البنك الدولي: الدول المنكوبة بالصراعات تتحول إلى بؤر للجوع
27 يونيو 2025
كشف تقرير جديد صادر عن البنك الدولي أن القضاء على الفقر المدقع على مستوى العالم لا يزال هدفًا بعيد المنال، وسط تعمّق الأزمات في الدول المتأثرة بالحروب والصراعات، حيث يعيش أكثر من 420 مليون شخص في هذه المناطق على أقل من ثلاثة دولارات في اليوم، ما يجعلها مركزًا متسارعًا للفقر العالمي.
ورجّح التقرير أن يرتفع هذا الرقم إلى 435 مليون شخص بحلول عام 2030، أي ما يعادل 60% من إجمالي فقراء العالم، رغم أن هذه الدول لا تضم سوى أقل من 15% من سكان الكوكب.
اقتصادات تتآكل... ونمو معكوس
الدول المصنّفة على أنها "هشة ومتأثرة بالصراعات"، وغالبيتها في إفريقيا، تشهد تراجعًا اقتصاديًا متسارعًا وانهيارًا في مؤسسات الدولة، بحسب البنك الدولي. ويبلغ متوسط دخل الفرد فيها نحو 1500 دولار سنويًا، وهو رقم لم يتغير تقريبًا منذ عام 2010، مقابل تضاعف الدخل في دول نامية أخرى ليصل إلى حوالي 6900 دولار.
الدول المصنّفة على أنها "هشة ومتأثرة بالصراعات"، وغالبيتها في إفريقيا، تشهد تراجعًا اقتصاديًا متسارعًا وانهيارًا في مؤسسات الدولة
وبينما يسجّل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في هذه الدول انكماشًا بنسبة 1.8% سنويًا منذ 2020، تنمو اقتصادات الدول النامية الأخرى بمعدل 2.9% سنويًا، ما يعمّق الهوة التنموية ويزيد من هشاشة البنى الاقتصادية. ويؤكد التقرير أن النزاعات الأكثر كثافة يمكن أن تقلص الناتج المحلي للفرد بما يصل إلى 20% خلال خمس سنوات فقط.
فقر مزمن ومجتمعات تتفكك
المجتمعات المنكوبة بالصراعات تُعاني من ضعف حاد في مؤسسات الدولة، وانهيار في الخدمات الأساسية، ومتوسط تعليم لا يتجاوز ست سنوات، ومتوسط عمر أقل بسبع سنوات من نظرائهم في دول أخرى.
كما يعاني أكثر من نصف السكان في سن العمل من البطالة، ما يجعل الانخراط في الميليشيات المحلية أكثر جاذبية من العمل في الاقتصاد الرسمي.
ويحذّر التقرير من أن "أزمات الفقر في هذه المناطق باتت مزمنة، وتُشكّل أرضًا خصبة للانفجارات الاجتماعية"، إذ إن نصف الدول المصنّفة ضمن الفئة "الهشة" تعيش في أزمات ممتدة منذ أكثر من 15 عامًا.
كما أشار التقرير إلى أن عدد القتلى جراء الحروب والنزاعات ارتفع إلى أكثر من 300 ألف قتيل في عام 2022، بعد أن كان مستقرًا عند نحو 50 ألفًا سنويًا في أوائل الألفية.
أزمة تمويل تهدد بانفجار إنساني
رغم هذه الأرقام، يشير البنك الدولي إلى تراجع كبير في حجم المساعدات الدولية. فقد قلّصت دول مانحة كبرى مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من التزاماتها في تمويل مشاريع التنمية، بينما تعجز المؤسسات الخيرية، مثل مؤسسة "بيل غيتس"، عن سدّ هذا العجز المتزايد.
وترافق هذا التراجع مع زيادة مقلقة في أعباء الديون على الدول المتأثرة بالنزاع، ما أجبر العديد منها على تقليص الإنفاق الاجتماعي، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية، مما يفاقم الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية ويؤسّس لدوامة من الانهيار المتواصل.
نافذة للإنقاذ قبل الانهيار الكامل
دعا البنك الدولي إلى إصلاحات محلية عميقة ترافقها شراكة دولية طويلة الأمد تركّز على معالجة جذور الصراع، كالظلم والإقصاء الاجتماعي، إلى جانب توسيع الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية وتحسين البنية التحتية. كما أوصى بالاستثمار في قطاعات الزراعة والسياحة لتوفير فرص عمل حقيقية تمنع انجراف الشباب نحو الميليشيات أو الهجرة القسرية.
وفي تصريحات مرافقة للتقرير، قال كبير الاقتصاديين في البنك الدولي، إندرميت جيل: "أكثر من 70% من الأشخاص المتأثرين بالنزاعات يعيشون في إفريقيا. وإهمال هذه الأوضاع يجعلها أمراضًا مزمنة تهدد العالم بأسره".
لا يقتصر الخطر على تدهور الدخل، بل يتفاقم الجوع أيضًا. ففي عام 2024، يعيش أكثر من 421 مليون شخص على أقل من 3 دولارات يوميًا في دول النزاع
بدوره، أكد أيهن كوسيه، نائب كبير الاقتصاديين في البنك، أن "إنقاذ هذه الاقتصادات ممكن، وقد تم تحقيقه في تجارب سابقة. الأمر يتطلب فقط سياسات دقيقة ودعمًا دوليًا حقيقيًا".
تحذيرات من الغياب الدولي الفاعل
في خلفية الأحداث المتسارعة عالميًا، هناك مجتمعات كاملة تُدفع تدريجيًا نحو حافة الانهيار، لا بفعل الرصاص وحده، بل من خلال الفقر المزمن والجوع المستشري وتفكك مؤسسات الدولة.
ومع استمرار تجاهل هذه الأزمات، تتحول الأرقام التي أطلقها البنك الدولي إلى ناقوس خطر حقيقي، يُنذر بأن غياب التدخل الدولي الفاعل لن يهدد استقرار الدول المنكوبة فحسب، بل سيطال أمن واستقرار العالم برمّته.