحة أنه ليس الوحيد على هذه الحال. وذلك يكفي ليكون جوابًا على كل الأسئلة الوجودية.

أن تكون وحدك في البيت مع هذا الوقت كله ففي ذلك إجابات دقيقة، منك لك، عمن تكون، وما هي إمكانياتك، وما الركائز التي يقوم عليها كيانك. البيت والوحدة أول عتبات تشكيل الهوية. ليأتي بعدها الخروج إلى المجتمع ذاتًا كاملة، ذات ملامح واضحة، قابلة لتأخذ وتعطي، فتؤثر وتتأثر. في حين أن النقصان الذي يكشفه البيت لن يكون في مُكنة الخارج ترميمه. هذا إذا لم نقل إن تصدير البيوت لكل هذا النقصان يخلق مجتمعًا مختلًا مليئًا بالثقوب.

على هذا، ليس المجتمع الصغير الذي بناه كلٌّ منا إطارًا للعيش، بمقدار ما يمثّل مرآةً تعطينا تعريفًا لأنفسنا. صحيح أن المجتمع الصغير الذي نعيش فيه هو الذي يمنح الواحد منا هوية، لكنها هوية مزيفة، لأنها تقوم على نظرة أحادية، فأنت سيد الرقص في السهرات كما يرونك، أو خفيف الدم الساخر، أو طيب القلب الذي لا تساعده ظروفه. لكن للكورونا والحجر المرافق له رأيًّا آخر يقول إن هذا لا يكفي، فلن يكون لك أن تكون أنت ما لم تبتكر هوية خاصة في مساحتك الجوانية، وهذه لا يمكن أن تحدث إلا في المراجعات التي تجريها مع نفسك وحيدَين. أما ما دمت تحتاج إلى الآخرين لكي يعطوك مرآةً تكون تمثيلًا لما تريده من هذا الوجود، وستأتي وتزيّف معنى تلك المرآة وتسميها تجاوزًا هويةً، فها أنت حين حُبست في البيت، من دون أولئك الآخرين، لا تجد من تكون، ولا تدري ما تريد.

 إذا كنت تريد من الآخرين أن يقولوا لك من أنت، فمن أنت بالنسبة لك قبل ذلك؟

حين نقول إنك لا تعرف من أنت دون الآخرين لا ننفي أهمية الآخرين على الإطلاق، لكنّ على الآخرين ألا يكونوا نفيًّا لذاتك. أليس كذلك؟

اقرأ/ي أيضًا: سماء قريبة من بيتنا.. مرايا الأمكنة والشتات

المشكلة التي تقود إلى هذه الأسئلة أنّ هذا هو الوقت المناسب لكلّ الأشياء التي طالما أجلّناها تحت ادعاء عدم توفر الوقت، وحين يتوفّر الوقت بما يكفي للشخص ليقوم بما يحبّ ولا يفعل فلا دلالة في ذلك أكثر من غياب الرؤية وعطب الهوية.

بكلماتٍ أخرى أخيرة، إذا كنت تريد من الآخرين أن يقولوا لك من أنت، فمن أنت بالنسبة لك قبل ذلك؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

"المكان" لإملي نصر الله.. أسرار الكتابة وكواليسها

الحبيب السالمي.. بكارة المكان ومجهر الثورة