البنك الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يحذّران من ركود عالمي بسبب الحرب
3 يونيو 2026
حذّر البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، اليوم الأربعاء، من تباطؤ النمو الاقتصادي في عدد من الأسواق النامية خلال العام الحالي، نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.
وتوقع البنك أن تنمو اقتصادات الدول الـ41 التي يغطيها بمعدل 3.1 بالمئة خلال العام الحالي، بانخفاض يبلغ 0.5 نقطة مئوية مقارنة بتوقعاته الصادرة في شباط/فبراير الماضي.
وأشار البنك إلى تباطؤ النمو في اقتصادات رئيسية، بينها تركيا وأوكرانيا ومصر، فيما جاءت أكبر التخفيضات في توقعاته للبنان والعراق، إذ خفّض تقديراته للبنان بمقدار 6 نقاط مئوية، وللعراق بمقدار 5.1 نقطة مئوية.
انكماش متوقع في لبنان والعراق
وتقدّر المؤسسة انكماش اقتصاد لبنان بنسبة 2% خلال العام الحالي، مقابل انكماش اقتصاد العراق بنسبة 1.5% بسبب تداعيات الحرب على البلدين.
وكان وزير المالية اللبناني ياسين جابر قد قدّر، قبل أيام، خسائر لبنان بسبب الحرب الإسرائيلية بنحو 20 مليار دولار.
وتراجع إنتاج العراق النفطي بنحو 1.5 مليون برميل يوميًا خلال الحرب، بعد تعطل الصادرات عبر الموانئ الجنوبية نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
كما رجّحت المؤسسة تحسن النمو في دول البلقان الغربي إلى 2.9 بالمئة خلال عام 2026، مدعومًا بمشاريع البنية التحتية والاستثمارات العامة، في حين توقعت تباطؤ النمو في آسيا الوسطى إلى 5.6%.
وفي أوروبا الشرقية والقوقاز، توقع البنك نموًا بنحو 2.8% في عام 2026، مع خفض توقعاته لنمو أوكرانيا إلى 2.2% بسبب استمرار تداعيات الغزو الروسي وارتفاع فاتورة الطاقة والتضخم.
أما تركيا، فتوقع البنك تباطؤ نموها إلى 3.5% خلال عام 2026، بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة والضغوط التضخمية وتداعيات الصراع في الشرق الأوسط.
وقالت كبيرة خبراء الاقتصاد في البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، بياتا يافورتشيك، لـ"رويترز": "هذا التقرير هو قصة استمرار صدمة الطاقة".
وأضافت: "جاءت هذه الصدمة في لحظة تمثل تحديًا بالنسبة لأوروبا، في وقت كانت فيه المعنويات ضعيفة داخل قطاع الصناعات التحويلية الأوروبي".
حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط حتى العام المقبل قد يوجه ضربة قوية للنمو العالمي، ويدفع بعض الاقتصادات إلى الركود، ويتسبب في نقص حاد بالطاقة
التضخم والطاقة يفاقمان الضغوط
وحذّر البنك من أن أي ارتفاع إضافي في أسعار المواد الغذائية، نتيجة ارتفاع تكاليف الأسمدة وتأثيرها على المحاصيل، ستكون انعكاساته أكثر وضوحًا على الاقتصادات منخفضة الدخل ضمن مناطقه.
كما أشار إلى أن ارتفاع تكاليف الاقتراض يعني أن التضخم لم يعد يساهم في خفض نسب الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي كما حدث بعد جائحة كورونا.
ورغم أن ارتفاع أسعار الطاقة خلال العام الحالي بقي أقل من القفزة التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، فإن أسعار الغاز في أوروبا لا تزال تعادل نحو خمسة أمثال مستوياتها في الولايات المتحدة.
وأشار التقرير إلى أن ذلك بدأ يدفع الصادرات بعيدًا عن القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، في حين تنمو الصادرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع في مناطق عمل البنك.
وأضاف أن نحو ثلثي اقتصادات البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، إضافة إلى ربع اقتصادات العالم تقريبًا، اتخذت إجراءً واحدًا على الأقل لتوفير الطاقة أو دعم المستهلكين استجابة لارتفاع الأسعار.
وحذّرت يافورتشيك من أن خفض الضرائب على الوقود أو إلغاءها "يقضي على الحافز الذي يدفع الناس إلى تقليل الاستهلاك، ما قد يؤدي إلى تفاقم النقص مستقبلًا".
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: خطر ركود عالمي
وفي سياق متصل، حذّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن استمرار الصراع في الشرق الأوسط حتى العام المقبل قد يوجه ضربة قوية للنمو العالمي، ويدفع بعض الاقتصادات إلى الركود، ويتسبب في نقص حاد بالطاقة.
وفي أحدث تقاريرها حول "الآفاق الاقتصادية"، عرضت المنظمة، التي تتخذ من باريس مقرًا لها، سيناريو "تعطل مطوّل"، يفترض عدم التوصل إلى اتفاق بين أميركا وإيران حتى عام 2027.
وتوقعت المنظمة أن يؤدي هذا السيناريو إلى خفض نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى 2.1% خلال العام الحالي، مقارنة بـ3.4% في عام 2025، "ما سيدفع بعض الاقتصادات إلى الركود أو الاقتراب منه"، مع تأثر الاقتصادات الناشئة بصورة أكبر.
كما توقعت أن يؤدي نقص النفط والغاز إلى "فرض تقنين إجباري" للطاقة على الشركات، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الأسمدة ومدخلات صناعية أخرى، مثل الكبريت والهيليوم، نتيجة تراجع الإمدادات.
وأشارت المنظمة إلى أن ذلك سيضع صناع القرار أمام تحديات معقدة، إذ قد يؤدي رفع أسعار الفائدة بسرعة كبيرة لمواجهة التضخم إلى دفع الاقتصادات نحو الركود، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.
الذكاء الاصطناعي تحت ضغط أزمة الطاقة
ورجّحت المنظمة أن تمتد تداعيات الأزمة إلى طفرة الذكاء الاصطناعي الأميركية، محذّرة من أن "الصدمات الكبيرة في أسعار الطاقة أو نقص الإمدادات المرتبط بسيناريو التعطل المطوّل سيرفع تكاليف تشغيل مراكز البيانات ويقيد إمدادات المعدات الحيوية المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي".
وأضافت أن ذلك قد "يقلل من القدرة والحافز على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ما يؤدي إلى نمو أضعف بصورة ملحوظة في الاقتصادات المستفيدة حاليًا من الاستثمارات والإنتاج المرتبطين بالذكاء الاصطناعي".
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد لمح مرارًا خلال الأسابيع الأخيرة إلى أن التوصل إلى اتفاق مع طهران بات وشيكًا، ما ساهم في تهدئة أسواق النفط، إلا أن أي اتفاق لم يتحقق حتى الآن.
وأدى الخناق المفروض على مضيق هرمز إلى تقليص إمدادات النفط العالمية لأكثر من ثلاثة أشهر، ما تسبب في ارتفاع الأسعار ودفع عشرات الدول إلى اتخاذ إجراءات طارئة.
ووصف كبير الاقتصاديين في المنظمة، ستيفانو سكاربيتا، الصراع مع إيران بأنه "القوة المهيمنة التي تشكل آفاق الاقتصاد العالمي"، بحسب مقدمة التقرير نصف السنوي للمنظمة.
وأضاف أن تداعيات سيناريو "التعطل المطوّل" ستكون "عالمية"، لكنها ستطال بصورة أشد الاقتصادات النامية ذات الاحتياطات المحدودة من الطاقة والقدرات المالية الضعيفة والعملات الهشة.
ديون الشركات ومخاطر الائتمان الخاص
وأشارت المنظمة إلى أن إجمالي ديون الشركات في اقتصادات مجموعة العشرين بلغ 90 تريليون دولار بحلول الربع الثالث من عام 2025، مع استحقاق ربع هذه الديون خلال السنوات الثلاث المقبلة، ما قد يفرض إعادة تمويلها بأسعار فائدة أعلى.
كما حذّرت المنظمة من المخاطر المرتبطة بقطاع الائتمان الخاص غير الشفاف، الذي تحول منذ الأزمة المالية عام 2008 إلى مصدر متزايد الأهمية لتمويل الشركات.
وأكدت أن الترابط بين الائتمان الخاص وبقية أجزاء القطاع المالي قد يخلق "مخاطر انتقال سلبية" في حال حدوث تصحيح مالي واسع.
وشدد التقرير على أن حدة صدمة النفط الأخيرة الناتجة عن الصراع مع إيران تؤكد أهمية تقليل اعتماد الاقتصاد العالمي على الوقود الأحفوري وتنويع مصادر الطاقة.